ولم لا أقترح كما يقترح الناس ، وكما يقترح صديقى أحمد أمين خاصة ، فهو قد ابتكر لنا فن السرور ، وابتكر لنا مدرسة الزوجات . وعنى الناس بفن السرور هذا عناية عظيمة ، فكتبت فيه المقالات ، ودبجت فيه الفصول ! وعنيت وزارة الشؤون الاجتماعية ، إن صح ما قرأناء فى بعض الصحف ، بمدرسته التى أراد أن تنشأ لتخريج الزوجات عناية خاصة ، فهمت بإنشائها ، وزعم الزاعمون ، وأرجو أن يكونوا مازحين ، أن شيئا من تنازع الاختصاص قد ثار حول هذه المدرسة قبل إنشائها بين وزارة التعليم العام ووزارة الاصلاح الاجتماعي . فلا سلك طريق الأستاذ الصديق ، ولأقترح كما يقترح ، وإن كنت وانما منذ الآن بأن اقتراحى لن يلقيى من العناية والرعاية مثل ما تلقى اقتراحات أحمد أمين ، لأن الناس يتلقون آراء واقتراحاته بالقبول والحب ، ويتتلقون آرانى واقتراحانى بالحوف والاعراض ، وما أدرى أأغبط الأستاذ الصديق
وأرئى لنفسى, أم أغبط وأرئى للأستاذ الصديق, وأكبر الظن أن الخير ف ألا أغبط أحدا, ولا أرئى لأحد, فرضى الناس وسخطهم فى هذه الأمور سواء , لأنهم يرضون لحظة ثم لا يلبتون أن ينسوا ما رضوا عنه, ويسخطون حيننا ثم لا يلبثون أن ينسوا ما سخطوا عليه, وتستقر اقتراحات الأستاذ واقتراحاتى فى عوة عميقة سحيقة من الاهمال , كأنها لم تكلفها جهدا ولا عناء حين قكرنا فيها , وحين كتبناها وأعلناها , وتعرضنا فى سبيلها للوم أو الثناء , وكأنها لم تحمل قراءنا جهدا ولاعناء فى قراءتها ومناقشتها , ولم نتر بينهم ألوانا من الخصومة وفتوانا من النزاع مهما يكن من شئ ، فأى كذا خلفت كما يقول أصحاب النحو ، ومصر كذا خلفت ، فلا نستطيع لها تغييرا ولا تبديلا فى هذه الأيام على أقل تقدير ؛ ولعلها أن تتغير وتثبدل غدا أو بعد غد ، فتعنى فيما بداع فيها من الاقتراحات ، ولا سيما حين تكون عظيمة الخطر بعيدة
الأثر ، كاقتراح الأستاذ أحمد أمين فى فن السرور , واقتراحى فى فن الحزن ، وكاقتراح الأستاذ أحمد أمين فى مدرسة الزوجات ، واقتراحى فى مدرسة الأزواج ، وكهذا الاقتراح الجديد الذى أريد أن أتحدث عنه اليوم ، والذى يدل عنوانه على أنه عظيم الخطر حقا ، بعيد الأثر فى أخلاقنا الفردية والاجتماعية ، وفيا يمكن أن يكون بيننا من صلات . وما رأيك فى مدرسة ستخرج لنا رجالا يستحقون هذا الاسم ، لأنهم سيستكملون خصال المروءة الكاملة ، وهذه الصفات التى تجعل الرجل رجلا ، والإنسان الفاضل إنسانا فاضلا ، والتى تقرأها فى الكتب الخلقية والفلسفية ، وفى الآثار الأدبية أيضا ، فنحبها ونعجب بها ، وترضى عنها عقولنا ، ونطمئن إليها قلوبنا ، وتطمح إليها نفوسنا ؛ فاذا اضطربنا فى حياتنا العاملة صددنا عنها صدورا ، ونفرنا منها نفورا ، ومضينا على سجيتنا ، متكلفين من الأخلاق والخصال ما يخيل إلى الناس أن لنا من المروءة والرجولة أعظم الخطر ، وإن لم يكن حظنا منها في حقيقة الأمر إلا ضئيلا تحيلا منفوسا ؟
ما رأيك فى هذه المدرسة التى ستخرج لنا رجالا يرتفعون عن الصغائر كلها أشد الارتفاع ، وبتزهون من النقائص كلها أعظم التغزه ، ويرقون من الفضائل إلى أسمى منازلها ، حتى إذا نظرنا إليهم فى منازلهم تلك التى يعيشون فيها مع المثل العليا حسيتاهم ملائكة أطهارا ، وأنكرنا أنفسنا أشد الانكار ، لبعد ما سيكون بينهم وبننا من الآماد ؟
