قرأت في إحدى الصحف الإنجليزية أن أستاذا انجليزيا اسمه مستر بلوم أنشأ مدرسة جديدة ، وجعل أساسها عدم الخوف مطلقا ، من أى صنف كان لاخوف من الأساتذة ، ولا خوف من الامتحانات ، ولا خوف من العقاب يؤدب به الطلبة ، ولا غير ذلك من أنواع الخوف . وقد أرصد النتائج لذلك ، فنال إنها أنتجت نتائج بإهرة ، فالطالب إنما يعتمد على ضميره . وقد خرج من المدرسة شاعرا بالحياة ، مبتهجا بها . بل جعل مجلس شورى للطلبة ، ومن الطلبة ، يضع فهى مناهجهم ، ويوجه نظرهم إلى ما يجب أن يعملوا وما لا يعملوا . وقد لفت نظري هذا ، إلى أن من فكر فكرة جديدة ، ممكن له أن يجربها في حرية ، فإذا نجحت عممت ، سواء في ذلك الأفراد والحكومات ، أما عندنا فلا بد أن ينصب التعليم في قوالب معينة ، ومن نادى بفكرة جديدة أهمل ، ولم يلتفت إلى فكرته .
وقبل ذلك تاريخ ابن خلدون في مقدمته بعدم التخويف وأبان أنه ضار بالمتعلمين . يقول : " إن الشدة على المتعلمين مضرة بهم ، وذلك أن إرهاق الحد بالتعليم مضر بالمتعلم ، سيما في أصاغر الولد . ومن كان مرباء بالصف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم ، سطا به القهر ، وضيق على النفس في انبساطها ، وذهب بنشاطها ، ودعاه إلى الكسل ، وحمله على الكذب والخبث ، وعلمه المكر والخديعة .
وصارت له هذه عادة وخلقا ، وفسدت عليه معالم الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن " .
ونظرة ابن خلدون وتحليله تتفق مع نظرة الأستاذ بلوم ، غير أن بيئة بلوم مكنته من نشر فكرته ، وتحقيق رغبته . وأما بيئة ابن خلدون ، فجعلت نظرته مدفونة في كتابه إلى يومنا هذا . وكم له من نظرات صائبة .
وإذا قرأت ذلك ذكرت ما لقيته في حياتي من تعذيب وتخويف من مبدأ صباى . فكان أبي شديدا قاسيا ، يضرب
ويشتم حتى على مالا يستحق الشتم . وذهبت إلى الكتاب ، فكان فقيه المكتب قاسيا شديدا ، يضربني حتى لأني لم أهتز وأنا أقرأ ، وفي المدرسة الابتدائية كأن لنا مدرسون يضربوننا ويعاقبوننا أشد العقاب ، حتى لاتفه الأسباب . ولما ذهبت إلى مدرسة القضاء خوفونا من الامتحان ، فكان من يسقط في الامتحان ولو في مادة واحدة ، منعت عنه المكافأة التى يأخذها كل شهر . . كل هذا جعل الحياة قاتمة ، والنفس غير مبتهجة . تحزن لما يحزن ، ولا تفرح لما يفرح . فإن بقيت بقية قليلة من التمتع بالحياة ، فذاك من فضل الله . وإلا فأساليب التربية كفيلة بإماتتها . وكم في الأمة من نفوس ماتت من أساليب القسوة ، وفقدت قيمتها ، وكانت تكون مفتحة مشرقة ، مصدرا لخير كبير ، لو عوملت معاملة حسنة .
وبعد : فلو فتحت مدرسة في مصر على هذا النمط . اتعيش وتنجح ؟ أم تم تموت وتفشل ؟ . إن هذا محل تفسير طويل . فمدرسة الحرية التي تؤسس على عدم التخويف يجب لتنجح أن تكون في بيئة مشبعة بالحرية ؛ أما بلد ضيقت فيه الحرية من قرون ، وكل ما حول الناشئين ظلم وتعذيب . وتعويد أن لا يعمل الشئ إلا خوفا من عقوبة أو ترغيبيا في مثوبة ، فمن الصعب أن ينشأ في وسط هذه البيئات جو مملوء بالحرية . إن أردت أن تنجح مثل هذه المدرسة ، فأصلح بيئتها ، وما حولها . أصلح البيت ، وأصلح الكتاب ، وأصلح معاملة الشرطي للباعة ، ومعاملة العمد للفلاحين ، والمأمورين للعمد ، والمديرين للمأمورين ، لأنها كلها سلسلة مرتبط بعضها ببعض .
ومحال أن تعيش نظيفا في وسط قاذورات ، أو تسلك سبل الفضائل ، وحولك ما لا يحصى من الرذائل . وكانت العرب قديما تقول :
" ما أشبه حجل الجبال بألوان صخورها " .
