الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 206الرجوع إلى "الثقافة"

مرحلة التحول

Share

حينما بدأ الألمان هجومهم الثاني الكبير علي روسيا في أوائل الصيف الماضي ، كانت الامم المتحدة من الناحية العسكرية في موقف لا يدعو إلى الغبطة ، فقد كانت اليابان بعد انتصاراتها المتوالية في المحيط الهادي تقف على أبواب الهند واستراليا ، وكانت قوات روميل المدرعة بعد انتصارها على الجيش الثامن وزحفها السريع في الصحراء الغربية تقف على أبواب مصر ، ولم يتردد بعض النقدة العسكريين يومئذ في التنبؤ بأغرب الاحتمالات ، فتحدث بعضهم عن احتمال اكتساح الالمان للقوقاز خلال الصيف والزحف جنوبا إلي آبار الزيت العراقية ، أو غزوهم لتركيا وزحفهم إلى سوريا وفلسطين ، في الوقت الذي يجتاح فيه

جيش روميل مصر ؛ أو اتجاه الألمان بعد اختراق القوقاز شرقا إلي إيران ، في الوقت الذي تجتاح فيه الجيوش اليابانية الهند غربا لملاقاتهم ، إلي غير ذلك . وكانت هذه الفروض والتكهنات المغرقة تبدو يومئذ في نظر البعض ممكنة معقولة ؛ وكان موقف الامم المتحدة على العموم يدعو إلي كثير من التوجس من تطورات المستقبل

وجاءت النتائج التي أسفر عنها الهجوم الألماني في روسيا في البداية تؤيد هذا التوجس ؛ فقد اندفع الالمان بسرعة من خار كوف نحو منحني الدون ، ثم إلى الفولجا ؟ وانحدروا في الجنوب من روستوف جنوبا إلي ما وراء نوفوزوسك ، كما توغلوا في قلب القوقاز ، واضطر الروس

في الساحتين إلي التراجع والتخلي عن مساحات كبيرة ومواقع هامة ؛ واستمرت شدة الهجوم الألماني حتي أواخر أغسطس حينما أشرف الألمان على ستالينجراد الواقعة على الضفة الغربية من منحني نهر الفولجا ، وكان فقد هذه المدينة الهامة يعتبر ضربة شديدة للروس ، إذ يعرضهم لقطع مواصلاتهم الحيوية عبر الفولجا بين الشمال والجنوب ، ويشطر جيوشهم إلى شطرين ، ويعرضهم إلي كثير من الصعاب الخطيرة ، ويعرقل جهود الخلفاء لتموينهم بالعتاد من الجنوب عن طريق إيران وبحر قزوين ، وكان هذا ما يرمي إليه الالمان في الواقع باستيلائهم على مدينة ستالين ، واستطاع الالمان فعلا أن ينفذوا إلي المدينة وان يستولوا على بعض أحيائها ، ولاح للناس جميعا ان مصيرها محتوم ، وأن سقوطها مسألة أيام

ولكن الصيحة ارتفعت قوية في الجيش المدافع بوجوب إنقاذ ستالينجراد ، وإنقاذ روسيا مما يتهددها من الاخطار بفقدها . وما لبثت المعجزة ان حدثت ، كما حدثت في مثل هذا الوقت من العام الماضي ، حينما استطاع الروس إنقاذ موسكو في آخر لحظة وفي الوقت الذي اعتقد الألمان فيه أن العاصمة الروسية أصبحت في قبضة يدهم . وشهدنا في ساحة ستالينجراد اعجب وأروع المناظر التي وقعت في هذه الحرب : شهدنا الجيش الألماني العتيد يهاجم المدينة الباسلة أياما فأسابيع متوالية ، ويطوقها من الغرب تطويقا تاما ، ويسلط عليها ادواته المدمرة من الأرض والسماء بعنف لم يسمع به ، ويرسل إليها صفوة قواته الاحتياطية فوجا بعد فوج ، والروس يصمدون لهذه القوى الجبارة كما تصمد الجبال الرواسي ، تشد أزرهم الامداد المتواصلة من ضفة النهر الشرقية ، وينازعون الغزاة كل شبر من الأرض ، ويقلبون كل حي وكل شارع وكل منزل في المدينة إلي ساحة حرب محلية . وهكذا استمر هذا النضال المدهش

