- 1 -
هذا موضوع لم أجده مجموعا في كتاب ، ولم أقع عليه بحثا مستقلا في كتب السيرة النبوية ، أو مطولات التاريخ ، أو الأخبار الأدبية ، كسيرة ابن هشام ، والسيرة الحلبية . وتاريخ الأمم والملوك للطبري ، والكامل لابن الأثير . والبداية والنهاية لابن كثير ، والبيان والتبيين للحافظ . والعقد الفريد لابن عبد ربه ، ولم أجده حتى في الباب المطول الذي عقده النوبري في الجزء الخامس من " نهاية الأرب " تحت عنوان : المرائي والنوادب . ولكنني جمعته من بضعة عشر كتابا سأذكرها في نهاية البحث تسهيلا لمن يريد المراجعة وعجيب جدا أن تمر على الأمة العربية الإسلامية هذه القرون الطويلة ، وأن يمر على وفاة هاديها وزعيمها محمد بن عبد الله اكثر من ثلاثة عشر قرنا فلا تجد موضوع وفاته صلى الله عليه وسلم مضموما ملموما كما نجد موضوع " مولده " وإنما يصادف القارئ عن وفاة النبي نبأ هنا ، أو مرئية هناك . حتى إنك لا تجد في كتاب المؤرخ الطبري علي طوله وضخامته وتوسعه في أخبار الرسول وولوعه برواية الشعر المناسب لأحداث التاريخ - لا نجد فيه بيتا واحدا من قصيدة رئى بها النبي عليه السلام . ولو لم يرد في تاريخ الطبري شعر البتة لقلنا إن المؤرخ الإسلامي قد جرى على طبعه من عدم الاهتمام بذكر الشعر في كتابه الكبير . ولكن تاريخ الطبري مملوء بأشعار غزار - جاهلية وإسلاما - فما باله يغفل مرائي النبي عليه السلام من حسابه ( ١ )
ولعل المؤرخ الوحيد الذي لم يفضل ذكر مراثي الشعراء للنبي من حسابه هو أبو محمد عبد الملك بن هشام صاحب " سيرة النبي " والذي يعد أوثق مصادرنا عن حياة الرسول وعن وفاته . إلا أن ابن هشام - لأمر لا تعلمه - لم يذكر
من الشعراء الذين رثوا النبي عليه السلام إلا حسان بن ثابت . فروى له في الجزء الأخير من السيرة أربع قصائد : ثلاثا منها دالية القافية ، والرابعة قافيتها رائية
وأطول قصائد حسان بن ثابت في رثاء النبي عليه السلام - على رواية ابن هشام - هي الدالية التي مطلعها .
بطيبة رسم للرسول ومعهد
منير ؛ وقد تعفو الرسوم وتهمد
وتبلغ عدة أبياتها ستة وأربعين بيتا ، وهو نفس العدد الذي رويت به القصيدة في ديوان حسان بن ثابت ، المشروح بعناية الضابط الأديب محمد العناني .
وتبحث في " سيرة ابن هشام " عن مرثية نبوية لغير حسان بن ثابت فلا نجد إلا المراثي الأربع الحسانية التي أشرنا إليها .
ولا شك أن اتصال حسان بن ثابت بالنبي وقربه منه وتنصيبه نفسه للدفاع عنه وعن دعوته حيا ، قد آثار فيه كوامن الشجن حين قبض رسول الله إلى ربه ؟ فإذا شاعرية حسان الغزيرة تنهمر عن سيل من المراثي ، نحس - ونحن نقرؤها - أثر الفجيعة في نفس شاعر الرسول .
