فى هذا البحث يعرض الكاتب المدينة الفاضلة عند فولتير عرضا نقديا تحليليا وهى مدينة كما يقول الكاتب لم تظفر بعناية الكتاب والنقاد عندنا برغم أن صاحبها من أعظم كتاب الإنسانية وستنشر البحث على حلقات ثلاث الثقافة
لكل مفكر مدينته الفاضلة
فالمدينة الفاضلة هى الحلم الأسمى الذى يراود خيال الإنسان منذ خلق وهى الهدف الذى ترمى إلى تحقيقه جهود الأفراد والجماعات خلال الأجيال المتعاقبة
وإذا كان الناس عندما يتحدثون عن المدن الفاضلة إنما يذكرون طائفة من الفلاسفة والعلماء والأدباء لا يكادون يخرجون من نطاقهم فلا يعنى هذا أن غيرهم من المفكرين لم يتجسم فى مخيلتهم حلم المجتمع المثالى فى البقعة المثالية أى المدينة الفاضلة
وهى فاضلة بالنسبة إلى ذلك الذى يتخيلها ويسعى لها وكل فرد له عقليته الخاصة وكل أمة لها مزاجها المعين كل جلي يختلف عن الأجيال التى سبقته وعن الأجيال التى ستأتى من بعده
أفلاطون الإغريقى والفارابى العربى وياكون الانجليزى وكامبانيلا الإيطالى وأندربا الألمانى وكابيه الفرنسى كل أولئك نذكرهم عند ذكر المدن الفاضلة
لكن فى مؤلفات كل كاتب عظيم مهما كان اتجاهه فى التفكير لابد وأن توجد نواة ما المدينة الفاضلة
نعم ولكن قد تكون هذه النواة مغمورة وسط الأفكار الكثيرة وقد تكون متسترة فى قالب لا ينتبه له القارئ ولا نزعم أنها دائما من الأهمية بحيث نستطيع مقارتها بجمهورية افلاطون أو جزيرة بيكون أو إبكارية كابية بيد أنها على أى حال موجودة يستطيع الإنسان اليقظ أن يعثر عليها ولو بعد جهد ومشقة . .
وفى هذا البحث تقدم إحدى المدن الفاضلة التى لم تحظ بعناية الكتاب والنقاد رغم أن صاحبها من أعظم كتب
الإنسانية والتى تعبر تعبيرا صادقا عن شخصية مؤلفها وطموحه وآماله آرائه فضلا عن تصويرها للحالة الفكرية والاجتماعية فى العصر التى وجدت فيه
تلك هى إلدورادو Eldorado المدينة الذهبية المدينة الفاضلة عند الكاتب الفرنسى فولتير
قصة كانديد تصور أقصى ما بلغه التشاؤم بصاحبها الحكيم فولتير ٥
فهو كتبها فى تلك الفترة من حياته التى أعقبت سلسلة من المآسى والاضطرابات التى حلت به وبالعالم كله فى ذلك القرن الثامن عشر
فأما فيما يتعلق به فقد سجن مرارا ثم نفى إلى بلاد الإنجليز وعندما عاد إلى وطنه طورد من جديد فهرب من باريس والتجأ إلى قصر صديقته مدام دي شاتليه ثم دعى إلى قصر فردريك ملك بروسيا لكنه لم يلبث أن دب الخلاف بينه وبين صاحبه فاضطر إلى الفرار من جديد وعلم بعد ذلك بخيانة أعز صديقاته وموتها وظل أعواما شريدا لا يجد له مأوى حتى استقر فى قرنى على التخوم الفرنسية السويسرية حيث كتب قصته المذكورة
وأما فيما يتعلق بالعالم من حوله فقد كان يرى فيه استبداد الملوك الطغاة في فرنسا وألمانيا وغيرها من الأقطار كما يرى فقر الشعوب وجهل الأفراد وتطاحن الأمم فى حروب لا فائدة وراءها ثم انتشار الفساد فى الطبقات الحاكمة وفى أوساط الأغنياء وفى نظم الكنيسة وبين رجال
الدين وأثر فى نفسه على الأخص حادثان أفرد لهما فصولا مهمة فى القصة هما زلزال مدينة لشبونة بإسبانيا وإعدام الأميرال بينج بإنجلترا
لذلك خرج مؤلفه الجديد كانديد سفرا حافلا بشرور الإنسانية وآلامها وصورة معتمة للفساد المنتشر في سائر أرجائها
هي قصة اليأس من هذه الحياة فى هذه الدنيا إلا أن فيها فصلا قد يجد القارئ بين سطوره بعض العزاء وبعض الأمل
ذلك هو الفصل الذى يتحدث فيه الكاتب عن إدورادو أو المدينة الفاضلة كما يراها فولتير
