الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 331الرجوع إلى "الثقافة"

مراحل التعليم، ومراحل النمو فى نظر علم النفس

Share

تتجه الأذهان الآن إلى وجوب التوفيق قدر الامكان بين نتائج البحوث النفسية وبين ما يجب أن يعمل فى ميدان التعليم

وباعتبارى أحد الثقنلين بعلم النفس يسألنى الكثيرون من إخوانى عن مدى ما وصل اليه علم النفس عن المراحل المختلفة التى يمر فيها الفرد أثناء حياته . ومدى اتفاقها مع مراحل التعليم

أما المراحل القائمة الآن فهي قائمة فى الظاهر على مراحل نمو طبيعية ، ولكنها فى الواقع غير ذلك . فمرا حل التعليم العام الحالية بعد انتهاء من الروضة - وهى سن الثامنة - تنتهى أولها بالتقريب فى سن الثانية عشرة ، وهى سن بدء المراهقة ، وتنتهي ثانيتها فى سن الثامنة عشرة ،

فكأن دور المراهقة هو الدور الفاصل بين مرحلتى التعليم . الابتدائى والثانوى . ولكنه من المعلوم أن التلميذ لا يدخل المدرسية الابتدائية عادة إلا إذا وصل إلى مستوى معين فى القراءة والكتابة ومبادئ الحساب ، مما حول الرياض إلى مرحلة إعدادية للتعليم الابتدائى فحسب . ولا يدخل التلميذ المدرسة الثانوية إلا إذا وصل إلى مستوى معين فى التعليم الابتدائى. وقد يصل إلى هذا المستوى فى سن العاشرة أو قبل ذلك ، وقد يصل اليه أيضا فى سن السادسة عشرة أو بعد ذلك . وليس هناك فى مصر ما يمنع من الجمع فى فرقة السنة الأولى الثانوية بين تلميذين أحدهما فى العاشرة وثانيهما فى السادسة عشرة . بل إننا نجد بحسب الواقع أن تلاميذ المدرسة الابتدائية تتراوح أعمارهم أحيانا بين السادسة والثامنة عشرة . وأما المدارس الثانوية فان الأعمار فيها تتراوح أحيانا بين العاشرة والثانية والعشرين .

وبذلك نجد فى كل من المدرستين الابتدائية والثانوية أن الطفل الصغير قد يلعب فى نفس الفناء الذى يلعب فيه آخر اجتاز مرحلة المراهقة ، بل ووصل إلى مرحلة الشباب ، وهذا مما يقطع على الصغار الأذ كياء طريق النمو الاجتماعى والخلقى الذى يتطلب جوا متجانسا حرا ملائما لهذا النوع من النمو ، فيكبون على دروسهم حتى يتفوقوا على زملائهم الكبار . وبذلك يتعلمون فى الغالب تعلما ضيقا ضئيل الفائدة فى الحياة العامة .

وبعد انتهاء مرحلة التعليم الثانوى يتدافعون جميعا إلى التعليم العالى . ولا فرق بين شخص وآخر إلا بضع درجات وقدرة على دفع المصروفات . فالنابغة فى سن السادسة عشرة قد يحصل بحكم عدم نضجه على درجات أقل من زميله فى سن العشرين . وهذا الزميل يمكنه عادة دفع  المصروفات ، فيجد بحكم درجاته ومقدرته المالية فرصة أكبر من زميله الصغير السن . وبهذا نجد أن الأمة تفقد

عددا كبيرا من قادتها فى طريق التعليم

يتبين مما ذكرت - ومن كثير مما لم أذكره - أن النظام الحالى ملئ بالعيوب ، وأنه لا يعطى فرصا عادلة لجميع المتعلمين على السواء . فلننظر فى نظام آخر لنبحث فيه لا من حيث عدالة ما قد يعطى من الفرص للمتعلمين ، ولا من حيث معالجته لمختلف مشاكل التعليم القائمة ، ولكن من حيث تلاؤمه أو عدم تلاؤمه مع ما وصل اليه علم النفس عن مراحل نمو الفرد .