منذ سبتمبر ، وعجزت جيوش الريح المظفرة التي اجتاحت فرنسا في اسبوعين ، والتي كانت تتقدم في العام الماضي في قلب روسيا على جبهة طولها ألفا ميل ، عن الاستيلاء على مدينة واحدة ، وانتهي هجومها الصيفي بالفشل سواء في الساحة الوسطي أو في القوقاز

2 ولا ريب أن معارك ستالينجراد كانت نقطة تحول خطير في سير الحرب ؛ فقد أضاع الألمان في خوضها وقتا ثمينا حتى دخل الشتاء ؛ وأصيبوا خلالها بخسائر فادحة ، فضلا عما احدثته من صدع خطير لسمعتهم العسكرية ، وما أحدثته في نفسية الشعب الألماني من المرارة وخيبة الأمل .

وقد استطاعت بريطانيا وأمريكا خلال هذه الفسحة الثمينة من الوقت أن تدبرا ضربتهما الجريئة المزدوجة في شمال إفريقية ؛ فقام الجيش الثامن بهجومه الموفق في منطقة العلمين وأنزل بقوات روميل هزيمة شديدة ، ورد الغزاة المرة الثالثة إلي أعماق برقة ، وأنقذت مصر بذلك من خطر الغزو المروع الذي لبث محلقا على رأسها منذ أواخر يونيه الماضي .

وقامت القوات الأمريكية والإنكليزية في نفس الوقت باحتلال شمال إفريقية الفرنسي ، واستطاعت بسرعة مدهشة أن تسيطر على شواطئ مراكش الغربية ، وشاطئ الجزائر كله ، وأن تحتل جميع الثغور والنقط العسكرية في تلك المنطقة ، وانتهي الأمر بأن انضمت السلطات والقوات الفرنسية في شمالي إفريقية وفي غريبها إلي الجيوش المتحدة تعمل معها في تفاهم تام .

وهكذا استحال حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي إلي ساحة قتال جديدة ، بعد أن كان النضال مقتصرا على حوضه الشرقي . ونحن نعرف ما اتخذته القيادة

الألمانية من خطوات سريعة لمواجهة هذا الموقف الجديد ؛ فقد سارعت إلي احتلال باقي فرنسا ، واستطاعت أن تسبق الخلفاء إلي احتلال ثغري بنزوت وتونس ، وان تحشد في هذا الركن قوة ذات شأن . كما بادرت باحتلال ثغر قابس وجنوبي شرقي تونس ؟ بيد انها بيئت بالفشل في محاولتها الاستيلاء على الأسطول الفرنسي الراسي في طولون ، ولو اتيح للآلمان ان يضموا يدهم على هذا الأسطول الضخم لنشأت حالة خطيرة بالنسبة للخلفاء في غربي البحر الأبيض المتوسط .

3 ومن الواضح بعد هذه التطورات كلها أن مرحلة التفوق الآلماني في الحرب قد انتهت ، وانه قد وجدت بين الفريقين المتحاربين على الأقل حالة توازن بين القوى   والفرص لم تتح للحلفاء من قبل .

بل نستطيع أن نذهب إلي أبعد من ذلك فنقول إن هناك ما يدعو إلي الاعتقاد بأن كفة الحلفاء قد اخذت بدورها ترجح كفة المحور ؛ وإذا كان الوقت لم يحن بعد للتحدث عن فرص النصر النهائي بالنسبة لهذا الفريق أو ذاك ، فإن هناك كثير من الدلائل المشجعة بالنسبة لموقف الحلفاء ؛ ويمكن أن نلخص هذه الدلائل فيما يلي :