وهذه البلدة لا يتخيلها الكاتب فى أوربا أو آسيا أو إفريقيا أى في العالم القديم كما كانوا يقولون ولكنه يضعها فى أمريكا فى العالم الجديد الذى كان ما يزال بعيدا عن تلك الحضارات الزائفة التى اصطنعها بنو البشر وراحوا يفاخرون بها وهى فى الحقيقة شر كلها
وإذا أردت التحديد فتلك المدينة تقع فى مكان بين مقاطعة الأرجنتين وغينيا الفرنسية هناك حيث تحيط بها جبال شاهقة الارتفاع تجعل من التعذر جدا أن يصل المرء إليها أو أن يخرج منها وذلك هو السبب الأول فى احتفاظ أهلها بشمائلهم الحلوة وطباعهم الخيرة ونظمهم الصالحة
استطاع كانديد بطل القصة وصحبته خادمه الولد كما كمبو أن ينفذ إلى مملكة إلدوراو بأعجوبة لقد تاه بين الأحراش والوديان وقد زاده وكلت قدمه ويئس من الوصول إلى البلدة التى كان يبغيها ورأى أمامه نهرأ قوى التيار فاصطنع لنفسه ولخادمه زورقا وجعل يندفع مع الماء الدافقة فاجتازت مسافات شاسعة مختلفة التضاريس والطبيعة ثم دخلت به فى سرداب عميق مظلم يخترق جبالا هائلة وظلت تجرى به وسط الظلمات عدة ساعات حتى خرج أخيرا إلى بقعة بعيدة عن هذه الجبال تحطم فيها الزورق فوق صخور النهر فسبح كانديد وخادمه إلى الشط ثم وقفا يتأملان البلاد التى اضطرا إلى النزول بها
فرأيا حقولا قد أفلحت من أجل غرضين أساسيين النزهة والطعام ففى كل مكان قد امتزجت المنفعة باللذة النفسية وكانت الطرق حافلة بعربات صنعت من مادة
براقة تحمل رجالا ونساء غاية فى الجمال وتجرها بسرعة عجيبة خراف حمراء ضخمة تفوق فى قوة قوائمها جياد الأندلس وتطوان والمكسيك
فقال كانديد هذا بلد على ما أرى خير من موطنى الأول فى وستفاليا بألمانيا
وسار الرجلان حتى وجدا قرية يلعب بعض الأطفال فى طرقاتها وتأمل كانديد اللعب التى يلهون بها فرآها مصنوعة من الذهب والزمرد والياقوت فأعتقد أن هؤلاء من أولاد الملوك ورأى الأطفال معلم القرية أكتيا فرموا بلعبهم تلك النفيسة وتبعوه إلى المدرسة فما كان من صاحبينا إلا أن جمعا تلك الأحجار الكريمة وذلك الذهب الكثير وقد تملكهم العجب
ووجدا مطعما فدخلاه وكان كما كميو الخادم الولد يعرف لغة البلاد فطلب أكلا فقدم لهما طعام شيى من الطيور والحاوى ولحم القردة والفواكه فى أطباق من الجف يحملها خدم يرتدون حللا من نسيج الذهب
وأراد الرجلان أن يدفعا ثمن الطعام فقدما للمشرف على الحانة قطعا من ذلك الذهب الذي جمعاه آنفا ولكنهما دهشا إذ رأياه يغرق فى الضحك هو وزوجته
وأخيرا تمالك الرجل نفسه وقال أرى أنكما لاشك غربيان فى بلادنا ونحن لم نعتد رؤية الأغراب فاغفرا لي ضحكى عندما قدمتم لى هذه الحجارة التى توجد بكثرة على قارعة الطريق لكن لا حاجة بكما إلى النقود لتطعماها فكل الحانات والمطاعم المؤسسة لتسهيل التجارة والسفر إنما تدفع تكاليفها الحكومة
قال كانديد فى ذهول ما هذا البلد المجهول عند أمم الأرض كلها والذى يختلف فيه جوهر الطبيعة والإنسان عما اعتدنا أن نراه فى عالمنا القديم لاشك أنه البلد الذى فيه كل شئ على ما يرام لأنه لابد وأن يكون على الأرض بلد كل شئ فيه على ما يرام
ويدل صاحب المطعم ضيفه على شيخ من العلماء يستطيع أن يجيب على أسئلتهما العديدة ويشفى غليلهما من المعرفة فيذهبان إليه فى بيته البسيط الذى صنع بابه من الفضة لاغير ولم تغط جدرانه إلا بالذهب وإن كانت النقوش التى يتحلى بها هذا الغطاء تعوض تفاهته ورخصه
وكانت قاعة الاستقبال مرصمة بالزمرد والياقوت فقط