ولم يكن حسان وهو يرثي رسول الإسلام معبرا عن نفسه وحده ، أو عن المسلمين بصفة عامة ؛ ولكنه صور مصيبة الأنصار في النبي أرقى تصوير ، حتى لقد خشي على مصير الأنصار بعد وفاته عليه السلام . ولم يكن حسان في هذا إلا معبرا عن شعور قومه ، فهو أنصاري ، بل هو من السابقين منهم إلى الإسلام . وما أصدقه وهو يقول :
والله أسمع ما بقيت بها لك
إلا بكيت على النبي محمد
يا ويح أنصار النبي ورهطه
بعد المغيب في سواد اللحد
ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا
سودا وجوههم كلون الإثمد
وما أكثر تفجعه وهو يرثيه بهذه الأبيات :
نب المساكين أن الخير فارقهم
مع النبي تولى عنهم سحرا
من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي
ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه (١)
إذا اللسان عتا في القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه
بعد الإله وكان السمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بملحده
وغيبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله منا بعده أحدا
ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ورثاء حسان بن ثابت للرسول يجمع بين شعر العاطفة الخاصة التي تعبر عن شعور شخصى وانفعال ذاتي ، وبين شعر الرثاء العام الذي يعبر فيه الشاعر عن عظم المصيبة في المرثي وخسارة الناس بفقده ، وحيرة أمرهم من بعده . ونري ابن ثابت يجمع في المرثية الواحدة للنبي عليه السلام بين هذين المنحيين ؛ فبيتا يقول من قصيدة :
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت
مثل الرسول نبي الأمة الهادي
ولا برا الله خلقا من بريته
أوفى بذمة جار أو بميعاد
من الذي كان فينا يستضاء به
مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
إذا به يقول من القصيدة نفسها :
يا أفضل الناس إني كنت في نهر
أصبحت منه كمثل المفرد الصادي
وبيتا يقول في رثائه عليه السلام من قصيدة :
يا بكر " آمنة " المبارك بكرها
ولدته محصنة يسعد الأسعد
نورا أضاء على البرية كلها
من يهتد للنور المبارك يهتدي
إذا به يقول في القصيدة نفسها :
ما بال عينك لا تنام كأنما
كحلت ما فيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدي أصبح ثاويا
يا خير من وطئ الحصا لا تبعد !
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني
غيبت قبلك في بقيع الغرقد ( ١ )
بأبي وأمي من شهدت وفاته
في يوم الاثنين ، النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متبلدا
متلددا ؛ يا ليتني لم أولد
أقيم بعدك " بالمدينة " بينهم
يا ليتني سبحت سم الأسود
على أن حسان بن ثابت لم يستسلم في مراثيه النبوية إلي البكاء والنحيب والتفجع وتمني الموت - كما فعل في البيت الأخير الذي تمنى فيه أن يسقى على الصباح سم الحيات حتى يرتاح من آلامه وأحزانه . ولكنه اتخذ من مراثية للني معرضا يعرض فيه أخلاق الرسول وصفاته الكريمة على أنصع ما تعرض عليه الأخلاق حين يطويها الفناء فلا يبقى إلا ذكرها ، ولا يأرج إلا عطرها ! اسمعه وهو يقول من قصيدة أخرى في وصف الرسول باكيا عليه مفجوعا فيه :
إمام لهم يهديهم جاهدا
معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم
وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن تاب أمر لم يقوموا بحمله
فمن عنده تيسير ما يتشدد
فَبينا هُمُ في نِعمَةِ اللَهِ وَسطَهُم
دَليلٌ بِهِ نَهجُ الطَريقَةِ يُقصَدُ
عَزيزٌ عَلَيهِ أَن يَجوروا عَنِ الهُدى
حَريصٌ عَلى أَن يَستَقيموا وَيَهتَدوا
عَطوفٌ عَلَيهِم لا يُثَنّي جَناحَهُ
إِلى كَنَفٍ يَحنو عَلَيهِم وَيَمهَدُ
فَبَينا هُمُ في ذَلِكَ النورِ إِذ غَدا
إِلى نورِهِم سَهمٌ مِنَ المَوتِ مُقصَدُ
فإذا بلغ حسان بن ثابت هذا المبلغ من وصف النبي مضي إلى وصف وحشة البلاد من فقده ، وانقطاع الوحي الذي كان ينزل عليه فيؤنس الأرض ، وصف حسان هذه البقاع الموحشة الكئيبة لفقد الرسول ، إلا بقعة معمورة اللحد ، ضافها فقيد الإسلام الكريم ، هي القمة التى ضمت جسده الطاهر ، فهي روضة آنسة بضيافة الرسول ويقوده هذا الوصف لموحش البقاع إلى البكاء ثانية ، فيستنزف دموع عينيه قطرة قطرة قائلا :
فَبَكّي رَسولَ اللَهِ يا عَينُ عَبرَةً
وَلا أَعرِفَنكِ الدَهرَ دَمعَكِ يَجمَدُ
وَما لَكِ لا تَبكينَ ذا النِعمَةِ الَّتي
عَلى الناسِ مِنها سابِغٌ يَتَغَمَّدُ
فَجودي عَلَيهِ بِالدُموعِ وَأَعوِلي
