الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 344الرجوع إلى "الثقافة"

مذاهب الفلسفة الرواقية، عند الرومان

Share

1 - خصائص الرواقية الرومانية

[ 1 - نزعة أخلاقية 2 - شعور ديني 3 - هداية وإرشاد 4- أخلاقية فردية 5 - مثل " ديموناكس ]

١ - لم يكن الرومانيون مشغوفين بالعلوم النظرية ، بل كانت عقليتهم عقلية عملية تميل إلي النظام والحكومة والقانون . ولذلك رأينا فلسفة الرواق ، حين دخلت بلاد الرومان ، قد " تجردت من أحراشها " - كما قال شبشرون - تأثرت في ذلك بالطبع الروماني وبملابسات  الحياة في رومة . فتركت ما كان في المنطق الرواقي القديم من لباقة ودقة ودوران (1) ، ولم تقف عند علم الطبيعة إلا وقفات قصيرة موجهة أقصى عنايتها إلي مبادئ الأخلاق وتطبيقاتها . وهكذا أصبحت النزعة السائدة في الفلسفة عند الرومان نزعة أخلاقية : يتجلي ذلك في مؤلفات الرواقيين في ذلك العصر ، إذ تراها لا تذكر عن المنطق ولا عن الطبيعيات إلا النزر اليسير ، خذ مثلا سنكا (2) فإذا استثنينا كتابه " المسائل الطبيعية " رأيناه يتلمس المعاذير كلما بدا له أن يعالج شيئا من هذا القبيل . أما ابكتيتوس فتراء يمر على مسائل الطبيعة مراً سريعاً ، وأما مرقس أوربليوس فلا يتحدث عنها بشيء . 2- ولم تقتصر فلسفة الرواق في دومة على اتخاذ مذهب الأخلاق القديم كما هو ، بل أدخلت عليه فنا جديداً لا يخلو من مرونة وإصابة في تحليل ما في طبيعة الإنسان من ضعف وعظمة ، وفي بيان شتى العلل لذلك . وأدخلت أيضا طرائق جديدة لمعالجة أمراض النفوس ، ونظرت واقعية في مختلف مراتب الكمال والسبل إلي بلوغها ، وأفاضت شعورا دينيا إن لم يكن أشد قوة فهو على كل حال

أو في تعبيراً عن مطامح الإنسان وهواجس وجدانه .

٣ - على أننا نرى الرواقية في رومة تهجر " المدارس الفلسفية " وتخطو ملتمسة إلي الضمائر والقلوب سبيلا . كان الرواقي في أثينا معلماً أو مدرساً ، فأصبح في رومة دليلاً ومرشداً : وهذا سنكا يأبى أن يعد نفسه من " فلاسفة المنابر " الذين يخطبون الجماهير في لجب واضطراب ، بل هو لا يقبل من التلاميذ والمريدين إلا طائفة مختارة يبوحون إليه بجميع شئونهم وخلجات نفوسهم ، فيمحضهم من بعد ذلك نصحه ويسدي إليهم إرشاده . لذلك أنت تري في كتب " سنكا " من وصف الطبائع وتحليل الشهوات ومن لحظات النفوس ، وخواطر العقول ، ما استفاده الفيلسوف لا من دراساته لمؤلفات "زينون" و " كرسبوس " بل من تجارية الشخصية في الحياة ومن صلاته بالناس في زمانه ٤ - وكان الناس في رومة يعرفون من فطاحل الرواقيين اسم لا "ابكتيتوس" واسم "مرقس أوريليوس" ولكنهم كانوا يجدون في المدن الرومانية الآخر رجالا آخرين من الهداة والمرشدين . والحق لقد كانت الأخلاق الرواقية في صميمها أخلاقية فردية : فلم يكن أساتذة الأخلاق في ذلك العهد مندوبين عن المدينة ، ولا ممثلين للحكومة ، بل كانت مهمتهم شخصية بحتة ، يتحدثون إلي الناس باسمهم الشخصي وهم أنفسهم الذين اختاروا رسالتهم الأخلاقية .

5 - وإذا شئنا أن نقف على ما آل إليه أمر أولئك الفلاسفة الأخلاقين في العهد الروماني ، فلنتأمل ما كتبه الناقد " لوقيانوس " (1) في مديح " ديموناكس" (2) أحد

أولئك الناصحين . قال عنه : لم يستحثه أحد على تعلم الفلسفة بل أقبل عليها منذ طفولته ، وعن رغبة صادقة وميل قطري حقر من شأن المال ، وعكف على الحياة الحرة الخالصة ، فعاش فاضلا لا عيب فيه ولا لوم عليه . ما شكا الناس منه قط شدة ولا حدة ، بل كان أبداً كريم الخلق ، رقيق العشرة يتركه جليسة والصدر منشرح والقلب مطمئن والنفس مملوءة بالرجاء في المستقبل مارآه ، الناس يوما مقضيا ولا صارخا فإذا كان لابد من الملامة وجهها إلي الغلطة نفسها لا إلي من غلط ، محتذيا في ذلك حذر الأطباء الذين يعالجون الداء وليس في قلوبهم على المرضى حقد ولا موجدة . كان بعد الخطيئة من شان البشر ، وليس من حق أحد أن يتصدى لتقويم أخطاء الناس وزلاتهم ، اللهم إلا أن يكون إلها

أو رسولا من عند الله

وكان يحاول إصلاح ذات البين ويدعو إلي السلام وجه يوما إلى الشعب الثائر وحضه على ان يسلم نفسه لإرادة الوطن . وعلى هذا النحو كان يتفلسف فكانت  فلسفته وادعة وكان فيها أنس واعتدال (1).

هذا الوصف الجميل واضح الدلالة . فقد كان لفلاسفة الرواق في ذلك الرمان من الفضائل الشخصية والسيرة الطيبة ما اتخذه الناس قدوة ومثالا ، فكان يرجع إلى الفلاسفة في مهام الأمور ، خاصها وعامها . وكان يلقى إليهم زمام الضمير يفحصونه ويوجهونه ، وكانوا حقا معلمين ومرشدين.

اشترك في نشرتنا البريدية