نعم , ما رأيك فى مدرسة ستخرج لنا رجالا يقولون فيصدقون , دون أن يحتاجوا إلى تكلف الصدق , لأنه سيكون لهم طبيعة ، ودون أن يحتاجوا إلى اجتاب الكذب ، سيمحى من قطرتهم وأمزجتهم محوا . ومن يدرى ؟ لعلهم أن يسمعوا لفظ الكذب دون أن يفهموا له معنى ، أو يحصلوا له حقيقة ، وبعدون فلا يعرفون إلا الوفاء
بالوعد, ولا يقدرون إلا عليه, ولا يستطيعون التفكير إلا فيه, ويجرون فيما بينهم وبين الناس ما يجرون من أنواع المعاملات , فلا يكون بينهم عش ولا خداع , ولا يكون بينهم مكر ولا نفاق, ولا يكون بينهم تحاسد ولا تنافس, ولا يكون بينهم تنازع ولا تقاطع , وإنما هو الوفاء الخالص والصفاء الخالص , والنقاء الخالص , والاميتاز فى كل قول , والامتياز فى كل عمل , والامتياز فى كل تفكير, وينهضون بالأعمال العامة , فإذا أمانة لا تعدلها أمانة , وإخلاص لا يشبهه إخلاص , وقصد فى السيرة , وعدل فى الحكم, وإنصاف فى الخصومة. ومن بدرى؟ لعلهم ان لا يحتاجوا إلى العدل, لأن أمرهم كله سيكون عدلا, ولا إلى الانصاف لأن أمرهم كله سيكون إنصافا. ستلقى من نظامهم الحاجة إلى التحكيم, لأن نفسوهم ستبرأ من أسباب الخصومات ومصادر الخلاف ؛ ستصبح حياتهم صفوا عفوا لا تشوبها هذه الأثم والمخزيات التى تنقص حياتنا وتكدرها, وتفسد آراء بعضنا فى بعض ، وصلات بعضنا ببعض ، وتورطنا فيما نتورط فيه من الغش والخداع ، ومن الكيد والتفاق ، ومن التصنع والرياء
بل سيلقون فى حياتهم هذه النقية الطاهرة, والرفعية الممتازة , بعض ما يسوءهم ويحزنهم حين يقرأون آثارنا, ويتدبرون أعمالنا ، وينظرون فى سيرنا ، وحين يرون ما يفسد حياتنا من هذه الأتام والنقائص ، التى لا أحتاج إلى أن أذكرها ، ولا إلى أن أصورها ، لأننا نعرفها جميعا حق المعرفة ، ونعيش معها جميعا أثناء اليقظة ، ونعيش معها جميعا في أحلام الليل
سيألون وياويحهم حين يألون, حين يعرفون أن قد كان من آبائهم واخوانهم الكبار قوم لم يكونوا يعرفون للوقاء طما ، ولا يجدون له ذوفا ، وإنما كانت الصداقة عندهم استغلالا للصديق ، واستمارا لمودته ، وانتفاعا بحاهه وسلطانه وإخلاصه ، حتى إذا مضت
الأيام ، ودارت الأرض ، وتنكر الزمان ، جحدوا الصداقة والمودة ، وأنكروا الجميل والمعروف ، وجزوا بالخير شرا ، وبالاحسان إساءة ، وبالعرف نكرا ، وبالوفاء خيانة وغدرا .
سيألمون وياويحهم مما يألمون, حين يعرفون أن قد كان من آبائهم وإخوانهم الكبار قوم يصغرون ويتضاءلون حتى كأنهم النمل حين يحتاجون ، فإذا ارضوا حاجتهم ، وقضوا أوطارهم ، ضخموا وانتفخوا ، حتى كاد يدركهم من الانشقاق والانفجار ما أدرك ضفدع لافونتين فى أسطورته الشهورة ، تلك الضفدع التى رأت نورا فأرادت أن تكون مثله فانفجرت
سيألمون وياويحهم مما يألون , حين يعرفون أنه قد كان بين آبائهم وإخوانهم الكبار قوم يهيئون أنفسهم للأعمال العامة, ويسعون إليها , حتى إذا أتيح لهم النهوض بها اتخذوها وسيلة إلى إرضاء شرههم إلى المال, ونهمهم إلى الجاء , وتهالهم على السلطان, واتخذوها وسيلة إلى التحكم والتسلط ، وإلى التغلب والتجبر ، وإلى إذلال الشعب الذى استأجرهم لخدمته ، كما يقول أبو العلاء ، وإلى الاستطالة على الصديق الذين مدوا لهم الأسباب ، ومدوا لهم الطرق ؛ وانهوا بهم إلى حيث بلغوا من مكانة سامية أو منزلة رفيعة .
