-2-
الحق ان المسجد الأموي بدمشق هو ذخر للمسلمين بعد الكعبة المكرمة ؛ وقد قال فيه الرحالة المقدسى : " والجامع جامع دمشق أحسن شئ المسلمين اليوم ، ولا يعلم لهم مال مجتمع أكثر منه ، ومن أعجب شئ فيه تأليف الرخام المجزع كل شامة إلى أختها ؛ ولو أن رجلا من أهل الحكمة اختلف إليه ستة لافاد كل يوم صنعه"
ولقد زار دمشق كثير من الرحالين المسلمين ووصفوا آثارها في آثارهم ، وأخذوا بروعة الجامع الاموى وكمال صنعه . ومنهم ابن بطوطة الذي قال فيه : " وهو أعظم مساجد الدنيا احتفالا، واتقنها صناعة ، وابدعها حسنا وبهجة وكمالا ، ولا يعلم له نظير ، ولا يوجد له شبيه "
وكانت قصور الأمراء على الجملة فى دمشق الاموية تمثل الحضارة العربية أجمل تمثيل ؛ لأنها قصور دولة قامت على أكتاف العرب ، واستقامت على كواهلهم . إلا أن هذه القصور كانت بجمع بين البساطة العربية والفخامة الرومانية . ولحماد الراوية وصف لدار الخليفة هشام بن عبد الملك يقول فيه : " إنها دار قوراء مفروشة بالرخام ؛ وهو يعنى الخليفة - في مجلس مفروش بالرخام ، وبين كل رخامتين قضيب من ذهب ، وحيطانه كذلك "
وصف يزيد بن المهلب دار ولى عهد سليمان بن عبد الملك بدمشق فقال ( دخلها فإذا هي دار مجصصة حيطانها وسقوفها . تم أدخلت دارا أخرى فإذا حيطانها وسقوفها خضر ، وإذا وصفاؤها ووصيفاتها عليهم ثياب خضر وحلى الزمرد
على أنه يلوح لنا ان هذا الوصف فيه كثير من الخيال الشائق والمبالغة اللذيدة . وأن هذه الرواية تمتعت بشئ من الإغراق في الوصف لتتم محاسن الموصوف . . الا انه من المحقق أن هذه
العاصمة الإسلامية الكبرى ازدحمت بالقصور الشاهقة في جوف المدينة أو على نجوة منها
... ثم يدور كوكب النحس كعادته - على دمشق ... فتسقط الخلافة الأموية ويشرد أبناء الخلفاء ؛ ويتحسهم العباسيون فى كل مكان ؛ ويغرى الشعراء الخليفة العباسى بقتلهم وإبادتهم حتى لا يحسوا منهم من أحد أو يسمعوا لهم ركزا . ويقول في ذلك شاعر أبياتا مشهورة منها هذا البيت :
جرد السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
وكان ذلك فى الثلث الأول من القرن الثاني الهجرة . فتنتقل الخلافة إلى بغداد التى بناها ابو جعفر المنصور وجعلها مقر الملك وحاضرة الخلافة .
و ( بغداد ) قديمة فى التاريخ . وترجع إلى ألفي سنة قبل البلاد في عهد البابين ، وقد ورد ذكرها في حجر ، Micaux ، الذى وجد لقي على ضفاف نهر دجلة وعليه تاريخ يرجع إلى سنة ١١٠٠ قبل الميلاد . ومما يدل على قدم بغداد رصيف نهرى اكتشفت بقاياه واحجاره على نهر دجلة بوساطة العلامة الإنجليزي السير هنري رالنسون ، وعليه لوحة تحمل اسم أحد ملوك بابل القدماء .
وفي عهد الإسلام كانت ( بغداد ) فى الشرق ، وقرطبة فى الغرب تتقاسمان سيادة العالم في التجارة والثراء والثقافة والحضارة . ولقد أوحت ليالي بغداد وقصورها وجسورها ومالها وغاداتها وغلمانها وجوارها وشعراؤها ومغنوها إلى مؤلف (قصص ألف ليلة وليلة )خيالا واسعا كل السعة ، مبدعا كل الإبداع . تلك القصص الشائقة الجميلة التى ترجمت أول ما ترجمت الى الفرنسية سنة ١٧٠٤ بوساطة الكاتب الفرنسي ( جالاند )
وتفيض كتب التاريخ والاسفار والادب في وصف بغداد ، وتطيل فى ذلك الكلام إطالة لا يدخلها ملل ، وخاصة فى عصور المنصور مؤسسها والرشيد وولده المأمون . وهم الخلفاء الثلاثة البارزون فى العصر العباسى
وكانت بيوت بغداد وقصورها تبنى من الطوب والقرميد ، لا من الحجر - كما كان الشأن فى دمشق - لأنها فى منطقة غير سخرية . وكانت هذه البيوت تشرف على العبرين من نهر دجلة ، وتتعالى فى أجواز السماء إلى علو شاهق ، ومحيط بها البساتين الناضرة ، ويجرى فى وسطها الجداول المنساية
تحت أفياء أشجارها ، وغرد أطيارها ، وتتلألأ في وسطها القدر الصافية والبرك الصقيلة