أهم ما وصل إليه علم النفس هو التداخل الشديد بين ما يسمونه مراحل النمو المختلفة ، فمن المسير جدا أن نعرف متى تنتهي مرحلة ومتى تبدأ مرحلة أخرى . فعملية النمو عملية تدريجية لا تستطيع أن تميز فيها حدودا فاصلة . وصعوبة تميز الحدود الفاصلة بين مرحلة وأخرى ليس أمرا خاصا بالنمو العقلى للإنسان فقط ، وإنما نجده فى كل ميادين الحياة النباتية والحيوانية ، فليس من السهل على أى انسان كائنا من كان أن يضع خطا فاصلا يميز به بين انتهاء نمو الزهرة مثلا وابتداء نمو الثمرة منها . ولكن يمكن للشخص أن يختار فترتين متباعدتين يحكم فيهما فى الفترة الأولى على أن هذه زهرة قطعا ، ويحكم فى الفترة الثانية على أن هذه ثمرة قطعا . وحتى إذا أخذنا الحشرات التى يمكن تقسيم حياتها إلى مراحل أربع : وهي البيضة ، ثم اليرقة ، ثم الشرنقة ( العذراء ) ، ثم الفراشة ، فإنا نجد أنه لا يمكن وضع حد فاصل بين اليرقة والشرنقة ولا بين الشرنقة والفراشة . وقد سبق لى أن فتحت شرانق لدود الحرير لأرى ما بداخلها إن كان أقرب إلى اليرقة أم أقرب إلى الفراشة ، فوجدتها تجمع بين صفات الاثنتين . ولكن هذا لايمنع من أنه يمكننا أن نأخذ فترتين متباعدتين فى أدوار حياة دودة الحرير وتميز فى هاتين الفترتين ، فنرى يرقة كاملة ثم فراشة كاملة تختلف عنها كل الاختلاف .

وإن كان القياس جائزا فى ميدان الكائنات الحية فانه غير جائز فى ميدان العالم المادى . ومع ذلك يمكننا أن نأخذ على سبيل المثال تتابع فصول السنة . فقد علمنا المدرسون أن الشتاء يبدأ فى ٢١ ديسمبر ، والربيع يبدأ فى ٢١ مارس ، والصيف فى ٢١ يونيه والخريف فى  ٢١ اكتوبر ...  وهكذا ، ثم علمنا أن هذه التواريخ ليست تواريخ مبادئ الفصول ، وإنما هي تواريخ أنصاف الفصول ومبادئ الفصول أقل شدة من نهاياتها . فالشتاء قبل ٢١ ديسمبر أقل شدة منه بعد ٢١ ديسمبر . فعلمنا بذلك أن فصول السنة متداخل بعضها فى بعض ، ولا يسهل وضع حد فاصل ينتهى عنده فصل ويبدأ عنده فصل آخر . وإذا تمكن الفلكيون من وضع هذه الحدود فهى حدود اعتبارية تفقد قيمتها بالنسبة لنظرة الإنسان العملية اليها . وأعتقد أنه رغم أن شهر ابريل علي وشك الانتهاء فان الناس يترددون كثيرا فى اعتبار الشتاء منتهيا لتخفيف ملابسهم أو إبقائها كما هي .

هذه الظاهرة - ظاهرة التداخل واستحالة وضع حدود  فاصلة بين مرحلة وأخرى - إذا هى وجدت فى الظواهر المادية ، وإذا هى وجدت فى ظواهر النمو عند الحيوان والنبات ، فهى موجودة بصورة أكثر توكيدا فى مراحل نمو الحياة العقلية عند الإنسان .

وإذا أخذنا فترتين متقاربتين فى حياة الناشئ فإننا لا نكاد ندرك الفرق ، فالطفل فى التاسعة كالطفل فى العاشرة ، والناشئ فى الخامسة عشرة كالناشيء فى السادسة عشرة . ولكن هناك فروقا واضحة بين اثنين أحدهما فى العاشرة وثانيهما فى السادسة عشرة .

فإذا كانت المراحل التعليمية تعطينا فرصة للتجانس فى المدارس بحيث يتغلب هذا التجانس على الفوارق الكبيرة البعيدة الموجودة الآن فى المدرسة الواحدة ، فإنها تتفق اتفاقا كاملا مع نتائج البحوث النفسية . وإذا رأى بعض

الناس أن دور المراهقة يمكن اعتباره دورا فاصلا فان النظام المعقول يعتبر دور المراهقة ومبدأ البلوغ مرحلة كاملة أولها فى العاشرة وآخرها فى الرابعة عشرة ، ومعلوم أن الدلالات الجسمية والعقلية المراهقة تبدأ فى مصر تقريبا فى الحادية عشرة أو الثانية عشرة . وفى ضوء انعدام تمييز الفواصل الذى أشرنا اليه يمكن جعل مرحلة من مراحل التعليم أولها فى العاشرة وآخرها فى الرابعة عشرة .

نرى مما تقدم أنه من السليم أن يكون هناك للتعليم العام ثلاث مراحل : اثنتان بينهما مرحلة متوسطة . أما المرحلتان فإحداهما قبل العاشرة والأخرى بعد الرابعة عشرة . والمرحلة المتوسطة واقعة بينهما .

اشترك في نشرتنا البريدية