الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 664الرجوع إلى "الثقافة"

مدينة فاضلة

Share

٣

وهاك مثلا وصفا موجزا لبلاط الملك لويس السادس عشر يعرضه علينا أحد المؤرخين :

" . . كان يحيط بالملك في بلاطه ما يقرب من ثمانية عشر ألف شخص ، منهم ستة عشر يشغلون وظائف القصر المختلفة ، والباقي يظلون يتملقون الملك حتى يحظوا ببعض الرتب أو الأعمال . .

" . . وكان ترف هذا البلاط يمتاز بالفوضى : فالحظائر الملكية التي تحتوي على حوالي ألفي جواد ومائتي عربة تتكلف وحدها ما يزيد على سبعة ملايين من الجنيهات . . ونفقات المائدة الملكية تبلغ حوالي ثلاثة ملايين من الجنيهات .

" وكان التبديد والسرقة مستفحلين . . ورجال البلاط يتهافتون على كل ما تدره الضرائب الفادحة التعسفية من أموال . . حتى قال أحد الوزراء في ذاك العصر : البلاط الملكي " مقبرة " للأمة . . " ) ٥ (

يبد أن بلاط إلدو رادو كان شيئا آخر غير هذا . كان بلاط ملك حكيم يحب الخير لرعيته ، وإن كان لا يبخل على قصره بمظاهر الأبهة والفخامة . وليس ذلك إسرافا منه وتبذيرا ، فشعبه يعيش عيشة كلها نعيم ورفاهية وترف ؛ ولا حرج على الحاكم أن يمتع نفسه بكل ما يهوى ، مادام المحكومون يتمتعون هم الآخرون بكل ما تهوى نفوسهم .

وملك إلدو رادو ليس واحدا من هؤلاء الملوك الذين تغرهم السلطة ، ويفسدهم النفوذ المطلق . . إنه حاكم سمح الأخلاق كريمها ، متواضع كل التواضع ، يحترم تقاليد شعبه ويرعى قوانينه .

انظر اليه يستقبل زواره بكرمه العظيم ولا يبخل عليهم بالمصافحة الحارة والقبلات الساذجة . . أجل ، إنه ليس كملوك فرنسا وألمانيا الذين أثر عنهم في عصر فولتير العجرفة والأستبداد والإغراق في الرسميات الجافة الفارغة لإظهار قوتهم وسيطرتهم .

ثم انظر إليه يحدث ضيفيه فيقول إن مملكته ليست تجبر ممالك العالم ، ثم يقول إنه ليس بإمكانه تقييد حرية إنسان ، وإن الإنسان حر ، وله أن يفعل ما يشاء .

حقا أنه ملك حكيم . . ملك لا يدعي الحق الإلهي " بل يعترف صراحة أنه يخضع لقانون بلاده مثلما يخضع له سائر الأفراد . . فهو ملك ، ولكنه قبل كل شئ إنسان .

وتلك صورة الحاكم العادل كما كان يتخيلها فولتير ، وكما كان يتخيلها مفكرو القرن الثامن عشر على اختلاف نزعاتهم .

وإذا قيل إن كتابات مفكري القرن الثامن عشر كانت سببا من أسباب قيام الثورة الفرنسية العالمية وهدم صروح الملكية بفرنسا ، فمن الثابت أن هؤلاء ، المفكرين لم يكونوا يطمعون في حكومة جمهورية ، بل كان كل مطلبهم أن تعمد الحكومة القائمة إلى شيء من الإصلاح في النظم الإدارية والاقتصادية وشئ من التسامح في معاملة الرعية ، ثم شئ من الاعتدال في الإنفاق على المظاهر والحفلات في البلاط الذي أسرف في ذلك إسرافا شديدا من بعد عهد لويس الثالث عشر .

وقد كان أغلب الفلاسفة يؤيدون الحكم الملكي الرشيد غير الاستبدادي .

فمونتيسكيو ، مثلا ، عندما عرض تقسيمه المعروف لأنواع الحكم ، في " روح القوانين " أعلن صراحة أن النظام الملكي خير نظم الحكم لبلاد مثل انجلترا وفرنسا ، وإن كان يرى تقييد سلطة الملك بمجموعة من القوانين الصارمة . . ولم يكن مونتيسكيو يحلم بما سوف يتمخض عنه المستقبل من تأويل وتطبيق لآرائه المعتدلة ) ٥ ( .

وفولتير ، عندما يفرض لبلاده الفاضلة حكومة ملكية تحترم القانون والتقاليد ، لا يخرج في ذلك عن الروح العامة للتفكير السياسي في عصره .

