-٢-
كان نصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض إلى ربه أبياتا رثاء بها كعب بن مالك الأنصاري ، وهو في هذا يشترك مع أخبه في الاسلام وشريكه في النسبة إلى جماعة الأنصار : حسان بن ثابت . ومقام كعب بن مالك في الشعر معروف مشهور ، وقصائده في دفع الأذي عن صاحب الدعوة الإسلامية مذكور كثير منها في كتب السيرة ، وخاصة سيرة ابن هشام " . وقد شهد له صاحب " نكت الهميان " بقوله : ) كان مجودا مطبوعا ، قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر وعرف به ، وأسلم وشهد أحدا والمشاهد كلها ، حاشي تبوك ، فإنه تختلف عنها ( . وقد ترجم له الصفدي في " نكته " عن العميان ، لأنه أصيب بالعمى في آخر عمره . ولم ترد مرثية كعب بن مالك للرسول في الطبري ، ولا ابن الأثير ، ولا ابن كثير ، ولا ابن هشام ، ولا المقريزي في " إمتاع الأسماع " . ولا التويري ، ولا ابن الجوزي ، ولا ابن قتيبة ، ولا اليعقوبي ، ولكنها وردت في " الدخائر والأعلاق " للباهلي - وهو متأخر كما سبق القول - ولا أدري عن أى مصدر نقلها . وهي أبيات خمسة فقط - ولعلها منتقاة من قصيدة طويلة . وهذه هي :
وباكية حراء تحزن بالبكا وتلطم منها خدها والمقلدا
على هالك بعد النبي محمد ولو علمت لم تبك إلا محمدا
فجعنا بخير الناس حيا وميتا وأدناه من رب البرية مقعدا
وأفظعهم فقدا على كل مسلم وأعظمهم في الناس كلهم بدا
لقد ورثت أخلاقه المجد والتقي
فلم تلقه إلا رشيدا ومرشدا
و تحمد الله على هذا القدر الذي وصل إلينا من مرثية كعب بن مالك ؛ فإن كثيرا من شعره قد ضاع ، لولا ما حفظه لنا ابن هشام صاحب السيرة من شعر كعب الذي قل ان نجده في كتاب سواه .
أما عبد الله بن أنيس - بصيغة التصغير - فقد روى له صاحب " الذخائر والأعلاق " خمسة أبيات لا غير في رئاء الرسول ؛ ولم أعثر على مصدر آخر لهذه المرثية غير " الذخائر وابن أنيس من الصحابة الذين شهدوا بيعة العقبة ، وكان من شجعان المسلمين ؛ ويذكر ابن هشام صاحب السيرة أنه كان من الذين تسابقوا إلى قتل ابن أبي الحقيق لأنه أحد من حزبوا الأحزاب على النبي وأصحابه . وقد تحامل ابن أنيس على ابن أبي الحقيق بسيفه في بطنه حتى انقذه وهو يقول : قطني قطني أي حسبي ! حسبى ؛ وكان ابن أنيس شاعرا فوق شجاعته . وقد روي له ابن هشام قصيدة يصف بها قتاله لابن سفيان بن نبيح الهذلي ، الذي كاد يؤلب الناس على قتال الرسول . وقد ظفر ابن أنيس بالهذلي فقتله وقدم على رسول الله يبشره بمقتله فلما رآه النبي قال : أفلح الوجه ) ١ ( وليس من بابنا أن نذكر هنا قصيدة ابن أنيس في قتله لابن نبيح الهذلى . ولكن مرئيته للرسول عليه السلام هي كما رواها الباهلي الأشبيلي :
تطاول ليلى واعتراني القوارع
وخطب جليل للخلائق جامع غداة تعي النامي إلينا محمدا
وتلك التي تستك منها للسامع وقد قبض الله النبيين قبله
وعاد أصيبت قبله والتوابع ) ٢ (
فآليت لا آسي علي هلك هالك
مدى الدهر ما رسا تيسير وفارع
فبال قريش فلدوا الأمر بعضكم
فإن نصير القوم للقوم نافع
أما عبد الله بن الزبعري فلم تقع في مصدر تاريخي أو أدبى على مرئبة له في الرسول عليه السلام ولقد كان شاعرا فحلا ؛ بل كان شاعر قريش في الجاهلية . ومهما كان من أمر شدته على النبي والسلمين بالأذي بلسانه فقد أسلم واعتذر للنبي ومدحه ، فأمر له النبي بحلة . ولقد عاش حتي سنة ١٥ من الهجرة ، أعني أنه أدرك وفاة الرسول ؛ فما الذي أسكته عن رئائه ؟ أو ما الذي أسكت المصادر عن أن توصل إلينا رئاءه للنبي - لو كان وقع منه رئاء ؟ سؤالان لانقطع فيهما بجواب إلا إذا ادعينا أننا أحطنا بأخبار ابن الزيعري كلها ، وبشعره كله . وبحوادث السيرة النبوية كلها . وهيهات هيهات
