أثار الأستاذ الكبير الدكتور زكي مبارك مناقشة في مقاله (الفرد أساس الجماعة) . ولا ينكر أحد أن الفرد أساس الجماعة بمعنى أن الجماعة أفراد. لكن الأمة ليست أفراداً فحسب، بل هي أفراد اقتضى اشتراكهم في فوائد المجتمع أن يضحي كل فرد بشيء قل أو كثر. والمعضلة هي إلى أي حد ينبغي أن يضحي الفرد من اجل الجماعة. . . ففي بعض العصور راجت فكرة من يقول: إن الفرد ينبغي أن يضحي بكل شيء إذا اقتضت فائدة الجماعة ذلك، وفي عصور أخرى راجت فكرة من يقول: أن الدولة التي أنشأتها الجماعة ينبغي ألا يتعدى اختصاصها النظر في أمور الأمن العام، وأنها ينبغي أن تترك كل فرد حراً في آرائه وإحساسه وميوله وأفعاله، ما دام لا يتعدى على غيره اعتداء يحرمه القانون؛ أما فكرة من يقول: إن الفرد ينبغي أن يكون في كل أمر خاضعاً للجماعة، فإنها تضحي بحريات كثيرة، وقد تؤدي إلى تضاؤل الإنسان في فكره وإحساسه وعمله، وهذا التضاؤل مصيره تأخر الإنسانية؛ كما أن فكرة من يقول بمذهب صيانة أعظم قدر من الحرية للفرد قد تؤدي إلى كثير من الاختلال في الأمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإلى التخاذل والتفرق والتباغض، وقد تؤدي إلى أن يضر الفرد نفسه بإساءة استعمال حريته الكبيرة. وهذا أيضاً مصيره تأخر الإنسانية لو دام هذا الأمر ودامت عواقبه. وقد كانت الفكرة السائدة بعد تأسيس الديمقراطيات الحديثة فكرة صون قداسة حرية الفرد لأن المفكرين وجدوا أن تدخل الحكومات قبلها لم يكن رشيداً ولا منتجاً نتاجاً حسناً. لكن تاريخ الديمقراطيات الحديثة قد أثبتت أن الأخذ بمبدأ الفرد أخذاً عاماً أدى إلى فساد كثير، وقد اضطرت الحكومات إلى رفضه في أمور كثيرة حتى في العهد الذي بلغ فيه غايته؛ فقد رفضته الحكومة الإنجليزية في القرن التاسع عشر بالرغم من إنها تقدس مبدأ الفرد، رفضته عندما تدخلت لحماية الأولاد والنساء والرجال في المصانع، وقد أدى الغلو في الأخذ بمبدأ الفرد إلى ضياعه وإلى قلة الثقة بالديمقراطية في بعض الأمم الأوربية، وإلى سقوط تلك الديمقراطية فيها، وإلى اضطرار الدول التي لا تزال تعتنقه إلى التفكير في أن تحده بتنظيم أمور الجماعة تنظيما لا بد أن يحد حرية الفرد وحقوقه، ولا شك أن هذه الحاجة إلى التنظيم
ستزاد بعد الحرب القائمة الآن. فهذه المسألة التي أثارها الأستاذ لا تحل إلا بمحاولة التوفيق بين المذهبين وتجنب ما في كل منهما من أضرار لا شك فيها؛ والبحث في كل أمر يراد به إنقاص حرية الفرد وحقوقه وفحص نتائجه وألا يكون تدخل الحكومة في أمثال هذه الأمور نتيجة العاطفة وحدها أو الحيرة من وجود فساد لا تدري علاجه فتعالجه بالعاطفة أو القهر أو الوسائل التي لا تؤدي إلى إزالته وإن خيلت أنها تؤدي