يقول أحد النقاد في عرضه لمذهب فولتير في الحكم :

" فلنكن ملكيين ، لأنه يجب أن نكون أوفياء لتقاليد بلادنا . . وعلينا أن نتجنب الحكم الاستبدادي الذي عده مونتيسكيو ، خطأ ، من نظم الحكم الممكنة . . ولكن علينا بعد ذلك أن نطالب بحكومة قوية : حكومة تحترم حقوق الأفراد ، وتحول دون استبداد الطوائف - دينية كانت أو قضائية أو حربية - ، ولا تعوق التقدم الاجتماعي والعلمي ، ولا تهزأ بنصائح الخبراء والفلاسفة ، وهي فوق ذلك متسامحة غير متعصبة ولا متهورة في المسائل الدينية ، تقيم العدل ، وتحاول أن تنمي ثروة البلاد . ويكون الملك عندئذ له كل السلطات التى تمكنه من عمل الخير ، ولكنه مغلول اليدين إذا ابتغى لأمته الشر والإسراف ) ٥(

هذا هو الملك الحق عند فولتير ، وهذا هو الدستور القويم .

فلنتأمل الآن في شئ من التفصيل وصفه الشائق لعاصمة الدورادو ، تلك العاصمة الكاملة السعيدة .

ونبادر فنقول إن فكرة هذه المدينة كانت فكرة ثابتة في مخيلة القاص ، بمعنى أنها كانت تراود ذهنه في كثير من المناسبات ، فيصفها هي هي في فصول متعددة من كتاباته . . تراه يقول مثلا ، في إحدى قصصه واصفا محاسن مدينة برسيبوليس الفارسية :

" . . وأخذ الرجل يتجول في المدينة ، فرأي معابد أخرى أفخم بناء وأجمل زينة ، يؤمها شعب مهذب ، وتصدح فيها موسيقى مؤتلفة النغمات ، ورأى ينابيع الماء . . تخلب البصر بمنظرها الرائع ؟ وشاهد ميادين فسيحة تزدان بنهائيل برونزية - تكاد تنطق من فرط اتقان صناعتها - لحيرة الملوك من الذين حكموا بلاد الفرس . . وأعجب بالقناطر الفخمة المقامة على النهر ، والمتنزهات الرائعة المريحة للنفس ، والقصور الكثيرة المنثورة بمينا وشمالا

مدينتان متشابهتان في الفخامة والجمال ، وفي الترف الذي يشيع في كل ناحية .

وهما بعد ذلك طيفان للحلم اللمعي الذي كان يهيم به الحكيم الكبير .

وإذا كانت مظاهر الترف والفخامة هي النواحي التي يميل الكاتب - بطبعه - إلى تفصيلها ، فهو مع ذلك لا يهمل الجوانب الأخرى الهامة من المدينة .

وأهم شئ في المدينة هو - إذا صح التعبير - خلوها من المحاكم والسجون ، لانعدام الخلافات بين سكانها ، ولأنه ليس بها لصوص أو مجرمون .

وإن هذا لأمر جد خطير إذا علمنا الدور العظيم الذي كانت تلعبه المحاكم والسجون في حياة الأوربيين ، وخاصة منهم أهل فرنسا .

فقد فطر الفرنسيون على حب النزاع والتنافس فيما بينهم لأتفه الأسباب . فاستفحل أمر القضاء في بلادهم ، واشتد نفوذ القضاة حتى أصبحوا دولة داخل الدولة تنازع الحكومة القائمة سلطانها وتفرض عليها في بعض الأحيان إرادتها .

وقد كان للبرلمان - أقوى سلطة قضائية في عهد الملكية بفرنسا شان كبير في تطور التاريخ الفرنسي ، وفي حدوث الانقلابات الفجائية من عهد لعهد .

ولم تكن مهمة المتقاضين بعد ذلك سهلة ميسرة . فالنظم القضائية في القرنين السابع عشر والثامن عشر قد بلغت من التعقيد والتعدد درجة عجيبة . وزاد الأمر صعوبة أن القضاة في تلك العصور كان أغلبهم يمتاز بالجشع والطمع ، وأن المناصب القضائية كانت تباع كالسلع للأ كفاء ولغير الأكفاء فيحصل عليها من يدفع أكبر ثمن .

لكن إقبال الناس على المحاكم ، برغم كل هذا ، لم يفتر . وفي بعض قصصه ، يزعم فولتير أن الله خلق العالم حيث يشغل نصف سكانه من البشر بالحرب ، ويشغل النصف الباقي بالمنازعات القضائية ) ٥ ( .

وكانت هذه المنازعات القضائية مادة دسمة للأدب الفرنسي في مختلف العصور ، يتخذها موضوعا للتفكهة أو السخرية . ولقد عرض الشاعر الكبير رأسين ، مثلا ، لحياة القضاة وعقلية هواة المحاكم في مسرحية مشهورة له

أسماها " المتقاضين " وهي المسرحية الهزلية الوحيدة التي كتبها ، فادبه - فيما عدا " المتقاضين فاصر على المآسي العاطفية العنيفة ) ٥ ( .