أما زميله في الشاعرية - عبد الله بن رواحة - الذي كان أحد شعراء الدعوة الإسلامية وأحد امرائها البارزين ، فقد استشهد في السنة الثامنة من الهجرة في غزوة مؤتة . فلم يكن له أن يدرك وفاة الرسول ، وبالطبع لم يكن له ان يكون في أصحاب المرائي النبوية .
أما ضرار بن الخطاب الصحابي الفارس الشاعر فلم تجد له في أصحاب المرائي النبوية ذكرا ، هي حين تمتلئ صفحته بالبطولة والفروسية ؛ وقد عاش إلى سنة ١٣ من الهجرة حتى شهد موقعة " أجنادي " واستنشهد فيها ؟ وله في فتح الشام أخبار طوال . فاين شعره الذي رثى به الرسول يوم وفاته ؟ ألم تتحرك شاعريته في ذلك اليوم الذي هز عواطف المسلمين بل هز كيانهم هزا عنيفا ؟ .
على أننا بينما لا نجد مرائي نبوية لابن الزجري وضرار بن الخطاب وهما من شعراء الرسول وألسنة دعوته ، فإننا نجد عند " الباهلي الأشبيلي قصيدتين ، إحداهما لعمر بن الخطاب والثانية لعلي بن أبي طالب . وقد انفرد صاحب " الذخائر
والأعلاق " بذكر المرئيتين . أما مرتبة عمر بن الخطاب فهذا نصها كما رواها الباهلي :
ما زلت مذ وضع الفراش لجنبه
وثوي مريضا ، خالا أتوجع شفقا عليه أن يزول مكانه
عنا فتبقى بعده تتفجع نفسي فداؤك من لنا في أمرنا
أم من نشاوره إذا نتوجع ؟ وإذا تحل بنا الحوادث من لنا
بالوحي من رب رحيم يسمع ؟ ليت السماء تفطرت أكنافها
وتناثرت منها النجوم الطلع لما رأيت الناس هد جميعهم
صوت ينادي بالنعي فيسمع وسمعت صوتا قبل ذلك هدني
عباس ينعاه بصوت يفظع فلبيكه أهل المدائن كلها
والمسلمون بكل أرض تجزع
وأما أبيات على بن أبي طالب فهي كما يلي نقلا عن
المصدر السابق :
ألا طرق الناهي بليل فراعني
وأرقني لما استقل مناديا فقلت له لما رأيت الذي أتي
أغير رسول الله إن كنت تاعبا فحقق ما أشفقت منه ولم يبل
وكان خليلي عزة وجماليا فوالله ما أنساك أحمد ما مشت
بي العبس في أرض وجاورت واديا وكنت متي أهبط من الأرض تلعة
أري اثرا منه جديدا وعافيا
هذا شعر الرجال في رثاء محمد عليه السلام ، أو علي الأقل . هذا هو الشعر الذي وصل إلينا علمه وأحطنا به
خيرًا فيما بين أيدينا من مصادر ومراجع . ولم ينفرد الرجال وحدهم برثاء في هذه الأمة الكريمة ؛ فقد روت بعض المصادر شعرًا للسيدتين الطاهرتين فاطمة بنت محمد عليه السلام وصفية بنت عبد المطلب عمة النبي . أما فاطمة الزهراء عليها السلام فقد روي لها ابن رشيق القبرواني في " العمدة " أبياتًا مؤثرة حزينة في رثاء أبيها محمد صلى الله عليه وسلم ؛ كما روى هذه الأبيات أيضًا أبو إسحق الحصري صاحب كتاب ( زهر الآداب ) . ونقلها أيضًا الأستاذ عمر رضا كحالة في موسوعته ( أعلام النساء ) ج ٣ ص ١٢٠٤ . والأبيات كما رواها صاحب ( زهر الآداب ) هي :
اغيرّ آفاق السماء وكورت
شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي كئيبة
أسفًا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها
وليبكه مُضرٌ وكل يماني
وليبكه الطور(١) المعظم جوه
والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه
صلى عليك منزل الفرقان
