الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 663الرجوع إلى "الثقافة"

مدينة فاضلة

Share

-٢-

كان فولتبر الترف في معيشته إلى حد بعيد :

توسل إليه في بدء شبابه عن طريق مخالطة البلاء والأغنياء ومصاحبتهم .

وتوسل إليه في بلاط ملوك أوربا مثل فردريك الثاني ، ولويس الخامس عشر .

ولكنه وجد أخيرا أن أمثل الطرق لحياة الترف هو المال  ... هو الذهب .

فاتجه إلى تنمية ثروته الشخصية عن طريق التجارة والمعاملات المالية المعقدة ... فلم يكن الأدب في أيامه صناعة كاسية .

وقد كان له ما أراد ... كان له مال كثير وغني وافر .

ثم كانت له حياة الترف والنعيم التي يشتهها . فشيد حياة الترف والنعيم التي يشتهيها . فشيد لنفسه قصرا باذخا في فرني على الحدود الفرنسية - السويسية . وأقام فيه كأنه ملك في بلاطه محوط به كل غال ونفيس من متاع هذه الدنيا ... وبلغ من إسرافه في إرضاء شهواته أن بني لنفسه مسرحا خاصا يمثل على أخشابه ما يؤلفه من روايات مسرحية .

فلا عجب ، وهذا مبلغ اهتمامه بالمال ، أن يكون أول شئ يلحظه في المدينة الفاضلة هو الذهب .

ذلك الذهب الذي يكسو الطرقات ، ولم تعد له قيمة لكثرته ، فاتخذ الناس من الجوهر والياقوت والزمرد مواد يشيدون بها قصورهم الفخمة المزخرفة .

وآية النعيم والترف إذا هي هذه " الكئوس المصنوعة من الجواهر الضخمة" ، و " جدران الغرف المرصعة باللآلئ الكريمة" و" الملابس المصنوعة من أسلاك الذهب "

ومن كانوا يحظون بمثل هذا فلا يكونون ، فيما يرى  الكاتب ، إلا سعداء

... وكان فولتير يرى تشجيع التجارة ومعاونة الحكومات للتجار بسائر الوسائل الممكنة ، وله نظريات في هذا الميدان

طالنا نادي بتطبيقها ؛ لذلك تراه في حديثه عن خير البلاد قاطبة يذكر لنا تلك "الفنادق" الفخمة التي تقيمها الحكومة عند نهاية كل مرحلة من مراحل الطرقى الكبيرة لينزل بها المسافرون ، والتجار منهم خاصة خاصة ، فيتفق عليهم عن سعة وبذخ وتتحمل خزانة الدولة نفاتهم المختلفة ، فيعود ذلك على البلاد بالخير المضاعف .

وجدير بنا أن نلاحظ ما يرويه القاص عن الخراف الحمراء التي تجر العربات الفخمة في سرعة عجيبة . فمن المعروف أن المواصلات في القرن الثامن عشر كانت رديئة للغاية ، وكانت تعتمد قبل كل شئ على الخيل التى كثيرا ما تتعطل أو تنفق . وإذا كان فولتير لم يتنبأ بالقطار أو بالطائرة فهو على أي حال كان يفكر في وسيلة تريح المسافرين المرهقين من عنت الرحلات .

وأهم آراء الكاتب في المدينة الفاضلة تتركز في حديث الشيخ العالم إلى ضيفيه الأوربيين .

ونستطيع أن نوضح هذه الآراء فما يلى :

١ - الناس في هذه البلاد سعداء ، لذلك تطول اعمارهم ، فعمر الشيخ الذي يحدثنا مثلا كاد أن يبلغ القرنين ولم ينته بعد .

٢ - خير للإنسان أن يبقى فى وطنه ويرضى بالحال التى قسمت له ولا يغتر بقوته فيخرج لحرب غيره من بني الإنسان . وأبلغ مثل على ذلك هو ما حدث لشعب الإبنكا الذين أفني الإسبان جزءا كبيرا منهم .

٣ - عدم الاتصال بالحضارات الحديثة يحفظ للشعوب سعادتها وسذاجتها .

