الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 166الرجوع إلى "الثقافة"

مذاهبنا الفنية

Share

لعل أهم ما يميز كتاباتنا في النقد الأدبي أننا لم نتواضع على اصطلاحات خاصة ترمز بها إلي مذاهبنا في الشعر ومناهجنا الفنية ، إلا عنا الخليط من الألفاظ الغربية ، والمصطلحات الأوربية ، من مثل " كلاسيك " " ورومانتيك " من غير تحديد بين لهاتين الكلمتين وأمثالهما ، وفي إطلاق غامض لهما ولنظائرهما على صور وأشكال فنية لنا ، تختلف عما يقابلها في الأصول الغربية ؛ وكأنما جف معين لفتنا فلا نستطيع أن تستنبط منه ما تدل به على أعمالنا في الشعر والفن . وبذلك غمضت مدلولاتنا

واستبهمت مسمياتنا رغم ما تتصف به لغتنا من الاتساع في الأسماء الدالة ، وما عرفت به من النحت والاشتقاق الذين استعان بهما العباسيون في وضع أساس العلوم والفنون إن لغتنا غنية بالمفردات والمترادفات التي تؤهل لوضع ما تريد من مصطلحات ، غير أننا لا ننتفع بها في أعمالنا وأبحاثنا ، وخاصة في نقدنا ، إذ لا يزال يعوزنا البيان من أصوله وفصوله .

وأي أصل أو فصل في رواية نقدنا قد نظم وقسم إلي مناظر وأقسام ؟ إن الرواية كلها تكاد تسقط من أيدينا، وإلا فأين ما يصور مناهجنا الفنية وألوانها وأوضاعها ؟ إن نقدنا فقير في بيان هذه المناهج وبيان شاراتها الدالة، ولذلك كان شعراؤنا المحدثون يسمون إلي غاياتهم ، بدون مصابيح في أيديهم ، تنبر لهم ما اعوج من طرائقهم ، وتجعلهم يستفيدون من تراث أسلافهم وآبائهم . و أنت تبحث عن موهوم أو معدوم إن كنت تريد أن تقف على مذاهبنا ومناهجنا ، وأي مذاهب أو مناهج تقصد أو تطلب ؟ إنه لا توجد لنا مذاهب عامة معروفة ، وإلا فانظر هل لنا مصطلحات خاصة أو ألفاظ دالة نصف بها أعمالنا ونماذجنا في شعر أو فن .

ليست عندنا أسماء لمذاهب فنية ، ولا ما يصور أن لنا مذاهب فنية ، وقد يكون من العبث أن تبحث بعد ذلك عن جزئيات مذاهبنا وعناصرها ، وعن وجود تقاربها وتفارقها . كل ما عندنا فيض من الفاظ لا تخصص مدلول واضح ، ولا تعين بمسمى ظاهر . هي فصول عامة تقرأها فلا تجد فيها علما ولا ما يشبه العلم ، كأننا نعيش في النقد بعقل غير عقل العصر الحديث الذي يعني بالدقة في ألفاظه وعباراته ، حتى لتتحول في كثير من جوانبها إلى ما يشبه أوضاع الرياضة الدقيقة.

ليست لنا لغة علمية في النقد الأدبي ، أوقل ليست لنا لغة رياضية ، إنما النقد عندنا ضرب من الاجتهاد في الحكم والتعليل ، ولكل مجتهد ذوقه وعقله . أما المقاييس التي تضبط مسائل النقد والقوانين التي تصحح آراء النقاد ، فلن نجد لها ظلالا في أعمالنا ، وأنت لذلك لن تقنع بنقدنا إن كنت من أصحاب العلم والرياضة أو كنت من هؤلاء الذين يرفضون التعميم في الأحكام والاعتماد على الذوق المطلق من كل قيد في تأسيس الحكم وتأصيله.

ونحن لا نذهب إلي أن النقد ينبغي أن يكون علما ورياضة خالصين ، فإن فيه جانبا من الشخصية يمنع قواعده أن تصبح كقواعد العلم والرياضة في عمومها واطرادها ؛ ولكنا مع ذلك نحرص أن نأخذ بطرف من عمل العقل الحديث ، فيكون لنا في نقدنا منهج علمى أو قريب إلي العلم ، حتى نستطيع رسم مذاهبه ووضع ألفاظه ومصطلحاته الخاصة .