وقد جعل ابن رشيق القيرواني هذه المرئية مثلاً يحتذى في الرثاء ؛ وتمنى علي شاعر كالكميت أن يقول مثله في رثاء الرسول بدلاً من قوله في إحدي (هاشمياته) :
وبورك قبر أنت فيه وبوركت
به وله أهل لذلك يثرب
لقد غيبوا برًا وحزما وقائلاً
عشية واراك الضريح المنصب(٢)
ويذكر صاحب ( أعلام النساء ) أن فاطمة عليها السلام وقفت على قبر النبي وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها وبكت وأنشأت تقول :
ماذا على من شمّ تربة أحمد
أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صبت علىّ مصائب لو أنها
صبت على الأيام صرن لياليا
وقالت على قبره :
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا
لما نعيت ، وحالت دونك الكتب
وأما صفية عمة النبي ، فقد روت لها صاحبة ( الدر المنثور ) خمسة أبيات في رثاء محمد عليه السلام ؛ إلا أن الباهلي الأشبيلي روى لها هذه المرثية في عشرة أبيات تذكرها هنا :
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا
وكنت بنا برًا ولم تك جافيا
لعمرك ما أبكي النبي لموته
ولكن أمرًا بعده كان آتيا
أفاطم صلى الله رب محمد
على حدث أمسي بيثرب ثاويا
فِدًا لرسول الله أمي وأسرتي
وعمي ونفسي والجدود وخاليا
وكنت لنا حرزًا حصينًا نبينا
ليبك عليك اليوم من كان باكيا
كأن علي قلبي لذكر محمد
وما خفت من بعد النبي المكاويا
أبا حسن أيتمته وتركته
يبكي ويدعو جده اليوم نائيا
صبرت وبلغت الرسالة صادقًا
ومّت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أن رب الخلق أبقاك سالمًا
سعدنا ، ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية
وأدخلت جنات من العدن راضيا
على أن لها قصيدة بائية في رثاء النبي ذكر صاحب ( أعلام النساء ) بيتًا واحدًا منها . أما الأيات كلها ، فقد ذكرت كاملة في ( الذخائر والأعلاق ) ، وهي من أرق ما رثى به النبي عليه السلام . وهذه هي :
ما لعيني لا تجودان ريا
إذ فقدنا خير البرية حيا
يوم نادى إلى الصلاة بلال
فبكينا عند النداء مليا
لم أجد قبلها ولست بلاق (١)
بعدها غصة أمر عليا
جل يوم أصبحت فيه عليلا
لا يرد الجواب منك إليا
ليت يومي يكون قبلك يومًا
أنضج القلب للحرارة كيا
خلقًا عاليًا ودينًا كريمًا
وصراطًا يهدي إليه سويا
وسراجًا يجلو الظلام منيرًا
ونبيًا مسددًا عربيا
حازمًا عازمًا حليمًا كريمًا
عائدًا بالنوال برًا تقيا
إن يومًا أتى عليك ليوم
كورت شمسه.. وكان جليا
فعليك السلام منا ومن ربــ
ــك بالروح بكرة وعشيا
وقد أخرج الطبراني عن جماعة أنه لما قبض النبي عليه السلام خرجت عمته صفية تلمع بردائها وهي تقول :
قد كان بعدك أنباء وهنيئة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
واختل قومك فاشهدهم فقد سغبوا
وقد روى الجاحظ هذا الخير في " البيان والتبيين " ج ٣ ص ٢٠٤ بتحقيق الأستاذ حسن السندوبي ذاكرًا " هنتشة " بدلا من " هنيئة " . والصواب ما ذكرناه . والهنيئة = الأمر الشديد ؛ أما الهنتشة فلا معنى لها . . ومن أغرب الروايات أن صاحب ( أعلام النساء ) قد روي البيتين السابقين منسوبين إلى السيدة فاطمة بنت النبي عليه السلام ) ج ٣ ص ١٢١٣ ( ؛ وأضاف إليهما بيتًا ثالثًا هو :
فليت بعدك كان الموت صادقنا
لما قضيت وحالت دونك الكتب
ويلاحظ القارئ الكريم أن بعض هذه الأبيات البائية مشترك بين السيدة فاطمة الزهراء ، والسيدة صفية بنت عبد المطلب .
