الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649 الرجوع إلى "الرسالة"

مذهب الصداقة، عند شيشرون (ه)

Share

في أعقاب غزو قيصر لبريطانيا ، ضرب الدهر رجلا من

أنبل رجالات روما فى ابنته الواحدة ، قعقد الحزن سحابة في بيته ، وجائت أفكار الرجل محلقة في سماء تسمو على هذه الأرض المليئة بالرزايا ، المشحونة بكل ما هو موجع أليم

ذلكم هو شيشرون خطيب روما الأعظم الذي مات في نهايات عام ٤٣ قبل الميلاد، وكانت حياته حجة للعالمين على إدراك جمال الصداقة وما توحى به من السعادة الدنيوية ، فلقد كتب شيشرون أجمل وأوقع وأبلغ ما كتب عن الصداقة على وجه الزمان ، وإذ قضت ابنته كانت سنه تتزيد على الستين وكان قد شهد جميع المنافسات والمنازعات السياسية ، وتذوق لذاذات الحياة جميعاً.

وكان يعرف قيمة المال والثراء والصيت الذائع ولكنه لم يجعل لها الكفة الراجحة في ميزانه ، وكانت الفلسفة التي استمدها من تجاريب حياته إبان المحنة تحتبس فى هذه العبارة : لا ضع الصداقة فوق كل الاعتبارات الإنسانية ) .

وعلى هذه الفقرة تفرعت كل كتاباته ، فوصف فضائل الصداقة ومنافعها وحاجة كل إنسان إليها ، والأسباب المؤدية إلى فقدانها . ولقن ذلك الأديب الروماني ( جايوس ليليوس ) .

ولكن ليس من ريب فى أن الفلسفة النبيلة الأصيلة من الصداقة إنما هي من بنات أفكار شيشرون .

تساءل شيترون عمن يمكن أن يكونوا صدقاناً وأخلاء . تم يجيب بأن الصداقة تكون بين الطيبين الأوار . فإذا أنت استطعت أن تقنع نفسك بأن لك صديقاً ، فأنت قد تحسب نفسك رجلا طيباً أو امرأة طيبة ، وليست الصداقة هؤلاء الذين ليسوا ة طيبين "

ولكن من عم الطيبون البررة ؟ هنالك مقياس اجتماعی بقیس به شيشرون مقدار « الطيبة » اد يقول هؤلاء الذين يعملون ويعيشون ليعطوا برهان الإخلاص والاستقامة والصفاء والكرم ، هم الذين يتحررون من كل الأهواء والمواجد والسفه ، وإن لهم قوة خلقية عظيمة »

تم كتب عن اصطناع الصاحب ، والأمور التي يختبر بها الصديق، والجمال الذي يستحسن في الصداقة والأمور التي لا يد من عملها الاصطناع الأصدقاء ، فذهب بادي" الرأى إلى أن الصديق هو الفرد الذي لا يحتجن الإنسان من دونه سراً من الأسرار ، ويضع فيه أسباب الثقة ، ويرى ألا يخشى الصديق من الإفضاء لصديقه ببعض الذي يطويه بين جوانحه من سر مكبوت قد يكون كرانه مما يؤذى ونفر

كيف يتسنى أن تكون حياة تلك التي يقول عنها (أنيوس) الحياة تستحق العيش ) إذا لم تعتمد على إرادة طيبة متبادلة مع صديق ؟ ماذا يكون أحلى من أن يكون لديك امرؤ تحسر على مناجاته فيما ترور به نفسك ، كما تناجي نفسك ؟ )

ثم يستطرد إلى القول بأن الصديق هو الشخص الذي لا تتملقه مطلقاً

في الصداقة ، ما لم تظهر قلباً خالصاً لا تستطيع أن تكون مخلصاً ولا راضياً بالحب ولا بالمحبوب ، والتملق الذي أتحدث عنه إنما هو كفاح ، وقد لا يقوى على النيل من أحد سوى الذى يتقبله ويغتبط به . وعلى ذلك لا توجد صداقة فيها جانب لا يروم سماع الصدق ، وجانب مستعد للكذب ) . والصديق هو الإنسان الذي يتمثل فيه الإنسان الشفقة