والبحتري الشاعر الرقيق يصف لنا بركة التوكل في شعر تصويري جميل ، ويصور انعكاس النجوم عليها ليلا فتبدو كأنها سماء أرضية ! ويصف انسياب وفود الماء فيها معجلة كأنها الخيل وهي تخرج من حيال مجريها ، ويقول في ذلك :
تنساب فيها وفود الماء معجلة كالخيل خارجة من حبل مجريها
ويقول فى المعنى الأول ولعله أول مخترع له :
إذا النجوم تراءت في جوانبها ليلا حسبت سماء ركبت فيها
والقصيدة مشهورة معروفة فى كتب الأدب فلا معنى لكتابهتا هنا
والآبيات التالية تصور لنا أصدق تصوير ارتفاع القصر المعروف بالكامل فى بغداد ، وتصف لنا فى بيان عذب شرفاته المطلة على حبك السماء ورياضه المتعطرة بأرج الأزهار وهي :
لما كملت روية وعزيمة أعملت رأيك في ابتناء (الكامل )
وغدوت من بين الملوك موفقا منه لأيمن حلة ومنازل
ذعر الحمام وقد ترنم فوقه من منظر خطر المزلة هائل
أغنته دجلة إذ تلاحق فيضها
عن صوب متسكب السحاب الهاطل
رفعت لمخترق السحاب سموكه وزهت عجائب حسنه المتخايل
وتنفست فيه الصبا فتعطرت أشجاره من حول وحوامل
وكان نهر دجلة فى ذلك الحين يكاد يغص بالحرامات الكثيرة ، والزوارق الجميلة تتهادى فوق مياهه المتكسرة ، وكلنا يذكر أبيات أبي نواس في وصف حراقة الأمين
اشتهرت تلك العاصمة الاسلامية العظيمة فيما اشتهرت بنوع من الحرير المعروف بحرير ( العتابية) نسبة إلى العتابي ( بتشديد التاء ) الصحابى الجليل . وأخذت هذه الكلمة إلى اللغات الأوربية باسم تابى Tabby دلالة على الحرير الغني بالألوان المائية الكثيرة الزاهية
ومن المؤلم في تاريخ بغداد ان تلك القصور العظيمة قد دكت من القواعد ، وأن تلك الرياض الناضرة قد صوحت ، وأن تلك البرك الصقيلة قد جف ماؤها وانعدم السكون إليها ، وأن هذه الأنسجة الجميلة والثياب الحريرية لم يبق لها أثر ، وأن الكتب
التى كانت في دور العلم والحكمة فيها قد ضاعت وغرقت وأحرقت فيما اختلف على بغداد من حوادث وفتن جسام ، وخاصة في غارة التتار عليها سنة ٦٥٦ هـ والله يذل من يشاء
ولقد قلت أهمية بغداد نوعا ما حينما نقلت العاصمة إلى "سر من رأى" على يد المعتصم . ألا أنها عادت إلى بعض ما سلف من جاهها فى عهد المستعين بالله حينما عاد إليها هاربا من الأتراك واستبدادهم . ولكنها لم تستطع ان تسترد مكانتها القديمة وحضارتها العظيمة ، وإن كانت بقيت بعد ذلك حاضرة للاسلام مدة من الزمان
ومن عجب أنها احتفظت بعد سقوطها باسم عظيم ولقب كريم فكانت تسمى في الوثائق التركية الرسمية باسم ( المدينة الفائقة )
ويدور الزمان على بغداد كما دار على بابل وروما وأثينا وبيزنطة ودمشق فتزول عنها صفة العاصمة ، وتزول عنها الخلافة ؛ ويجيء الخليفة هنا إلى مصر فلا يبقى له غير اسم الخلافة حتى تنتقل من مصر إلى القسطنطينية فى زمن السلطان سليم العثماني في الربع الأول من القرن العاشر الهجرى
ويظهر في المشرق تيمورلنك المغولى المسلم ، والفاتح العظيم ، والقاسى فى ساح الحروب ، والعفو الرحيم في ميدان السلم ، فيحكم بغداد ويخضعها لسلطانه حوالى سنة ١٤٠٠ ميلادية
ثم تنتقل بها عجلة الأقدار إلى يد أخرى أجنبية غير عربية ، هى يد الشاه اسماعيل الصفوى مؤسس الأسرة الصفوية ببلاد الفرس ، وتصبح بعد ذلك محلا للنزاع بين الترك والفرس ، وتدار على أيد فارسية حينا ، وتركية حينا آخر : فيأخذها سليمان الأول التركي ، ثم يأخذها الشاه عباس العظيم سنة ١٦٢٠ ويستردها السلطان مراد التركى سنة ١٦٣٨ م بعد مذبحة عظيمة عند التسليم
واسم بغداد مدينة السلام ، أو دار السلام . وكلا الاسمين صحيح . وقد اعترض على أديب بغدادى فى مجلة الثقافة الغراء منكرا الاسم الثاني ، وهو اعتراض لا محل له ، فقد استعمل هذا الاسم أكثر من مؤرخ ممن يوثق بهم ، كابن بطوطة ، وجميل نخلة المدور العراق ، وصاحب كتاب (حضارة الإسلام فى دار السلام ) وجورجي زيدان ، والعلامة محمد كرد على عالم الشام ومؤرخها وصاحب خططها .
(الحديث موصول)