وحقا أننا نجد عند بعض النقاد منا ما يشير من بعض الوجوه إلي أن لنا في الشعر مذهبين قائمين : هما مذهب المطبوعين والمصنوعين ، ولكن إياك أن تظن أننا نحن الذين سمينا هذين المذهبين ، إنما سماهما القدماء ، إذ كانوا يقسمون الشعراء إلى أهل طبع وأهل صنعة . أما الأولون فهم الذين يسيرون وفق عمود الشعر المعروف فلا يحيلون

ولا يغربون ولا يتأنقون ولا يتكلفون . وأما الأخيرون فهم الذين كانوا ينحرفون عن هذا العمود وما يتبعه من الأصول المألوفة . وهو تقسيم يبدو فيه شئ من السذاجة ، وقد نقله بعض نقادنا نقلا دون نظر فيه أو محاولة لتفسيره ، وما الطبع والمطبوعون ؟ إن كل شعر متأثر بجهد حاضر وموروث أكثر من تأثره بما يسميه نقادنا الطبع . بل نحن نزعم أنه لا يوجد طبع في الشعر إلا إذا كنا نطلب أن نحيل في كلامنا ، وكنا نريد أن نقرب على قرائنا بهذه

الكلمة الغامضة التي تنطلق بهم إلى آماد فسيحة من الأوهام والظنون . وكيف يعتمد الشعر على الطبع وهو دائما يقوم على تقاليد موروثة ومراسيم موضوعة ، سواء في ألفاظه أم في معانيه وأوزانه ؟ إن كل شعر يتقيد بمصطلحات كثيرة ، حتى هذا الشعر المرسل الحر الذي لا يتقيد بقرار القافية ، بل إن إحسان هذا الضرب من الشعر يتصعب على الشعراء بأكثر مما يتصعب عليهم شعر القصائد ذات القوافي المكررة ، فإن الشاعر مضطر فيه أن يوفر من الأصوات والموسيقى ما فاته من هذا المفتاح الموسيقى التائه ،

مفتاح القافية الذي يحدث التوارن التام بين الأبيات ، ويمنع الشاعر بتوازنه من الاندفاع والسقوط . وأكبر الظن أن توفير هذه القيم الموسيقية في الشعر المرسل ، وما يطوي فيه من مشقة وصعوبة هو الذي جعل شعراءنا لا يصحبهم التوفيق في هذا الضرب من ضروب الشعر الحديث .

على أن من يقف عند تقسيمنا الشعر إلي مطبوع ومصنوع ، يخيل إليه كأن الطبع والصنعة نموذجان ثابتان . يعيش شعراؤنا القدماء والمحدثون على تقليدهما والضرب على مثالهما دون أن يحدثوا لأنفسهم شيئا من تغيير أو تبديل ، وكأن كل صنيعهم أنهم ينقلون رسوم هذين النموذجين ومصطلحاتهما نقلا ؛ ولكن أي رسوم ومصطلحات ؟ إن هذه الرسوم والمصطلاحات التي نشير

إليها لما توجد ، أو بعبارة أدق لما توصف ؛ فليس بين أيدينا ولا تحت أعيننا ما يفسرها أو يبين عنها ، كأن لغتنا عجزت عن أن تمدنا بالكلمات والمفردات التي يمكن أن نصور بها هذين النموذجين ؛ بل لكأن عقولنا نفسها لا تستطيع أن تفصح عن أعمالنا الفنية سوي هذا الكلام الكثير المرتبك الذي تدل به على هذين النموذجين الثابتين وإحدي اثنتين : إما أن يكون شعرؤنا أصحاب مذاهب فنية متنوعة ، وغاية ما في الأمر أننا لم نفسرها تفسيرا يكشف عن ألوانها وأوضاعها ، وإما ان يكونوا مقلدين حقا لنموذجين ثابتين تقليدا مطابقا للأصل ، على شاكلة هؤلاء العمال الذين يحاكون نماذج ثابتة في النحت أو في التصوير محاكاة الصور " الفوتوغرافية " ، وإن أثبت لهم فضلا فقل الصور " الفوتوغرافية " ذات الألوان ؛

ونحن نشفق علي شعرائنا- وبخاصة قدماءهم - أن نحمل عليهم هذا الفرض الثاني الذي لا يعتمد على درس أو بحث ، بل نحن نشفق على روحنا الفنية الأصلية في أعمال شعرائنا القدماء أن نصفهم بأنهم قوم لا شخصية لهم في حرفتهم وصناعتهم . ومن يستطيع منا أن يؤمن بأن نماذجنا ليست أكثر من تقليد لعملين ثابتين إلا إذا كنا نعتصم في أحكامنا بنظرات طائرة لا تعبر عن وجه من حق أو صواب ؟ وأينا يستطيع أن يزعم لنفسه أو للناس

بأن نماذج الشاعر الجاهلي كنماذج الشاعر العباسي أو كنماذج الشاعر الأندلسي ، لا فضل لشاعر على آخر إلا بمقدار ما يحسن من المحاكاة أو التقليد ؟ أظن أحدا منا لا يستطيع أن يقطع بذلك ، بل إننا لنجد الشاعرين من عصر واحد تتبابن نماذجهما وتفترق مفارق واسعة ، إلا إذا كان منا من يسوي بين نماذج بشار ومسلم وأبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري ؛ فكلهم شعراء ، وكل نماذجهم شعر ، وهي لذلك من مادة واحدة وصورة واحدة !

