الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 139الرجوع إلى "الثقافة"

مدرسة طاغور

Share

أسس " طاغور " مدرسة لفتيان الهند يأخذون فيها عنه تعاليمه ، وينشأون على مذهبه ودينه . وكان قدماء الهنود ينشئون مدارسهم بعيدا عن المدينة وضجيجها ، ويسمونها ( أسرم ) أو مدارس الغابات ، وهى مدارس أشبه بدور النسك والرهبنة منها بالمدارس الحديثة . وكان الطفل يوضع تحت رعاية ( جورو ) أو الرجل الحكيم . يأخذ عنه العلم والحكمة ، ويعيش فى أحضان أمه الطبيعة ؛ وهذا هو نظام التربية الذى مال إليه طاغور وشغف به ، فقد جاء فى مقال له : " إننا لسنا اليوم فى حاجة إلى معابد للصلاة ، ولسنا بحاجة إلى هذه الطقوس والشعائر الدينية نقيمها . إن ما نحتاج إليه حقا هو مدارس الغابات ، نريد مكانا يأتلف فيه جمال الطبيعة ومجهود الانسان . هناك يكون معبدنا حيث تلتقى الطبيعة الظاهرة بالروح الباطن " .

ولم يكتف طاغور بتقليد هذا النظام بغير تحوير ، بل نصح كذلك باقتباس كثير من النظم الحديثة فى البلدان الغربية ، وأهمها تقوية الارادة ، لأن الارادة عند طاغور تكمل الوحى وتتممه . وهذه هى الروح التى سرت فى مدرسة ( شانتى نكتان ) ، ومعناها موطن الأمن فى مدينة " بلبور " والمدرسة فى الأصل بناء أنشأ أبوه ، وجعل منه مسكنا وحديقة ومعبدا ومكتبة ، وغيرها من المرافق التى تيسر له الراحة والدرس .

وقد قاسى طاغور فى أيام طفولته كثيرا من ألوان العقوبات المدرسية ، فأراد بمدرسته هذه أن يعالج القسوة الشديدة التى كان يعامل بها أبناء الهند وهم فى دور التربية والتكوين ، والتى يردها طاغور إلى جهل القائمين بالتعليم بطبيعة الأطفال . وكان يرى فى الطبيعة خير معوان للمعلم على أداء واجبة ، فان لها لتأثيرا لطيفا هادئا فى النفوس ،

فأقام مدرسته فى العراء تحت ضوء الشمس وفى أحضان الحقول . وقد نشأت أول الأمر نواة صغيرة ، ثم أخذت تنمو وتنجح باطراد حتى أخرجت خير الثمار . كانت أول أمرها دارا يتنسك فيها أبوه ويدعو إليها الناس لعبادة الله ؛ وقد عاش طاغور فى هذه الدار فترة من الزمن فنبتت فى ذهنه فكرة إحياء المدرسة القديمة " أسرم " أو مدرسة الغابة . وبدأ التجربة عام ١٩٠١ مع تلميذين أو ثلاثة ، ثم زاد العدد إلى ثمانية عشر بعد عامين ، وإلى ستين بعد أربعة أعوام ، وإلى مائتين بعد بضعة أعوام أخرى . أما نظام الدراسة فيصفه أحد تلامذة طاغور فى هذه العبارة :

" فى الساعة الرابعة والنصف من كل صباح ينهض جماعة من التلاميذ ويدورون فى أرجاء المدرسة مرتلين الأناشيد يوقظون بها الأطفال النائمين كى يهبوا من سباتهم يستمتعون بجمال الفجر وهدوئه البالغ . وما يكاد الأطفال ينهضون حتى يأخذوا فى تنظيف غرفهم بأنفسهم ، فهم يتعلمون من البداية أن لا يفضوا من شأن العمل اليدوى ، وأن يعملوا كل شئ لأنفسهم لا يعينهم فى ذلك خدم . ثم يقومون بعد هذا بتمرينات رياضية بدنية فى الهواء الطلق ، يتبعونها بحمام بارد ، ثم يأوى كل منهم إلى مكان منعزل لا يخالط أحدا ولا يكلم أحدا زهاه ربع ساعة يقضيها فى التأمل والتفكير . ثم يصلون جماعة بعد طعام الافطار . وقبل أن تبدأ الدراسة يجتمع الأطفال ويرتلون نشيدا من كتابهم المقدس . وبعدئذ يتلقون دروسهم من الثامنة إلى منتصف الثانية عشرة . وتنعقد الفصول فى الهواء الطلق ، بل إن الحياة المدرسية كلها تجرى فى العراء ما دام الطقس معتدلا جميلا . فالمدرسة روضة ، يجتمع أبناؤها فرقا تحت الأشجار ، ويحمل كل منهم حصيرا يفترشه ، وقرطاسا وقلما ومدادا يستعملها حين يريد الكتابة .

وفى تمام الثانية عشرة يتناولون الغداء ، وتنتهى الدراسة كلها فى الصباح ، لأن جو الهند الحار لا يسمح بالعمل بعد منتصف النهار . ويقضى الأطفال ما بعد ساعات الظهيرة فى إعداد دروسهم ، وفى الألعاب الرياضية وفلاحة البساتين . ويتوجه بعض كبار التلاميذ إلى إحدى القرى المجاورة حيث يعلمون الصبية ويرشدونهم إلى فعل الخير . وبعد ما تنقضى هذه الفترة من النهار ، يستحم التلاميذ ، ثم يثوبون إلى فترة التأمل والتفكير ، التى تعقبها الأناشيد السانسيكريتية قبل تناول العشاء . وبعد وجبة المساء يتبادل التلاميذ تلاوة القصص لمدة ساعة ، ويصرفون الوقت فى التمثيل والغناء وما إليهما ، ولا يشترك كبار التلاميذ فى هذا اللهو ؛ إذ أن كثرتهم تعد لامتحان القبول فى الجامعة ، فهم بحاجة إلى زيادة ساعات العمل والاستذكار . أما من دونهم فيحظر عليهم الاستذكار فى ساعات المساء . وبعدئذ يأوى الطلبة إلى الفراش حيث تكون الساعة فى منتصف العاشرة ، ويطوف بعضهم ثانية فى أرجاء المدرسة يرتلون الأناشيد ، وهكذا ؛ فهم يبدأون النهار بالأغانى ويختمونه بالأغانى .