والرحمة ويتبادلها وإياه ، ويحنو القلب على القلب ، وتمتزج النفس بالنفس، فتنطر بالقداسة إلى علو السماك ، ويرى شيشيرون في هذا التبادل الملطفي حجر الزاوية فى الصداقة وقاعدتها وركازها

ولم يزل الحب أبعد قوة بالتعاطف وبالبرهان على عناية الآخرين بنا ، وبالإلف الشديد نتوئب للحب، وتتألق المعجزة ) .

والصديق هو الشخص الذى تحب سواء استطعنا الحصول عليه أو عجزنا دونه. يقول شيشرون : نحن نعتقد أن الصداقة مرغوبة لا لأننا متأثرون بالأمل في الريح ، ولكن لأن ريحها الكامل فى الحب ذاته . والحب ليس شيئاً آخر سوى الاحترام العظيم وشعور الميل الذى ألهم هذه العاطفة ، وليس يبحث عنها لأنها حاجة مادية أو يمقصد الكسب المادى

وأكثر الناس لا يعترفون بشيء مهما يكن أثره في التجربة الإنسانية ما لم يؤد إلى بعض الكسب ، وينظرون إلى أصدقائهم كما لو كانوا ينظرون إلى قطيعهم - أو إلى مصالحهم كما ينبني أن قول - وهكذا يخفقون في الحصول على أجمل شيء : تلك . الصداقة الذاتية المرغوبة فى نفسها ولنفسها ...

والصديق هو المرء الذي تسر لنجاحه سروراً حقيقياً . . كيف يمكن أن يكون سرورك في أويقات النجاح عظيها إذا لم يكن لديك من يكون حبوره عبدل حبورك ؟ والرزية لا يد أن تكون صعبة الإحتمال ، فبغير الصديق تنوء بالثقل . فالصداقة تضفى بهاء لماعاً على النجاح ، وتختزل من وقع البلية بالمشاطرة فيها»

والصديق هو الشخص الذى تعامله معاملة الند في كل الأحوال ولو كنت تختلف عنه في نظر الناس

وأكبر شيء في الصداقة أن الأعلى درجة والأحط درجة لا بد أن يققا موقف المساواة ... ولذا فإن الأخير لا يحزن فف يفوقه الأول ويبرعه في الذكاء أو في الثراء أو في المنصب ، وترام عليك أن تبذل إلى صديقك ما قدرت عليه من المعونة .

والصديق هو الشخص الذى لا نشعر من نحوه مطلقاً بشبهة ، ولا تشعر من نحوه باستخفاف .

لتباين والاستخفاف هما بجربنا الصداقة ، وهما ينتجان كثيراً من أسباب الشدة أو الإهانة التي يكون من بعد النظر في بعض الأحيان تجاهلها ، وفى بعض الأحيان شرح أسبابها ، ثم

احتمالها في كثير من الأوقات هناك أناس يصيرون الصداقة كريهة بحسباسهم أنفسهم مهترين ، وندر ما يحدث هذا - فيما خلا حالة الناس الذين يستأهلون الاستخفاف حقيقة – بيد أنه ينبغي لهم أن يتخلصوا من هذه الأفكار ليس بالكلام وحسب وإنما بالعمل

من سجايا الإنسان الطيب الذي يجب أن أسميه أيضاً الإنسان العاقل ، أن يتمسك بهاتين القاعدتين في الصداقة الأولى : ألا يدع هناك ادعاء أو نفاقاً ، والثانية : الاينبذ الوشايات التي يفضى بها شخص آخر فحسب ، وإنما يجانب هو أيضاً الشبهة والاعتقاد بأن صديقه يجترح خطيئة ما

لذلك ينبنى أن تضقى بشاشة أكيدة من الكلام والأخلاق التي تعطى للصداقة نكهة متاعة )