أولا - في الميدان الروسي ، حيث خبت قوة الهجوم الألماني بشكل ظاهر ، وبدأ هجوم الشتاء الروسي مبكرا وبشدة يلوح معها ان الجيوش الروسية قد توقن هذه المرة إلي إحراز نتائج هامة . وقد جني الروس بالفعل ثمار هجومهم الأول ، فاستطاعوا تحطيم حصار ستالينجراد وتطويق الجيش الالماني المحاصر لها ، والاستيلاء على عدة مدن هامة في منحني نهر الدون ، وأحرزوا عدة انتصارات في الساحة الوسطى

ثانيا - في حوض البحر الأبيض المتوسط ؛ ففي هذا

الميدان الهام الذي تطورت فيه الحوادث بسرعة ، يعاني الألمان مصاعب جمة سواء في لويبا حيث يشدد الجيش الثامن الضغط على قوات روميل ؛ أو في تونس حيث تدور الآن بين الفريقين معارك عنيفة ؛ ومن المحقق ان القوات الإنكليزية الزاحفة على تونس وبنزوت ستتلقي من الألمان مقاومة شديدة ، ولكن المزايا التي تتمتع بها القوات المتحالفة من حيث التموين والمواصلات والقواعد الجوية تجعلهم في مركز افضل من مركز الألمان . ومتى استطاع الحلفاء ، تحقيق مشروعهم في القضاء على مقاومة الألمان في شمال إفريقية ، فإنهم يحرزون بسيطرتهم على حوض البحر الأبيض الجنوبي مزايا عسكرية وبحرية في منتهي الأهمية ؛ ويصبحون في مركز يستطيعون منه تهديد إيطاليا تهديدا خطيرا .

ثالثا أن التطورات الفجائية التي وقعت في إفريقية أرغمت الألمان على حشد وحدات جديدة من قواتهم البرية والجوية في جهات من حوض البحر الأبيض المتوسط ، كانت من قبل تعتبر في مأمن من هجوم الحلفاء ، مثل اليونان وإيطاليا وصقلية وسردانية وتونس وفرنسا غير المحتلة ؛ وبذلك اضطرت ألمانيا إلي توزيع جانب من قوانينها في الوقت الذي يشتد فيه هجوم الروس على الجيوش الألمانية في سائر الميادين ؛ ومن شأن هذا التوزيع أن يضعف من مقدرة الألمان الهجومية والدفاعية معا .

رابعا - أن موقف الحلفاء ، في المحيط الهادي قد تحسن نحسنا ظاهرا ، بعد استردادهم لمعظم جزر سليمان ، وتفوقهم البحري والبري علي اليابانيين في منطقة غنيا الجديدة ، وإبعادهم بذلك خطر الغزو عن استراليا وزيلندة الجديدة

فهذه العوامل والظروف كلها تحمل على الاعتقاد بأن الأمم المتحدة - أعني بريطانيا العظمي وحلفائها - قد أصبحت

اليوم في مركز افضل بكثير مما كانت عليه قبل التطورات الأخيرة في إفريقية وروسيا . وليس من شك في أن ألمانيا ما زالت تحتكم على قوى وموارد هائلة ، ومن الخطأ أن نعتقد أنها تسير إلي الهزيمة بخطي سريعة ؛ ولكن ليس من شك أيضا في ان المانيا تواجه الآن ظروفا واحتمالات عصيبة لم يسبق ان واجهتها من قبل فهناك فضلا عن تفاقم الظروف العسكرية ، احتمال انهيار , إيطاليا فجأة وانسلاخها عن المحور ، وهو احتمال يلوح اليوم قويا في الأفق ؛ وهناك احتمال وقوع تصدع في الجبهة الداخلية في المانيا ذاتها ، متي حدثت هزائم عسكرية أخرى في روسيا أو غيرها .

وفي اعتقادنا أن حوادث الأسابيع القلائل المقبلة في إفريقية وروسيا سوف تزيد موقف الفريقين المتحاربين وضوحا من حيث التعادل أو التفوق في القوى والمقدرة علي الهجوم أو الدفاع ؟ ومن الواضح أن مصاير الحرب تتوقف على تطور المعارك في هاتين الساحتين

اشترك في نشرتنا البريدية