على أن أغرب ما في مراثي النبي عليه السلام هو ما ذكره صاحب ( الذخائر) منسوبًا إلى هند بنت عبد المطلب تخاطب فاطمة الزهراء عليها السلام قائلة :
أفاطم فاصبري فلقد أصابت
مصيبتك التهائم والتجودا
وأهل البر والأبحار طرا
فلم تخطئ مصيبته وحيدا
ألم يك خير من ركب المطايا
وأكرمهم - إذا نسبوا - جدودا
وكان المجد يصبح في ذراء
سعيد الجد قد ولد السعودا
قموني إن قدرت بأن تموتي
فقدت الطيّب الرجل المجيدا . .
رسول الله خير الناس حقًا
فلست أرى له أبدًا نديدا
ومهما تكن هذه الأبيات من سلاسة في حسن سبك فإنك لو بحثت في تاريخ عصر النبوة عن شخصية تحمل اسم
( هند بنت عبد المطلب ) فلن تجد له وجودًا . . وإذا كان ظاهر هذا الاسم يوهم أنه لعمة من عمات النبي وأخت من أخوات صفية بنت عبد المطلب فإن المؤرخ الأخباري ابن قتيبة يذكر في ( معارفه ) أن بنات عبد المطلب وعمات النبي عليه السلام هن : عاتكة ، وأميمة ، والبيضاء ، وبرة ، وصفية ، وأروى ؛ وكذلك يذكر ابن الجوزي المؤرخ في كتابه ( صفة الصفوة ) - طبع حيدر أباد ، جزء ١ ص ٥٦ .
فمن أين هذه ( الهند المطلبية ) التي جاء بها الباهلي الأشبيلي ؛ ومن أين جاءت هذه الأبيات في رثاء الرسول التي بنسيها صاحب ( الذخائر والأعلاق ) إلى المزعومة ( هند بنت عبد المطلب ) ؟؟
أحسن الله إلى من يدلنا على وجه الصواب في هذه الأبيات ؛ وشد أواصر المسلمين بذكر محمد بن عبد الله وجميل ذكراه .
مراجع البحث :
البداية والنهاية لابن كثير ج ، الكامل لابن الأثير ج ٢ ؛ تاريخ الطبري ج ٣ ؛ نهاية الأرب ج ( الدر المنثور ) ؛ المعارف لابن قتيبة ؛ نكت الهميان الصفدي ؛ والبيان والتبين ج ٣ ؛ العمدة لأن رشيق ؟ إمتاع الأسماع للمقريزي ؛ سيرة ابن هشام ؛ أعلام النساء لعمر رضا كحالة ؛ تهذيب الأسماء واللذات للنووي ؛ الذخائر والأعلاق للباهلي ؛ زهر الآداب ج ١ ، صفة الصفوة لابن الجوزي طبع حيدر آباد ، ديوان حسان بن ثابت.