ولزام أن تعمل عملا شاقاً لخلق الأصدقاء والحفاظ عليهم كما تعمل عملا شاقاً في أشغالنا

ولقد اعتاد (شبيبيو) أن ينعى شكواه بقوله إننا نألم لكل شيء إلا للصداقة ، وإن كل واحد يستطيع الإخبار بما عنده من الفم والمعز ، ولكنه غير مستطيع الإخبار بعدد أصدقائه ، وذلك لأن الناس يلاقون المشاق في الحصول على الأوليين ، ولكنهم لا يبالون باختيار الأخيرين )

غير أنه قبل أن شاهد صديقك يجب أن تكون حريصاً عليه تستطيع أن تحب صاحبك بعد ما تمدحه ، ولكن لا تتن عليه بعد أن تبدأ في حبه )

ثم ماذا يقول عن أصدقاء المدرسة وعهد الطلب والتلمذة ؟ والقاعدة فى الصداقة أنها تكون بعد استقرار القوة وثباتها في السن والعقل ، حتى الرجال الذين كانوا يكرسون حياتهم للصيد واللعب لا يحتفظون بأخلائهم في ذلك الطور إلا لأنهم مترمون باللعب معهم )

وهب أن الرجل الذى تصاحبه يبدو في طور لا تستطيع معه أن تعايشه طويلا .

روابط مثل هذه الصداقة لا بد أن تنحل بارتخاء تدريجي في التواد - والانحلال أولى من التمزق . وتزام أن تتخذ الحيطة لثلا يظهر أن الصداقة لا تطرح جانباً فحسب ، وإنما تنمو مكانها

المداوة الصريحة ، ذلك لأنه ليس شيء أشد خزباً من أن تكون في حرب مع الشخص الذي قضيت معه مرة أويقات ود وصفاء )

ومع كل أخطار الإختيار الأرعن كانت نصيحة شيشرون داوم على اصطناع أصدقاء جدد ، ويتساءل : « هل الأصدقاء الجدد الذين يستحقون الصداقة يكونون مفضلين في أي الأوقات على الصدقان القدامى ؟ ؟ وهنا يشبه الصديق القديم بالحمر المعتقة التى تحسن مع الزمن، « والصداقة القديمة لا بد أن تكون أعظم إسماداً ، على أن الصداقة الحديثة لا تحتقر إذا هي أبدت الأمل في طلع نصيج ، كالماليج الخفر التى لا تحقق في إظهارنا على أوان الحصاد »

أما هؤلاء الذين يظنون أنهم يستطيعون العمل بغير صداقة أو مودة ، أو يقدرون على المسير على طول الطريق اعتماداً على مجرد المعرفة فيقول لهم شيشرون : ( إذا كان واضحاً في بعض أنواع الحيوان أنها تتوق للبحث عن حيوان آخر من فصائلها - وهذا الذي تفعله في حنين يحاكي إلى درجة ما الحب الإنساني فكيف. يكون مقدار ذلك من حب الإنسان الذي يحب نبيه ويستعمل أسبابه في البحث عن شخص آخر تمازج روحه موجه لتكون. روحاً من روحين )

تلك هي فلسفة الصداقة عند شيشرون العظيم، ويا لها من فلسفة قمينة بالاعتبار فى هذا الزمان الذى هوت فيه الماديات بالمثل العليا حتى ما كادت تبقى على شيء

في متحف اللوثر ( لوحة الصداقة » وهي إحدى روائع الفن القديم ، ترى فيها لأروث ) تعتنق عمانها و ناعومى » وتأتي فراقها إذ قضت بذلك الأقدار ، ثم تناجيها بصوت حنان خفيت ، حلو النبرات رقيق : « تالله لا أفارقنك ولا أعودت بعدك ، فيما تذهي أذهب ، وحينما تسكنى أسكن ، فأهلك سيكونون أعلى ، ر إلهك سوف يكون إلـى ..

وتلك صورة مؤثرة تثير الشئون ، وهى خير تعقيب على مذهب الصداقة عند شيشرون العظيم ( الرمل )

اشترك في نشرتنا البريدية