لِفَقدِ الَذي لا مِثلُهُ الدَهرُ يوجَدُ
فإذا أعقبه انحدار الدمع راحة ، أوشفى شجى بلابله . عاد إلى وصف الرسول قائلا :
وَما فَقَدَ الماضونَ مِثلَ مُحَمَّدٍ
وَلا مِثلُهُ حَتّى القِيامَةِ يُفقَدُ
أَعَفَّ وَأَوفى ذِمَّةً بَعدَ ذِمَّةٍ
وَأَقرَبَ مِنهُ نايِلاً لا يُنَكَّدُ
وَأَبذَلَ مِنهُ لِلطَريفِ وَتالِدِ
إِذا ضَنَّ مِعطاءُ بِما كانَ يُتلَدُ
وَأَكرَمَ صيتاً في البُيوتِ إِذا اِنتَمى
وَأَكرَمَ جَدّاً أَبطَحيّاً يُسَوَّدُ
وَأَمنَعَ ذِرواتٍ وَأَثبَتَ في العُلى
دَعائِمَ عِزٍّ شامِخاتٍ تُشَيَّدُ
وَأَثبَتَ فَرعاً في الفُروعِ وَمَنبِتاً
وَعوداً غَذاهُ المُزنُ فَالعودُ أَغيَدُ
رَباهُ وَليداً فَاِستَتَمَّ تَمامُهُ
عَلى أَكرَمِ الخَيراتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ
على أن رواية المؤرخ ابن هشام لمراثي حسان بن ثابت وحده في الرسول عليه السلام لا يدل على أن حسان انفرد وحده من بين شعراء عهد الرسالة برثاء الرسول . فهناك شعراء آخرون وشواعر رثوا النبي عليه السلام ، ولكن مراثيهم جاءت متفرقة في غير مظان . . فإن المؤرخ الحافظ المفسر عماد الدين بن كثير روي في كتابه " البداية والنهاية " مرثيتين للرسول : أولاهما دالية حسان بن ثابت التي أشرنا إليها في مطلع البحث ، والتي مطلعها : ( بطيبة رسم للرسول ومعدنه ) . وثانيتهما قصيدة لأبي سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب ، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم . وكان أبو سفيان هذا شاعرا وقد أسلم يوم فتح مكة وعرض نفسه على النبي ، فأذن له عليه السلام بعد تمنع لما لقيه من عداوة ابن عمه قبل إسلامه . فلما ادخل على رسول الله أنشد بين يديه قصيدة يعتذر فيها عما مضي منه ويقول في مطالعها :
لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ … فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي
فلما مات عليه السلام رثاه بالأبيات التي ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية ؛ ولم يذكرها ابن الأثير ولا الطبري ولا ابن هشام كما سلف القول . ولكن جاء ذكرها في كتاب آخر متأخر اسمه : ( الذخائر والأعلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق ) للإمام أبي الحسن بن سلام الباهلي . إلا أن روايتها في البداية والنهاية تختلف عن روايتها في الذخائر . ونحن مثبتون هنا نصها كما في ابن كثير :
«أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحقّ ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كربت تسيل
نبيّ كان يجلو الشّكّ عنّا ... بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخش ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كلّ قبر ... وفيه سيد الناس الرسول»
وأما رواية " الذخائر والأعلاق " ففيها هذه الآبيات الزائدة :
كأن الناس إذ فقدوه عمي أضر بلب حازمهم غليل
وفيها في وصف النبي :
يخبرنا بظهر الغيب عما يكون ، ولا يحور ولا يحول
وفيها خطابا لفاطمة عليها السلام :
فعودي بالعزاء فإن فيه ثواب الله والفضل الجزيل
ولا شك أن وفاة النبي عليه السلام كانت حدثا نزل بالإسلام ، تلقاه المسلمون بالدهشة ؛ فهذا عمر بن الخطاب قام في الناس قائلا : ( إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي ؛ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة . ثم رجع إليهم بعد أن قيل : قد مات . . والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله قد مات ) . ولم يفق عمر من دهشته إلا حين نبه أبو بكر في خطبته إلى قوله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ، وإلى قوله : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) .
فما مبلغ أثر وفاة النبي في نفوس بقية الشعراء غير حسان بن ثابت وأبي سفيان بن الحارث بن عبد الطلب ؟ وأين كان في ذلك اليوم المغيرة آفاق سمائه عبد الله بن الزجري ، وعبد الله بن أنيس ، وضرار بن الخطاب . وكعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، وعلى بن أبي طالب ؟ وأين كان من الشواعر السيدة فاطمة بنت محمد بن عبد الله عليها السلام ، وصفية بنت عبد المطلب عمة الرسول ، والخنساء الشاعرة التى رثت أخويها صخرا ومعاوية كما رثت ابناءها الأربعة الذين استشهدوا في حرب القادسية سنة ١٦ ه . ذلك موعدنا به في كلمة تالية .

