يقول المستر . هجرولز (H. G. Wells) (( إن التربية هى أحدث أنواع الفنون والعلوم . وإنه لمن المألوف لجميع العالم وجود فئة خاصة من الناس همها الدرس والتقدم العلمى ، ولكن فكرة إعداد عقول جميع الطبقات أو الجماهير للتعاون والعمل المشترك شئ جديد نسبيا )) . وهذا هو العمل الخطير العظيم الذى يجب عليكم وعلى الاضطلاع به . إننا نعيش فى زمن أخذت تزول فيه سريعا كل القوى والامتيازات التى كانت طبيعية فينا بسبب المولد والوراثة ، ولكم الآن نظام انتخاب ممثلين يشمل الملايين ، فى حين أنه كان يشمل الآلاف ، ونعيش فى عصر لا مندوحة لنا فيه من المحافظة على المدنية التى نجحنا فى الوصول إليها ، وانتشار الثقافة بين الناس والمثابرة على ذلك ، وأصبحنا أكثر حاجة لأن نشن حربا قوامها التعقل على الشهوات التى قد تسيرها عقلية الجماهير.
إن رجال العلم - وأخشى أن أعترف أنى لست منهم - متشائمون . وقد قال أخيرا أحد علماء (( علم الحياة )) : إنه كلما كان البرلمان اكثر تمثيلا للأمة كان أقل إدراكا للأمور فى الحال والمآل )) . ولقد كتب هذا قبل الانتخابات ، ولكن آراء النظريين لن تثبط من عزيمتى ، ولقد صممت بمعاونة زملائى ومعاونتكم على تحسين الأمور . وإن أمامكم عوائق دأبتم على العمل على التغلب عليها ، وهى عوامل البيئات التى نشأ فيها الأطفال . وعوائق الوراثة . وإنا نستطيع أن نساعدكم فى هذا العمل وسنعمل على تذليلها مجدين فى معاونتكم .
ولكن دائما أظن أن أولئك الذين يقولون عنا - نحن الذين ندير شئون الحكم - أو عنكم ، يشبهوننا تشبيها خاطئا عندما يصفوننا بأنا بناءون ومشيدون ، لأن واجبنا أقل تواضعاً ، فانه كمثل البستانى ، إذ يجب علينا أن نكفل للطفل ما يكفله البستانى لأشجاره ، وهو التربة الصالحة والتعرض الكافى للشمس . لذلك يجب إزالة النباتات الضارة ، وتقليم الأشجار ، وتسميد الأرض ، ثم نصبر وننتظر ما ينتجه النبات من الزهور والثمار ، ويجب أن نذكر دائما أننا لا نستطيع الحصول على العنب من أشجار الشوك . ولقد قلت إنى أود أن أرى التعليم الثانوى والجامعى فى متناول جميع الأطفال الذين يرغبون فيه ولا زلت عند رأيى . . .
ولكن كل ما يمكن أن تعمله الحكومة قليل الجدوى ، إذا لم نتدبر المسألة الوحيدة المهمة دائما ، وهى التأثير الشخصى ، وهو فى هذه الحالة يقع عائق للمعلمين الذين يحبون عملهم ويكونون معدين إعداداً لائقاً للقيام به ، ولذلك سرنى ما قامت به الحكومة حديثا من رفع مرتباتهم . ولعمرى إن شخصية المعلم هى اهم عوامل التربية جميعا . فانكم إيها المدرسون الذين تبعثون فى نفوس الأطفال نمو الروح الإنسانية وتقديرها ، ومعرفة تقاليدنا التى تقدس الحرية والنزاهة ، وأنتم الذين توضحون لهم مقدار تقدمنا فى العلوم ، وإدرا كنا للمسائل العظيمة التى تنجم عن تنوع الأجناس والأمم ، وبوساطة دروسكم تصل إلى نفوس هؤلاء ، الأطفال (( همسات ذلك البحر الخضم وروائحه )) .
وكلنا يعرف مساوئ ، النظام الصناعى ، ونعلم أننا لا نستطيع تقويم أود سكاننا بدون منافسة جبارة ، وأنا نجد صعوبة فى ملاءمة مطالب الصناعة مع مطالب الانسانية المستنيرة ، وأنا نستطيع أن نتخلص من غوائل الفقر وأن ندبر ما يمنع أسوأ أخطار الحياة . وعلى كر الأيام ترفع
مستوى المعيشة بين الناس . ولكن بعض هذه الأشياء عديم القيمة إذا لم نعمل على رفع المستوى الاخلاقى بينهم . ولقد صور المستر برتراندرسل Bertrand Russell عندما قال لا مشاحة فى أن الفقر شر عظيم ، ولكن التقدم المادى ليس فى حد ذاته نعمة عظيمة ، وقيمة فائدته للجماعة الإنسانية مقصورة على أنه وسيلة لتقدم الصفات التى من خصائص العقل البشرى ، وأنا أقول تقدم حياة الروح .
وفى الختام أود أن أزيد فى تأكيدى لكم ماقلته عن القيمة العالية لعلم الأخلاق ؛ فانكم إذا رجعتم إلى عهد طفولتكم - كما أرجع إليه - ألستم تجددون أننا أقصى قضاة الأخلاق حكما على من كان له السيطرة علينا ؟ فإننا لانذكر المعلم الماهر أو المعلم الذى علمنا أكثر من غيره ، ولكن ما نذكره هو الرجل الذى أثر فى نفوسنا على غير علم منا ، الرجل الذى كان أمينا نزيها والذى نفث فى عمله اليومى تلك الروح التى مع انقضاء زمن طويل عليها ، تجعلنا
نشعر عندما نواجه معضلات الحياة يوما بعد يوم والتى كانت محك أخلاقنا ، انا نسير فى طريق نظن أنه ليس بالقويم ، لأننا نحس أنه لا يقابل باستحسان من أولئك الذين عرفناهم كل هاته السنوات .
وسأقرأ عليكم ، وأنا ممتلىء سروراً ، كلمات من كتاب كتبه حديثا أحد المدرسين ، وهذه الكلمات تتضمن معنى ما أردت الإفصاح عنه ، فانه يتكلم عن تأثير المعلم فيما بعد على تلميذه ، وهو يتكلم عن التلميذ وقد دخل فى دور الشيخوخة ، قال :
(( إن الرجال بعد أن اكتسبوا خبرة الأبوة يتذكرون تذكراً واضحا حزم المعلم عندما كان يؤاخذهم على هفواتهم الخلقية ، وصبره عند معالجة ضعفهم العقلى ، ويذكرون مدرستهم القديمة ويحمدون لها مدة دراستهم بها ، لأنها كانت مثابة لهم ولأساتذتهم ، وظلا ظليلا يمدهم به سيد جميع المدرسين )) .

