الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187 الرجوع إلى "الرسالة"

مرافعات

Share

كثير منا رأى الدفاع فى قاعة المحكمة وهو يدافع عن المتهم.. يدافع عن المجرم ! ويحاول بقوة حجته وشدة عارضته وذلاقة لسانه أن يحطم الأغلال والقيود التي تطوق الرجل ويطلقه من إساره ... أو يرجو متى أفلت أمر الرجل من يده وغدا مصيره إلى الظلمات أن يعامل بروح القانون . و كثير منا انصت إلى وكيل النائب العام وهو يحمل على المتهم ، ويدافع عن الانسانية المعذبة فى أشخاص هؤلاء المجرمين السفاكين الذين يسودون وجه الحياة المشرق النضير ويلطخونه بالدماء ، لا يزجرهم زاجر ولا ياخذ على أيديهم قانون . ولكن قليلا منا من فكر فى الظروف القوية التى تسوق المجرم إلى الاجرام ، قليل منا من فكر فى ظروف الحياة القاسية التي تخلق

المجرمين والسفا كين وتدفعهم إلى ارتكاب أشنع الآثام . قليل من الناس من يفكر كما يفكر الدفاع وهو يدرس القضية ويقف أمام القضاء يشرح أدوارها ويبسط فصولها ويلقى الضوء القوى الباهر على ما خفى منها من أسرار .

هذه المرافعة البيانية القوية لها أثرها المحمود فى نفوس القضاة ونفوس الناس ، فكثيراً ما تقسو الحياة وتتضافر العوامل السيئة على المتهم المسكين ، فلا ينقذه إلا محاميه و مرافعة محاميه ، متى كانت قوية خلابة كهذه المرافعات التي بين أيدينا الآن ، والتى ترجمها الأستاذ حسن الجداوى عن الفرنسية وتخير فيها قضايا إنسانية تقع فى كل بلد وتجرى فى كل محكمة وتدور على كل لسان . فقضايا حرية الرأى والصحافة والدفاع عن العرض ، والقتل بدافع الغيرة والشفقة ، والخيانة الزوجية التى يضمها هذا الكتاب القيم ، كلها قضايا إنسانية لاتقف على بلد واحد وشعب واحد . ولقد أبدع المترجم فى الترجمة خير ابداع ، ووفق أحسن توفيق ، فجاء كتابه تحفة أدبية رائعة أكملت نقصا محسوسا فى المكتبة العربية وسدت فراغا كبيراً فى الأدب القضائى

وسيجد القارئ فى مرافعة بعض المحامين الفرنسيين منطقاً اخاذاً ولساناً رائعاً دعم بالدراسة الفنية الدقيقة كمرافعة جوزيه فى قضية التجميل حتى قال عنها زميله وخصمه " لقد أدهشتنى مرافعة الأستاذجوزيه تيرى بما فيها من معلومات طبية انحنى أمامها ، كنت أسائل نفسى أيهما أخطر على " الأستاذ جوزيه تيرى أو الدكتور جوزيه تيرى ؟ " و هذا أقل ما يجب أن يكون عليه المحامى فى هذا العصر ، إحاطة شاملة بعلم التشريح وعلم الاجرام وعلم النفس

وفى قضية حرية الدفاع سيقرأ القارئ دفاعاً فذاً فيه بلاغة وقوة وبيان وحجج منطقية وكلام يجرى مجرى الأمثال " إن القوانين لم تعد تطبق بل أصبحت تفسر ، وتفسر دائما بالمعنى الذى لا تدل عليه ولا أراده المشرع لها. . . إنهم يعذبون القوانين ليجعلوها صالحة التعذيب الناس " وما الذى سيقوله القارئ  بعد هذا الكلام.

وفى محاكمة شارل الأول ترى صورة قوية للشعب الانجليزى                                     الصابر الباسل المتفانى في حب مليكه حتى فى عهد كرمويل. وفي القرن الماضي أعدم مجرم شقى بطريقة همجية وحشية فثار                                               شارل هيجو ابن شاعر فرنسا الكبير فوصف الحادث في الصحف                       وحمل عليه حملة شديدة وسيق بعدها إلى المحاكمة. ومما كتب قوله:

" ما الذى ارتكبه هذا الرجل ضد الهيئة الاجتماعية ؟ أنه قتل ..                                        وما الذى فعلته الهيئة الاجتماعية بذلك الرجل ؟ إنها عذبته ... ولكن

أتدرون ما الأثر الذى  تركته فعلتكم؟ لقد أتيتم أمرا إدا، فيه قسوة                وفيه وحشية وفيه إيلام. . إنكم بدلا من أن تكسبوا عطف الجمهور المشاهد لجانب القانون كدتم تحولون عطفه لجانب المجرم. لقد                    أخفق الجلاد الأول فجئتم بثان، وبعد نصف يوم من جهاد مستمر          أستطعتم آخر الأمر أن تقهروا الرجل، وتمسحوا في آن واحد الدم                           من نصل المقصلة والعرق من جباهكم. . لا لا. إن الإعدام  ليس                       بالمنظر الجميل ..."

ومرافعات الكتاب كلها قوية بليغة وهى على نسق قصص يسر ويشوق ، ويعرض صوراً بارزة من الحياة . وسيجد فيها القارىء لذة خالصة وفائدة محققة ، أما المحامى فسيطلع فى لغته على مرافعات يكفى أن يقال عنها إنها لأفذاذ رجال القانون .

هذا والكتاب مطبوع طبعاً جيدا على ورق ناعم وغلاف مقوى وهو يقع فى ١٨٠ صفحة من القطع الكبير وهو مفهرس الاعلام حسن التبويب زهيد الثمن .

ونرجو ونحن نهنىء المؤلف على جهده الأدبى المشكور أن يتحفنا دائما بأمثال هذا الكتاب الرائع.

اشترك في نشرتنا البريدية