فإذا كان هذا مبلغ اهتمام الناس بالقضاء في فرنسا ، وإذا كان هذا شأن القضاه في تاريخهم ، فلا غرابة أن يفرد له الكاتب في حديث مدينته الفاضلة مكانا خاصا ، ويحاول بإيجاد علاج له فلا يرى إلا استئصاله علاجا .

هذا فيما يتعلق بالمحاكم

وقد كان للسجون ، هي الآخرى شأن خطير

إذ كانت على الدوام حافلة بالمذنبين وبغير المذنبين من الناس .

كان يعمرها اللصوص والقتلة والآثمون على اختلاف ألوانهم ؛ كما كان يعمرها رجال السياسة المغضوب عليهم من الحكام ، ورجال الإصلاح الذين يهددون المسرفين والمبددين من أصحاب الحظوة ، وأفراد الشعب الذين لم يتبعوا تعاليم الكنيسة بدقة وإخلاص أو الذين أثقلت كاهلهم الضرائب فلم يوفوها لخزانة الملك المسرف ، فاقتادتهم الشرطة إلى الزنزانات

وقصر " البستيل " الذي اتخذته الدولة دارا جهنمية لكل هؤلاء ، لأقوى شاهد على ذلك .

أما في دولة إلدورادو ، فالناس أحرار . . وهم فوق ذلك أو قل : لذلك ، فضلاء

فلا حاجة بهم إلى السجون ، إذ الخصومات السياسة غير معروفة عندهم ، والخلافات الدينية والاجتماعية والمالية معدومة تماما ، وإذ هم يأنفون بطبعهم من الإجرام .

والسجون بعد ذلك ليست بالوسيلة الناجعة للإصلاح . ولطالما نادى فولتير ومونتيسكيو وغيرهما من الفلاسفة بنظريات مبتكرة في هذا الميدان .

ولننتقل الآن إلى ناحية أخرى من المدينة الفاضلة ، ألا وهي الناحية العلمية .

فالقاص يزعم أن الشئ الذي أثر أكبر الأثر في نفس

كانديد ، عندما راح يتجول في عاصمة إلدورادو ، كان وجود " قصر العلوم " . ذلك البناء الضخم الذي يضم سائر الآلات اللازمة للبحث العلمي ، وخاصة في الطبيعة والكيمياء .

ولعل القراء يعرفون أن فولتير لم يكن أديبا وفيلسوفا فحسب ، وإنما كان عالما كذلك ممتازا أثر تأثيرا قويا على تيار البحث العلمي في عصره .

فهو الذي أذاع في فرنسا ، وبالتالي في القارة الأوربية كلها ، نظريات نيوتن في المسائل الكونية وخاصة في الجاذبية .

ونظم في ذلك القصائد الطوال ، وكتب عدة رسائل أهمها : " عناصر فلسفة نيوتن " و " بحث حول طبيعة النار (

وكان يقارن بين ديكارت الفرنسي ، ونيوتن الإنجليزي فيكاد يفضل الثاني على الأول .

وقد اشترك في الكثير من المناقشات التى تدور حول العلوم في عصره ، فتراه مثلا يعارض معارضة قوية آراء الكاتب روسو الذي كان يزعم أن الآداب والعلوم هي أصل كل شر على وجه الأرض ، وأن الحياة المثلى لبني البشر هي حياة الفطرة الطبيعية الساذجة ، الخالية من كل تكلف وكل صناعة . وقد ذهب في فكرته هذه إلى أبعد الحدود ، فادعى أن الأدباء والعلماء شر على البشرية ، ونصح للنشء بعدم قراءة الأدب والفلسفة ، فضلا عن تعاطي العلوم .

وقد رد عليه فولتير ردا قويا ساخرا في عدة رسائل منها " حديث تيمون " ) و " خطاب إلى جان جاك روسو " . وملخص رأيه أن العلم والأدب والصناعة أشياء ضرورية للحياة البشرية الصحيحة ، وأن العلماء والأدباء ما كانوا أبدأ شرا على الأرض ، وإنما جاء الشر من الجهل أو من الإسراف في التمتع بما ينتجه التقدم من وسائل الرفاهية .

فالزعيم هولاكو  الذي خرب اقطارا عديدة من الأرض

كان من الجهلاء . وكذلك كان اغلب المفسدين في الأرض . . أما فيرجيل ، وأما شيشرون ، وأما غاليليو ، فلسنا نعلم أنهم أحرقوا الحقول الخصبة ودمروا المدن العامرة وقتلوا النفوس البريئة . .