٤ - تكالب الأوربيين على استغلال الشعوب الأمريكية البدائية يجر أوخم العواقب ، فيجب على هذه الشعوب أن تحتمى منهم قدر الإمكان .

٥ - يجب أن يكون للدين مكانة خاصة في البلدة

الفاضلة . والدين الذي يتحدث عنه قولتير يمتاز بالبساطة المطلقة ؛ فهناك عقيدة واحدة لا يختلف فيها اثنان ، وإله واحد لا شريك له . وهذا الإله ليس إليها متجبرا يفرض على الناس إرائه العمياء وبذلهم ؛ لكنه إله خير مطلق يعطى عباده كل ما هم في حاجة إليه ، ولا يطلب منهم إلا الشكر والاعتراف بالجميل . وطقوس الدين ساذجة رائعة . ملك يقوم على رأس شعبه بالصلاة ، والوسيقي تعزف أشجى الألحان . وليس في هذا الدين قسس يتنازعون فيما بينهم ويتنافسون . بل كل رب عائلة هو وحده الرئيس الديني لأسرته ، دون ما حاجة إلى وسيط أو شفيع .

فالمدينة الفاضلة ليس بها رجال دين بالمعني المعروف .

والمجتمع الذي يريد السعادة إذا يجب أن ينبذ رجال الدين .      ولكي نفهم موقف فولتير هذا من الكنيسة يجب أن نلقى نظرة سريعة على حالة الكنيسة في عصره .

ولكى نفهم دعوته للبساطة المطلقة في العقيدة يجب أن نعرف شيئا عن المباديء الدينية العامة التي كان ينادي بها الفلاسفة فى القرن الثامن عشر .

وأقرب صورة للكنيسة في عصر فولتبر هي تلك التى يرسمها لنا فولتير في قصته كاتديد : صورة تبعث في نفس القارئ الغضب المزوج باليأس المرير .

فهي سورة التعصب الأحمق الذي يدفع بالإنسان إلى تعذيب أخيه الإنسان ، لالشئ إلا أنه يختلف معه في بعض الشكليات التافهة من طقوس الدين .

وهي سورة الجشع الغريب الذي ينصف به القس إذ يتخذون إيمان العوام وسيلة للغني والسلطة والجاه .

وهي صورة ذلك التنافس السخيف الدائم بين المذاهب المختلفة من دين واحد .

ثم هي تبين الفساد العظيم الذي سري إلى رجال الدين, فبنوا لأنفسهم القصور واخذوا الحليلات وأسرفوا في إمتاع نفوسهم بكل ما لذ وطاب من أسباب الحياة . بينما الشعوب ترزح في أغلال الفقر والجهل المطبق .

ورجل الدين بعد ذلك لا فائدة منه ، بل هو عالة على المجتمع . وهو شر يستفحل يوما بعد يوم .

فلا عجب, والحال هذه, أن يقوم الفلاسفة - والقرن الثامن عشر كان قرن الفلسفة - بالدعوة إلى الإصلاح والتجديد في النظم الدينية السائدة .

وكان أول مفكر تجرأ فبحث في الدين من الناحية العقلية البحتة هو الفيلسوف هنري بايل ، الذي رأي أن الدين ليس حاجة ضرورية للمجتمع ، ونادي بفصل أمور الحكم والإدارة عن أمور الكنيسة والقيدة ، وحمل حملة صادقة على التعصب القاسى العنيف الذي امتازت به الكنيسة المسيحية .

وتبعه في حملته هذه أغلب الفلاسفة الذين جاءوا من بعده . ومنهم صاحب قصة كاتديد .

وكان فولتير يؤمن بإله الفلاسفة ، ذلك الإله العقلى البحت ، الذي لا يطلب من عباده طقوسا سخيفة ، ولايحتاج إلى وسطاء من رجال الدين بينه وبين البشر ، ثم كان يؤمن بالحرية الفردية في المسائل الدينية إلى أقصى حدودها , ويسعى سعيا جبارا لهدم صروح التعصب أيان وجد .