ويبث طاغور فى تلاميذه روح القومية وحب الوطن ، بحيث لا يتعارض ذلك والعمل على خدمة الانسانية عامة ، إذ أن اختلاف الجنس والدين ينبغى أن لا يعوق الانسان عن حب أخيه الانسان .

والأطفال فى مدرسة طاغور يحكمون أنفسهم بأنفسهم ، وينتخب التلاميذ من بينهم رئيسا لهم كل أسبوع ، يعمل على حفظ النظام ، وعلى الجميع طاعته ؛ ويعاون الرئيس مساعدون يختارون كذلك بالانتخاب ، ويشرف كل منهم على ستة أو سبعة تلاميذ ؛ وتنعقد كل مساء محكمة من الطلبة تقضى فى المخالفات التى وقعت خلال النهار ، ولا يشترك فيها الأساتذة إلا إذا كان الجرم خطيرا ، وقل أن يكون كذلك .

وتسود المدرسة روح دينية ، ولا يتحكم المعلمون فى

الطلبة ؛ بل إن المعلمين كثيرا ما يخضعون لإرادة تلاميذهم ويلبون مطالبهم . والعقوبة البدنية بكل صنوفها ممنوعة منعا باتا ، ولعل أشد عقوبة توقع على المذنب أن يقاطعه زملاؤه ومعلموه . فاذا أقر المخطئ بخطيئته عادوا إلى مخالطته وحشروه فى زمرتهم من جديد .

وتعنى المدرسة بصحة التلاميذ وبناء جسومهم ، ويدربون على شئ من الخشونة والاعتماد على النفس ، ويمرنون على الألعاب المختلفة ، وكثيرا ما ظفرت مدرسة (شانتى نكتان ) فى المباريات مع المدارس الأخرى ، وأحرزت كأس الانتصار . ويدربون فوق ذلك على إطفاء الحرائق وتلافى أخطارها .

ولعل هذه الصورة التى ترسمها لمدرسة طاغور لا تتم إلا إذا ذكرنا كلمة عن الدور الذى يلعبه بنفسه فى إدارة المدرسة . كان طاغور يحب تلاميذه حب الأب لأبنائه ، وهو يقول : " إننى مع هؤلاء الأطفال أسعد منى فى أى مكان آخر " ويسميه الأطفال ( جوردو ) أو " سيدنا " . ويقوم بتدريس الأدب والغناء ، ويشجع الأطفال على الابتكار فى الرسم والتصوير والشعر ، وهو أشد ما يكون سرورا حين يعرض عليه طالب من طلبته أولى ثمار إنتاجه الأدبى . ويقوم التلاميذ كل شهر أو شهرين باخراج مسرحية من مسرحياته وتمثيلها ، ويشترك بنفسه معهم فى الأداء ؛ فقد مثل معهم دور الملك فى رواية " ملك الغرفة المظلمة " .

فى مثل هذا الجو ينشأ أطفال ( شانتى نكتان ) متأثرين بتلك الشخصية العظيمة ، شخصية طاغور ، وبمثل هذه الروح فى التربية يكون لنا من أبنائنا رجال صحاح الجسوم والعقول ، أشداء العزيمة ، أقوياء الايمان . إن طاغور فى عالم التربية لا يقل من " فروبل " الذى جمع حوله أول الأمر نفرا من الأطفال ، يغنى لهم الأغانى وينشد الأناشيد ، وانتهى به الأمر إلى قلب نظريات التربية فى مدارس الدنيا بأجمعها ؛ وليس طاغور كذلك

فى هذا الميدان بادنى مرتبة من " مدام منتسورى " التى تولت فى روما إدارة مدرسة من ضعاف العقول ، فأخرجت من أطفالها " المعتوهين " جيلا أحد ذكاء من أبناء المدارس الأخرى .

إن عماد طاغور فى التربية تنمية الاعتماد على النفس ، وترك الأطفال وشأنهم فى تحصيل العلوم والمعارف . وليس هذا بالأمر اليسير ، وقد جربت إحدى المدارس المتزمتة أن تسمح لتلاميذها فى يوم واحد فقط من أيام الأسبوع باختيار ما يشاءون من دروس ، فكان الطلبة يشغفون

بهذا اليوم ، ويتطلعون إليه طوال أيام الأسبوع الأخرى .

وقد تعود طاغور أن يجمع تلاميذه فى المعبد مرتين كل أسبوع ، ويتحدث إليهم فى الشئون الدينية وأغراض الحياة حديثا مبسطا جذابا . وكان الأولاد يغرمون بهذه الاجتماعات الدورية ، وبغيرها من الاجتمات التى كانت تعقدها المدرسة كل عام ، احتفالا بتأسيس المعهد ، أو برأس السنة ، أو تكريما وذكرى لكل رجل عظيم أدى للانسانية خدمة جليلة . وكانت طاغور يرأس بنفسه هذه المحافل .                     (م)

اشترك في نشرتنا البريدية