واتخذوها وسيلة إلى إرضاء أذنائهم وأسبابهم على حساب الشعب , يتملقهم هذا الذنب فيمنحونه هذا المنصب أو ذاك ويهدون إليه هذه الميزة أو تلك , يكافئونه من أموال الشعب ، وكان الحق عليهم أن يكافئوه من أموال أنفسهم ، ولكنهم كلفوا الخدمة فأصبحوا سادة ، وخلطوا بين أنفسهم وبين عبيدهم من خلق الله ؛ نعم واتخذوها وسائل لإرضاء أيسر شهوانهم وأدنى حاجاتهم ؛ يريد أحدهم أن يخرج للزهة إلى مكان قريب أو بعيد ، فيخرج على حساب
الشعب ، وينفق من أموال الشعب على نزهته . يريد أحدهم أن يغير البيئة وأن يروح على نفسه بالرحلة القريبة أو النائية ، فينفق على ذلك من أموال الشعب ، والفقراء يتصورون جوعا ، والبائسون يلقون من البؤس ألوان الألم وضروب الشقاء .
سيألمون وياويحهم مما يألمون , حين يعرفون أن قد كان بين آبائهم وإخوانهم الكبار قوم قد برئت قلوبهم من الحب, فيرثت من كل عاطفة كريمة او خلق نبيل, ولكنهم مع ذلك يرعوا فى المكر والخداع ومهروا فى الغش والنفاق , حتى خيلوا إلى العامة وأشياء العامة أنهم مثل الطهر والنبل وصور الشرف وكرم النفس ورسل الحب والمودة ؟ وعاشوا على ذلك مطرقين ينفثون السم كما تنتفثه الحيات فى بيت تأبط شرا ، ينتظرون أن تتيح لهم الظروف فريسة يحكمون فيها أنيابهم الحادة وينفذون فيها سمهم القائل ويتمثلون بعد ذلك قول الشاعر القديم :
وأطرقت إطراق الشجاع ، ولو يرى مساغا لنابيه الشجاع لصما
ومراة ينظرون فيها فيرون الصغر والضمة والهوان ، ويحمدون أنه على أنهم قد كبرروا وارتفعوا وعزوا ، وينظرون إلى الحياة ياسمين لها راضين عنها مستزيدين منها مبتغين فيها الوسيلة إلى الخير وإلى الخير وحده ، ذلك الذى لا يشوبه شر ولا إثم ولا فساد .
ما رأيك فى مدرسة ستخرج لنا هؤلاء الرجال؟
ألست تراها خليفة أن تقترح ؟ ثم ألست تراها إذا اقترحت خليفة أن تظفر بعناية المفكرين والكاتبين ؟ ثم ألست تراها إذا ظفرت بتأييد الكاتبين والفكرين خليفة بعناية الحاكمين والمسيطرين حتى تنشأ ويدخل فيها الشباب أفواجا ؟
أما أنا فما أشك فى أنك ترى فى هذا الاقتراح رأيى وتحرص على هذه المدرسة حرصى وتلح فى إنشائها كما ألخ .
نعم ولكن تلح على من ؟ هنا يظهر تنازع الاختصاص ، وهنا تظهر عقدة العقد المعقدة تعقيدا ، كما كان يقال فى بعض القصص التمثيلية المضحكة منذ أعوام !
من ينشئ هذه المدرسة ، ويقوم على أمورها وأمور المختلفين إليها من الشباب ؟ رجال السلطان المدنى أم رجال السلطان الدينى ، وبين أصحاب السلطان المدنى وزارة المعارف أم وزارة الشؤون الاجتماعية ؛ من يضع لها البرامج والمناهج ؟ وكيف توضع برامجها ومناهجها ؟ من يؤلف لها
الكتب ومن ينهض فيها بأعباء التعليم؟ من يكون لها ناظرا أو مديرا أو عميدا؟ ماذا تعطى من الدرجات والاجارات؟ أتكتفى بالليسانس, أم تصل إلى الماجيستر, أم ترقى إلى الدكتوراه؟ وما عسى أن يصنع الطاغرون بدر ممنها؟ أن تبن لهم من المرتبات؟ وفى أى طادر يوضعون أفى الكادر الفنى أم فى الكادر الكتابى ؟ مشكلات كما ترى فيه لا يستطيع حلها إلا صديقتها أحمد أمين الذى نفزع إليه فى حل المشكلات ، فليعتمد على الله ، وليشعر عن ساعد الحد كما يقال ، وليفرغ لهذه المشكلات يوما أم بعض يوم ؛ ولست أرى بأسا بأن يؤلف لها لجنة إن أراد ، لتدرسها وتضع فى نتاج درسها تفريرا ، ولكن بالله إلى من يرفع هذا التقرير ؟ ..