وإذا كان يقرر في بعض رسائلة أنه من الخير للرجل من العامة أن يؤمن بالجنة والنار ، وبالثواب والعقاب - وذلك لأسباب مادية بحتة - فهو يقرر أيضا أن أبغض شئ إلى نفسه هو سيطرة رجل الدين على المجتمع واستغلاله لحسابه وذر الرماد في العيون بتلك الطقوس الفارغة والعبادات السخيفة التي لا يستطيع العقل المفكر قبولها ،

. . .  ولنعد الآن ، بعد هذا الاستطراد الذي لم يكن منه بد لتوضيح آراء فولتير في المدينة الفاضلة ، لنعد إلى صاحبنا كاتديد وإلى خادمه كما كيو .

لقد تركناهما في طريقهما إلى عاصمة إلدور رادو في عربتهما التى تجرها الخراف العجيبة بسرعة فائقة .

يقول القاص :

" ... وصلت المركبة إلي قصر الملك بعد رحلة استغرقت أقل من أربع ساعات ... وكان باب القصر يبلغ من الارتفاع مائتين وعشرين قدما ، ومن العرض مائة قدم . ولا نستطيع وصف المادة التي صنع منها ، فهي تفوق إلى درجة رفيعة مادة الحصى والتراب والحجارة ، مما نسمه نحن ذهبا وجواهر .

" واستقبل كانديد وكاكيو عشرون فتاة من الحرس الملكي عند نزولهما من العربية ، وذهين بهما إلى الحمامات ، وألبستهما أثوابا من ريش الطيور الناعم ، ثم سلمتهما إلى رجال البلاط الدين قادوهما إلى حجرة العرش المكي بين صفين من الوسيقيين . وكل صف عدده ألف فنان ، حسب عادة البلاد .

وعند ما اقتربا من العرش ، سأل كا كيو : كيف يحتي

الناس للملك : هل يركع المرء أمامه ، أم يسجد له ؛ وهل يرفع يده إلى رأسه ، أم يجعلها من ورائه ...

" . . فقال له الأمين الأكبر : - العادة عندنا نقضي بأن الإنسان يصافح الملك بقوة ويقبله على وجنتيه .

" فانهال كانديد وكا ثبو على الملك بقبلانهما . فرحب بهما كل الترحيب ، ودعاهما للعشاء معه في الماء .

" وحتى عين الموعد المحدد أخذها بعض رجال البلاط للتفرج على معالم المدينة . فرأا الأبنية الفخمة ترتفع إلى علو شاهق ، والأسواق حسنة التنسيق تحت قباب ضخمة محملها آلاف الأعمدة ، وينابيع الماء النفي ، وينابيع ماء الورد وعصير قصب السكر ، تتدفق وسطمي واسعة قدر صفت بنوع من الأحجار الكريمة تبعث رائحة منمشة مثل رائحة الفر نقل . .

" . . وسأل كانديد عن دار القضاء . وعن المحاكم ، فقبل له إنه ليس في إدورادو شئ مثل هذا ، وإن أهلها ) يعرفون التقاضى والتنازع . وسال عن السجون فقيل له إنه لا يوجد بالمدينة سجون .

" والشئ الذي أثار دهشته وإعجابه كان وجود قصر العلوم . وهو بناء يضم سائر الأدوات في المواد اللازمة البحث العلمي ، في الطبيعة والرباضيات خاصة .

وبعدما طاف صاحبانا ببعض أحياء المدينة عادا إلى القصر حيث جلسا إلى مادة الطعام بجوار الملك وسيدات البلاط وقدمت لها ألوان من الغذاء لم يتذوة فيما مضي من حياتهما أحسن منها . وأعجب كانديد بأخلاقي الملك الكريمة وبذكائه ولطفنه .

ومكثا شهرا في هذه البلاد الجميلة . . ولكن كانديد كان يحب . . كان يحب فتاة ألمانية من بنات جنسه .

والمحب لا يمكن أن يكون سعيدا في مكان لا توجد به صاحبته ١ .

فكان كانديد شقيا في مقامه بإدورادو ، وإن تضافرت كل العوامل على إسعاده وإرضائه .

وأخذ يقنع كاكمبو برأيه في العودة إلى الوطن .