ولقى الشيخ ضيفيه على أريكة من ريش الطيور الناعم وقدم إليهما شرابا في كئوس من الأحجار الكريمة ثم حدثهما قائلا إني أبلغ من العمر مائة واثنتين وسبعين سنة وقد علمت من أبى المتوفى الذى كان خادما للملك خير الثورات التى قامت بأمريكا الجنوبية فهو قد كان من شهودها والبلاد التى تعيش فيها هى الوطن الأول الشعب الإبنكا الذى خرج نفر منه فى غير ما حذر لإخضاع بعض أقطار الأرض فكان هلاكهم على يد المهاجرين الأسبان
وكان الأمراء الذين بقوا داخل البلاد أكثر حكمة من هؤلاء الخارجين فسنوا بموافقة الأمة تشريعا يقضى بعدم خروج أحد المواطنين من مملكتا الصغيرة وهذا ما حفظ لنا سذاجتنا الفطرية وسعادتنا
ولقد خمن الأسبان وجود بلادنا هذه وأسموها إلدورادو ومنذ قرابة مائة عام استطاع أحد الإنجليز هو النييل والبت أن يقترب من هذه البقعة ولكن الصخور المائية والوديان العميقة التى تحيط بنا قد حمتنا حتى الآن من طمع الشعوب الأوربية التى لا أدرى ما سر تهالكها على أحجار أرضنا وطينها فتلك الشعوب تستبيح إفاءنا عن آخرنا فى سبيل الحصول على هذه الحجارة وذلك الطين
وطال الحوار ودار حول النظم الحكومية والعادات والتقاليد والنساء ودور اللهو والمسارح والفنون وكان كانديد ميالا للمسائل الميتافيزيقية فسأل عما إذا لم يكن في المملكة أدبان
واحمر وجه الشيخ وأجاب ماذا تقول وهل تشك فى هذا أم هل تحسبنا نجحد نعم الإله
فعاد كانديد يسأل فى تواضع عن كنه عقيدة الناس فى إلدورادو
فاحمر وجه الشيخ من جديد وأجاب وهل هناك عقائد متعددة إننا على ما أعلم تدين بما يدين به البشر جميعا إننا نعبد الله صباح مساء
قال كما كمبو الذى كان يترجم لسيده كانديد وهل تعبدون إلها واحدا
قال الشيخ إنى لا أعلم أن هناك إلاهين أو ثلاثة أو أربعة فما أغرب أسئلتكم
وأراد كانديد أن يعرف كيف يتضرع الناس لإلههم فى هذه البلاد فقال له الشيخ الوقور الطبيب إننا لا نتضرع له فلسنا نسأله شيئا فوق ما نحن عليه من نعيم وهو يعطينا كل ما ينبغى لنا وإنما نحن نشكره دائما على أفضال وآلائه
" وسأل كانديد عن القسس ورجال الدين فابتسم الشيخ وهو يقول ياصاحبى كلنا هنا قسس ورجال دين وملكنا فى كل صباح يقيم صلاة الشكر للإله ومن ورائه سائر أرباب العائلات يرتلون الأناشيد كل صباح تصحبهم جوقة مكونة من ستة آلاف من الموسيقيين
" قال ماذا نزعم أليس عندكم نساك ورهبان وقسس يدعون للدين وبتنازعون فيما بينهم ويتنافسون ويدس بعضهم لبعض ثم يقيمون محاكم التفتيش ويحرقون من لا يؤمن بمذهبهم من العباد
قال الشيخ هذا جنون ونحن هنا أصحاب عقيدة واحدة ولا أفهم ماذا تريد بكلمات النساك والرهبان
وعقب هذا الحديث الطويل أمر الشيخ بعربة يجرها ستة من الخراف الحمراء ووهب للسائحين اثنى عشر من الخدم يصحبونهما فى رحلتهما إلى مقر الملك وقال لهما مودعا ان أستطيع مصاحبتكما لأنى قد بلغت من الكبر عتيا فاغفرا لى ذلك ولسوف يلقاكما الملك بما ينبغى من الترحاب ومن التكريم
فركب كانديد وكما كمبو العربة وسارا بسرعة عجية نحو العاصمة
وهنا يحسن بنا أن نقف لحظة لتأمل فى تلك الصورة التى رسمها فولتير لهذه القطعة من البلاد الفاضلة وفى ذلك الحديث الذى دار بين الأوربيين والشيخ العالم قبل أن تمضى إلى عاصمة إلدو رادو وإلى قصر الملك الذى يحكم هذا الشعب السعيد فى تلك البقعة الفريدة من الأرض التى ما عرف عليها بطل القصة المفتى كانديد سوي القمر والأثام وخاصة فى البلاد الأوربية
