الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 402الرجوع إلى "الرسالة"

مراجعات لغوية

Share

نشرت الرسالة كلمة للباحث المفضال(أ. ع) في التعقيب  على ما قلت به في توجيه ضم الظاء من كلمة (الظرف) بمعنى اللطف: ومن رأي حضرة الباحث أنني أخطأت فشق عليَّ  أن أعترف بالخطأ، فرحت أتلَّمس العلل، إلى آخر ما قال

وأحدد وجه الخلاف فأقول: جاء في مقالي عن كتاب  المطالعات للأستاذ عباس محمود العقاد أنه ليس من الخير لمصر أن يكثر فيها أهل اللطف والظرف، وقد رسمت الظرف بضم الظاء عامداً، لأنها بالضم تؤدي معنى لا تؤديه وهي بالفتح، فبين اللفظين ما يسميه العرب بالفرق اللطيف وما يسميه الفرنسيون Nuance

ثم انتهزت الفرصة فقدمت لقرائي توجيهاً لضم الظاء من  الظرف في لغة المصريين فقلت إنه نوع من الإتباع لكثرة اقتران الظرف باللطف، والإتباع معروف في اللغة العربية، وله شواهد كثيرة سجلت بعضها في كتاب النثر الفني

ثم وقع بعد ذلك أن انتقد بعض أدباء فلسطين ذلك التوجيه وعدَّه دفاعاً عن أخطاء المصريين. وقد أجيب بأن هناك سبباً يضاف إلى الإتباع وهو التمييز بين المحسوس والمعقول، فالمصريون يفتحون ظاء الظرف إذا أرادوا (الوعاء) ويضمونها إذا أرادوا (اللطف) وأنا أسمي هذا (غريزة لغوية) وأراه من الصواب وأنا أسأل الباحث المفضال (ا. ع) عما يُعرَف في لغة العرب بالمثلثات، وهي الألفاظ التي تنطق فاؤها بالفتح والضم والكسر أسأله عن السر في هذا التثليث، فهل يراه لغة واحدة ينطق بها من شاء كيف شاء في جميع البلاد؟ أم يراه باباً من اختلاف اللهجات  يَفْصُح بعضها في مصر ويَفْصُح الآخر في الشام أو في العراق؟ وإليه هذا المثال: كلمة (جزاف) مثلثة الفاء فهي جَزَاف  وجُزاف وجِزاف، ولكن المصريين ينطقونها (جُزاف) بالضم، فهل ترى من الفصاحة أن ينطقها المصري في خطبته  بالفتح أو الكسر بحجة أن المعاجم تبيحه ذلك؟

الحق كل الحق أن اللهجات المختلفة شرقت وغربت، وهي جميعاً صحيحة النسب إلى العرب، ولكن اللهجة لا تفصح  إلا في المكان الذي استوطنت فيه، فإن تجاوزنا بها ذلك كان صنيعنا ضرباً من الإغراب. وعلى هذا يكون ضم الظاء في الظرف على ألسنة المصريين له ثلاثة توجيهات:

الأول: أن يكون اكتسب حكم الإتباع من اللطف؛ والثاني:  أن يكون للتمييز بين المحسوس والمعقول؛ والثالث: أن يكون لهجة عربية تفردت بها بعض القبائل التي استوطنت وادي النيل وبهذه المناسبة، أذكر أن الأستاذ أحمد العوامري بك  كان كتب كلمة في مجلة المجمع اللغوي عن (نادي التجديف)  بالدال المهملة، فكان من رأيه أنه(التجذيف) بالذال المعجمة؛ وقد ناقشته يومئذ في جريدة (البلاغ) ؛ فقلت: إن الشعراني  في مؤلفاته يرسمها بالقاف فيقول (التقذيف) ؛ وعند مراجعة القاموس المحيط رأيته يثبت ثلاثة حروف هي: المجداف والمجذاف  والمقذاف. . . فما معنى ذلك؟ معناه أن العرب لهم في هذا المعنى ثلاثة ألفاظ تنقل بها الحظ من بلد إلى بلد ومن جيل إلى جيل،

فمن الواجب إذاً أن ندرك أن المصريين لم يقولوا (التجديف) إلا وهم يريدون (التقذيف)، فهم قلبوا القاف جيما كما يصنع بعض اليمنيين والعراقيين، وكما يصنع سكان مصر من أهل الصعيد بدليل أن سكان مصر من أهل المنوفية يقولون (التأديف)، على عادتهم في وضع الهمزة مكان القاف

وتلك فائدة لا ينكرها باحث مفضال مثل العوامري بك. . . ألم يسمع بالمثل المصري الذي يقول:(على قد قوله قدِّفوا له) فهذا المثل يرى التجديف هو التقذيف، وقلبت الذال دالاً  على طريقة بعض القبائل العربية في تحويل المعجمات إلى مهملات ولهذا البحث تفاصيل سأقدمها لحضرة الأستاذ (ا. ع) إذا بدا له أن يُعقب على هذا البحث من جديد، فهو فيما أرى من أكابر الباحثين

أما القول بأني أعدّي فعل (أمكن) بالحرف وهو يتعدى بنفسه، فله توجيه سجلته في مجلة أبوللو منذ أعوام حين اعترض  أحد أدباء العراق على تعدية فعل (حرَم) بالحرف في بعض قصائدي، وهو يتعدى بنفسه؛ وخلاصة ذلك التوجيه أني قد أرى المعنى في بعض الأحايين لا يؤدي تأدية صحيحة إلا إذا عبرت عنه بتلك الصورة، وكان الأستاذ محمد عبد الغني حسن يعرف  عني ذلك الرأي، فلم أر موجباً لمناقشته فيه. . . ولم يكن إيثاري لذلك التعبير ضرباً من العناد، كما أراد حضرة الباحث أن يقول، وإنما كان إيثاراً لحرية القلم في شرح دقائق المعاني، وهي حرية تفرض الثورة على المعاجم في بعض الأحايين

اشترك في نشرتنا البريدية