وكان كاكمبو من ناحبته يميل للمظاهر وللتسيطر ، ويعلم أنه لو بقي في إدورادو فسوف بيفرد من الأفراد له ما لهم وعليه ما عليهم . أما لو عار إلى بلاده حاملا شيئا من الذهب والجواهر واللآلي ، فسوف يكون أغي الناس قاطبة

وأقواهم نفوذا وأعظمهم جاها .

ولهذا اقتنع الخادم برأي سيده ، وذهب الأثنان إلى الملك يحدثانه في امر خروجهما من بلاده ، فقال لهما :

" . . إنكما بذلك تقدمان على حماقة عجيبة أنا أعرف جيدا أن مملكتى ليست هي كل شئ في هذا العالم . ولكن إذا وجد الإنسان راحته في بلد ما فعليه أن يحاول البقاء بها . وبرغم هذا فليس لي أن أحجز عندي أناسا غرياء ، فذلك تعسف لا تقره تقاليدنا أو قوانيننا . وكل إنسان فهو حر وله أن يفعل ما يشاء . أذهبا إلى حيث شئتما متي شتمئا . .

ولكن الخروج من إلدورادو غاية في الصعوبة ؛ فمن المستحيل أن نرجما عن طريق مياه النهر التى أتت بكما إلى هنا ، فالتيار أقوى من أن يسمح بذلك . أما الجبال التى تحيط بمملكتى فارتفاعها يبلغ عشرة آلاف قدم ، وهي كالحائط الضخم في اعتدالها ، فلا سبيل إلى صعودها بالوسائل العادية . . . ولكنى سوف أطلب من المهندسين والعمال أن يصنعوا لكما آلة كبيرة تستطيع رفعكما إلى قمة الجبل ثم إنزالكما من الناحية الأخرى . والآن ، فإنى على استعداد لمنحكما ما تطلبانه من خيرات بلادى .

" قال كا كمبو : - نحن لا نطلب من جلالتكم سوي بعض الخراف الحمراء محملة بالطعام ، وبكمية من أحجار بلادكم وطينها ، مما تدعوه نحن ذهبا وجواهر .

(( فضحك الملك ، وقال : - أنا لا أدرك سر تكالب أهل أوربا على هذه المواد الحقيرة الرخيصة . ولكن لكما أن تأخذا ماتشاءان من هذا الطين وهذه الحجارة ، وليبارك لكما الله فما تأخذان . . .

ويأمر الملك الكريم بصنع الآلة الضخمة التي تكلف الخزانة أموالا طائلة وتكاف العلماء والعمال جهدا عظيما .

ويخرج المغامران من البلاد الفاضلة ليغزوا بغناهما الهائل أرض الله : فقد أهدى إليهما الملك عشرات الخراف المحملة بالذهب والجواهر واللآلىء الغالية .

ويقول كانديد مرحا عندما يضع قدمه على الأرض وراء الجبال التي تحيط بإلدورادو :

(( عندنا الآن من المال ما يكفي لتخليص حبيبتي كوتجوند من

براثن أعدائنا . . فلنذهب أولا إلى بعض المستعمرات الأوربية على شاطيء البحر . . . ولنر بعد ذلك أى الممالك نستطيع أن نشتري ! . . ))

وإلى هنا ينتهي فصل المدينة الفاضلة في قصة كانديد . وقد رأينا كيف يصف الكاتب في الجزء الأخير منه

قصر الملك وعاصمة المملكة وتقاليد الشعب وأخلا فرأينا أن فكرة الترف والبذخ لم تفارقه :

قصر يبلغ بابه من الارتفاع أكثر من مائتى قدم ، صنع من مادة أنفس من الذهب والجوهر . وحرس من الفتيات

الحسان يستقبلن الضيفان . وجوقات من الموسيقين يبلغ عدد أفرادها ألفين .

ومدينة ذات أبنية فخمة ضخمة عالية ، وينابيع ينبجس منها ماء الورد وعصير قصب السكر فضلا عن الماء النقى ، وميادين رصفت بأحجار نفيسة تمتاز برائحة جميلة .

ولعله في وصفه للقصر قد تأثر بما كان في بلاط ملوك فرنسا من الإسراف والأبهة . وإن ما يروي عن مظاهر التنعم والترف في قصر فرساى لبعث في النفس الدهشة والعجب .

اشترك في نشرتنا البريدية