والحق أن أعمال شعرائنا ليست من نموذج معين ولا من نموذجين معينين ، فهناك نماذج كثيرة لم نصور معانيها وخصائصها تصويرا يفصح عن أساليبها وطرائقها ؛ ولعل شيئا من ذلك يرجع إلي أننا ينقصنا جانب من الفلسفة في أبحاثنا ، حتى نبني عقولنا بمواد أصلب وأقوي ، فنستطيع أن نفسر جوانب حياتنا المختلفة ومذاهبها المتنوعة من اجتماعية وسياسية وعقلية وأدبية . ولعل من الحتم ان نشير هنا إلي أن من الضروري لنا دائما أن ننظر إلي أنفسنا في كل ما نريد أن نؤسسه من علم أو فن في المرآة الأوربية ، ولكن لا لننقل من عند الغربين أسماءهم وألفاظهم نقلا ، بل لنتاثر بتوجيهاتهم من جهة ، ولننتفع في تصوير مسائلنا العقلية والفنية بما سبقونا إلى إحكامه وضبطه من جهة أخري .

وإنك لو رجعت إلي النقد الغربي تستضيء به في النظر إلي نقدنا لعجبت من نشاط القوم في تفسير المذاهب الفنية ، إذ نراهم يتحاورون دائما في اتجاهات الشعر حوارا له أثره المستمر في ظهور المذاهب والمناهج الحديثة ؛ وكأنما الشعر عندهم موجات يتلو بعضها بعضا ، فما تبلغ موجة الشاطئ حتى تعقبها أخري لها حركاتها وأضواؤها ، وكل موجة ترتفع ثم تهبط رويدا رويدا ، حتى تتلاشي في ظن القلوب ، فتخلفها موجة أخري أكثر حركة وضوءا ، وأتم بريقا ولمعانا ، فتلفت الأنظار ، ويسعى الناس إليها أو تسعى إليهم ردحا من الزمن ، ثم تتلوها أخري ، وهكذا تستمر موجات الشعر الغربي ومذاهبه الفنية بين ارتفاع وهبوط .

وإذا قابلنا هذا النشاط في إحداث المذاهب وتفسيرها عند الغربيين بما يماثل ذلك من أعمالنا ، وجدنا ضروبا من الجمود والركود ؛ فنحن لا نعني في نقدنا الحديث بعمل مذاهب لشعرنا وفننا ولا ما يشبه أن يكون مذاهب ؛

وقد يكون من أسباب ذلك ودوافعه ضيق شعرنا وتحيزه في فن واحد هو الشعر الغنائي ، فبدا غير قليل من الصعوبة في إحداث مذاهبه ، فضلا عن تفسيرها ، بخلاف الشعر الغربي ؛ فان تباين أنواعه الكبرى من قصصية إلي غنائية وتمثيلية أتاح للنقاد الغربيين مادة واضحة في تفسير مناهج الشعراء ومذاهبهم الفنية ، إذ اتصلت هذه المناهج والمذاهب بالموضوعات ومنابعها من التاريخ أو من الطبيعة أو من واقع الحياة أو واقع النفس الانسانية ، كما اتصلت بطريقة النظم وصورة التأليف ، وذلك كله مما يجسم المذاهب ، ويحكم أصولها ، ويوثق أوضاعها ، ويقيم الحواجز والفوارق الواضحة بينها .