وإذا أنت نظرت إلى الشعوب البدائية الفطرية فسوف تجد فيها دون جدال نفس الآثام والرذائل التي تجدها في البلاد المتحضرة . . يبد أن هذه الأخيرة تمتاز بالفكر الحي الصحيح وبأن المدنية قد هذبت الطباع ووجهت النفوس إلى مثل أعلى وأفكار سامية شتان الفرق بينها وبين خرافات المتوحشين من أهل الغابات أو الصحاري الذين يعيشون - على حد تعبير روسو على الفطرة الطبيعية الساذجة .

وكان الفضل في الاتجاه العلمي الذي سلكه فولتير لامرأة نبيلة هي " مدام دي شاتيليه " التى آوته عندما كان طريدا تبحث عنه الرقابة الحكومية لها كمنه بسبب بعض كتاباته العنيفة . وطابت له الإقامة عندها وألف في قصرها الكثير من كتبه .

وكانت مدام دي شاتيليه

" ذات شخصية رائعة ومثقفة ثقافة علمية عالية راقية ، شديدة الشغف بالعلوم التجريبية وخاصة الطبيعة .

" . . تقضي أغلب أوقاتها . . تنقب عن أسرار الكيمياء والطبيعة والفلسفة والرياضيات . . أما أوقات فراغها فكانت تشغلها بترجمة كتاب نيوتن principia .

وسرت عدوى البحث العلمي منها إلي صاحبها ، فراح من ناحيته ينقب ويجرب ويدون ملاحظاته ونتائج بحثه ، ثم ينقل نظريات العلماء الإنجليز إلى الفرنسية مبسطة ميسرة .

وكان عصر فولتير ، كما هو معروف ، عصر الفلسفة . ولكنه ايضا كان عصر العلم .

فكل مفكري القرن الثامن عشر تقريبا بحثوا في العلوم المختلفة وتوصلوا إلى نتائج لا بأس بها .

وجاء بعض العلماء ؛ باكتشافات كان لها تأثير عظيم على تقدم الحضارة الإنسانية : مثل تحليل الهواء والماء ، واستعمال القوة البخارية ، واكتشاف الكهرباء الخ . .

لكن كل هذه الأعمال العلمية كانت أعمالا فردية ، ولم يكن هناك تعاون بالمعنى الصحيح بين العلماء ، ولم تعرف المعامل الكبيرة التى تضم الأجهزة الكاملة اللازمة للتجريب وللبحث . .

ومن هنا نرى أهمية " قصر العلوم " الذي يحدثنا عنه الكاتب في مدينته الفاضلة ، فيقول إنه يحوي سائر الأشياء اللازمة للبحث العلمي وخاصة في الطبيعة والرياضات . فتلك الفكرة تعبر عن آمال العلماء والباحثين على اختلاف مفاهيم في أن يصبح لهم دار يجدون فيها ما يحتاجون إليه من وسائل البحث ، كما يستطيعون فيها التعاون والتآزر في سبيل الوصول إلى أحسن النتائج في أقصر وقت وبأقل جهد ممكن .

هذا حديث المدينة الفاضلة عند فولتير .

وهو كما ترى يعبر أصدق تعبير عن شخصية صاحبه ، وعن روح العصر الذي عاش فيه ، ذلك العصر الحافل بالطغيان وبالبؤس والتعصب . والعدل إذا لم يتحقق للناس في زمن من الأزمان لسبب من الأسباب . . " . . . اشرابت نفوسهم لحاكم عادل تتحقق فيه العدالة بجميع أشكالها ، فمن الناس من لجأ إلى الخيال يعيش فيه ، وألف في ذلك اليوتوبيا أو المدن الفاضلة على حد تعبير الفاراني ، وخلق من خياله دنيا ونظاما عادلا كل العدالة . خاليا من الظلم كل الخلو وعاش فيه بخياله ينعم بالعدل الخيالي . .

لكن . . هل في الإمكان إخراج " إلدو رادو " من حيز الخيال إلى حيز الواقع ؟ . .

يقول كانديد متعجبا أثناء سياحته بذلك البلد الرائع : " ما هذا البلد المجهول عند أمم الأرض كلها ، والذي يختلف فيه جوهر الطبيعة والإنسان عما اعتدنا أن نراه في عالمنا القديم ؟ لاشك أنه البلد الذي فيه كل شئ على ما يرام . . لأنه لابد أن يكون على الأرض بلد كل شئ فيه على ما يرام . .

أجل . لابد أن يوجد على وجه الأرض بلد خير كله ولابد وأن يعثر الانسان على هذا البلد . . أما أين ، وأما متى . . فذلك ما لا يعلمه إنسان . .

اشترك في نشرتنا البريدية