وباب آخر ينفذ منه إلي الناقد الغربي أضواء كثيرة ، تجعل من السهل عليه أن يحكم المذاهب الفنية في الشعر ويضبط ألوانها وأوضاعها ، ونقصد هذه الممرات الكثيرة التي تصل عند الغربيين بين الشعر وغيره من الفنون ، كالرسم والموسيقي ، فان هذه الفنون جميعا تتشابك عندهم تشابكا شديدا ، بحيث نري دائما أنه كلما تلون فرع منها بلون ضربت الفروع الأخرى إلى لونه الحادث قليلا أو كثيرا ؛ ومن أجل ذلك كانت هذه الفنون عندهم يفسر بعضها مناهج بعض ومذاهبه ، لأنها تتزامل في التجديد وتترافق في التغيير ؛ فإذا أردت أن تفسر المذهب

الرومانتيكي في الشعر وتصعبت عليك بعض جوانبه كان الرسم خير معين لك ، وإذا أردت أن تفسر المذهب الرمزي فيه وتعسرت عليك بعض نواحيه كانت الموسيقى خير مرشد لك ، وهكذا إن أعياك تفسير حال أو بيان جانب في مذهب ، وأردت ما يكشف عنك الغمة أعانتك الفنون الأخرى وأمدتك بما تريد من بيان أو تفسير ، فهي جميعها تشترك في الوجهة والتعبير ، واختلافها إنما يقصر على الأداء والوسيلة .

وأنت لا تستطيع أن تفسر اتجاها أو مذهبا لنا في

شعر يعمل لنا في رسم ، فضلا عن موسيقى ، فان هذه الفنون عندنا متنابذة لا يقبل بعضها على بعض ولا يستفيد بعضها من بعض . وآية ذلك أنك لا تستطيع أن تفسر قصيدة في ضوء لوحة ، ولا لوحة على رنين قطعة موسيقية ؛ فتلك فنون تتقاطع عندنا وتتخاصم ، وينقبض بعضها عن بعض ؛ فان وجد في أحدها فنان ممتاز له مذهب مرسوم أو منهج موضوع ، كان شذوذا في ذوق النقاد ، ورأيناه يتخذ سمته بعيدا عن زملائه في فنه ونظرائه من أصحاب الفنون الأخري .

غير أن ذلك كله ينبغي أن لا يولي وجوهنا عن غايتنا من وضع مذاهبنا في الشعر ومناهجنا ، حتى يستطيع شعراؤنا المحدثون أن يكونوا لأنفسهم تربية فنية أصيلة ، وحياة مدرسية قويمة ، فيطلعوا على شعرنا القديم ، ذلك الشعر النموذجي ، ويعرفوا أصوله وطرقه ونواميسه وأسراره . ونحن لا نشك في أنه ستصادفنا أبحاث ماكرة عديدة ، وستهتز أيدينا وترتجف كثيرا ، إذ ليس من السهل أن يهجم باحث على تصوير مذاهبنا ومناهجنا دون أن يتثقف ثقافة واسعة بشعرنا من عصوره الأولى إلي عصوره الأخيرة ، ويديم النظر طويلا في هذه الجداول الكثيرة التي رفدته بما بدل ألوانه وغير مياهه وانحرف بمجراه عن وجهته .

ونحن لا نذيع سرا إذا قلنا بأن نقدنا القديم يكتم في صدره كثيرا من الخواطر والالهامات الشاردة التي تحددت من أجيال بعيدة والتي تعد إعدادا دقيقا لأحداث مذاهبنا في أعمالنا الآدبية وآثارها الفنية . ولست أقصد إلى ما جري على ألسنة نقادنا من أسماء وألفاظ كثيرة تعد لوضع مصطلحاتنا ، بل أقصد أيضا إلى ما نثروه في كتاباتهم من وصف طرق الشعراء ومناهجهم ، فقد تركوا في هذا الجانب كثيرا من الظنون والآراء المضيئة.

ولابد لمن يضطلع منا بهذا العمل أن يتثقف ثقافة

واسعة بالنقد الغربي وما كتبه الغربيون عن مناهجهم ومذاهبهم الفنية ، حتى يستطيع أن يستغل ما أثاروه من نظريات ودراسات في مادة عمله وصورته . وكأنا نعرف أن من أهم الأصول التي تساعد على وضع القواعد والمذاهب في العلوم والفنون أن يطلع أصحاب هذه القواعد والمذاهب على الخطوات التي سبقتهم عند غيرهم من الأمم والشعوب ، ولذلك كان من الباحثين من يفترض أن العرب اطلعوا على النحو عند غيرهم كما اطلعوا على العروض عند غيرهم ، وإلا فكيف تم عملهم النحو والعروض بهذه السرعة الشديدة !

ونحن لا نشك في أنه حين يتعمق نقادنا مذاهب الشعر الغربية ويضيفون إلي ذلك ثقافة واسعة بنقدنا القديم وما كتب فيه من محاولات ودراسات ، حينئذ يستطيعون أن يضعوا مذاهبنا الفنية وضعا دقيقا يتيح لشعرائنا المحدثين أن يسعوا إلى وجهاتهم في الفن سعيا واضحا قائما على أصول بينة .

اشترك في نشرتنا البريدية