الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 244الرجوع إلى "الثقافة"

مرحلة الفصل

Share

الآن وقد مرت أربعة أعوام كاملة علي نشوب الحرب الحاضرة ، نستطيع ان نقول إنها تدخل مرحلتها الفاصلة : هذا ما تدلي جميع الحوادث والتطورات ، وقد نشهد هذه المرحلة الفاصلة في القريب العاجل . وقد تكون مرحلة قصيرة لا تعدو بضعة اشهر ، وقد تطول قليلا إلى ما بعد الشتاء القادم ، وذلك وفقا لتطور الحوادث المنتظرة ، وميادينها المحتملة .

ولسنا نود أن يحمل هذا القول محمل النبوءة والتكهن ، وإنما نريد فقط أن نستعرض منطق الحوادث الجارية . ومقدماتها لتصل إلي النتائج المحتملة . فسير الحوادث في إيطاليا ، وتطور المعارك في روسيا ، وازدياد أعباء ألمانيا الدفاعية ، والعقاد مؤتمر كوببك عقب انتهاء حملة صقلية ، وما أذيع عن قراراته الاولي : هذه كلها محمل على الاعتقاد بأننا سوف نشهد في القريب العاجل مرحلة الفصل والختام في الحرب الأوربية على الأقل .

وربما كان موقف إيطاليا الشاذ أول ما يستوقف النظر

في معترك الحوادث الجارية ؛ فقد كان المتوقع أن يكون انهيار الفاشستية الإيطالية ، وهي المسئولة عن دفع إيطاليا إلي خوض هذه الغمار الخطرة ، مقدمة لانفصالها عن المحور ، وسعيها إلي عقد هدنة مستقلة . وكان كل ما هنالك يعزز هذا الظن ، ولا سيما بعد أن سقطت صقلية في يد الحلفاء ، وأصبحت جيوشهم تقف على أبواب الأرض الإيطالية الأصلية ، ولكن مضي إلي اليوم أكثر من شهر مذ سقط موسولينى ونظامه الفاشستي دون ان تقدم الحكومة الإيطالية الجديدة على تحديد موقفها بصورة واضحة . ومن الواضح أن المارشال بادوليو يجد نفسه في مأزق صعب ، فالحلفاء يصرون على أن تسلم إيطاليا دون قيد ولا شرط ؛ ومن جهة اخرى ، فان القوات الألمانية تحتل إيطاليا . وإذا صحت الأنباء المحايدة ، فان قوات المانية كبيرة تحتشد الآن في شمالي إيطاليا ، وتقيم فيها خطوطا دفاعية قوية والظاهر أن الألمان يعتزمون أن يجعلوا من إيطاليا ذاتها مسرحا لحرب دفاعية تشغل الخلفاء وتبعدهم عن الأراضي

الألمانية ذاتها اطول وقت مستطاع . ولو جلا الألمان عن إيطاليا ، واحتلها الحلفاء بسرعة ، لاستطاعت اسرابهم الجوية ان نتخن في جنوبي المانيا ( في التيبرول والنمسا )؛ ولكن القيادة الألمانية تتبع في الحرب الحاضرة نفس الخطة التى اتبعتها في الحرب الكبرى ، وهي ان تحرص على ان تكون ميادين المعارك بقدر المستطاع خارج الوطن الالماني ، ليسلم الوطن من العبث والتخريب .

وهكذا نجد حكومة بادوليو نفسها بين نارين ، وفي ذلك ما يفسر رددها وحيرتها . ومن الواضح ان الشعب الإيطالي ثم بعد راغبا في حرب جرت عليه كل هذه الكوارث ، خصوصا بعد ان اضحي الوطن الإيطالي نفسه معرضا لاشد الضربات الجوية ، ولكن الشعب الإيطالي لا يعرف أني يسير وكيف يسير ! بيد أن الذي لا ريب فيه هو ان هذه الحالة لا يمكن أن تطول ، خصوصا إذا بدأ الحلفاء غزو الأرض الإيطالية ذاتها ، وهو ما يرجح وقوعه في القريب العاجل . ونحن لا نعتقد ان الشعب الإيطالي سيصمد عندئذ إلي خوض معارك جديدة تعرض الوطن الإيطالي لمحن جديدة ، ولا طائل تحتها ؛ بل أكبر الظن أن إيطاليا ستبادر عندئذ إلي طلب الهدنة بصورة من الصور ، وإلا عرضت للانهيار المطبق والقوضي . وهنا يتعذر على الألمان ان يحاربوا بمفردهم في بلد لا يرغب في متابعة الحرب ، ولا بد لهم عندئذ من الانسحاب إلي حدودهم الأصلية

هذا فيما يتعلق بإيطاليا التي تلوح نهايتها القريبة في الافق . وأما عن تطور الحوادث في الميدان الروسي ، فهي أيضا تنذر بدخولها في مرحلة الحسم . ولقد اعتدنا في العامين الماضيين أن نشهد كل صيف هجوما ألمانيا رائعا في روسيا يكتسح امامه كل شئ ، وبنتهي باستيلاء الألمان على مساحات واسعة من الاراضى الروسية ؛ وان نشهد الحيوش الروسية تقوم في كل شتاء مهجمات موفقة تسترد فيها بعض الأراضى والقواعد الهامة ، وتحسن مراكزها تحسينا كبيرا . وقد بذل الروس في الشتاء الماضي أعظم

مجهوداتهم الحربية ، وكللت هجماتهم بأعظم نجاح ، فاستردوا ستالنجراد وقضوا فيها على نصف مليون جندي ألمان ، وأوقعوا بجيوش الريخ " أعظم نكبة أصابتها في هذه الحرب ؛ واستردوا القوقاز ، وتوغلوا غربا في الميدان الأوسط حتي خاركوف واستولوا على خاركوف ذاتها ، ولكن الألمان استردوها بهجوم قوي مضاد . ودخل الصيف الحالي ، ولم يبدأ الألمان هجومهم الصيفي قبل أوائل يوليه ، وكان هجوما عنيفا يشمل الجهة الوسطى فيما بين أوريل وكورسك ، واستطاع الالمان أن يخترقوا الخطوط الروسية باديء ذي بدء . ولكن سرعان ما تغير الموقف ، وانقلب الروس من الدفاع إلي الهجوم ، فكان هذا أول هجوم صيفي يقوم به الروس . وشمل الهجوم الروسي منطقة تمتد زهاء أربعمائة ميل من أوريل إلي بيلجرود ، وهما من القواعد الهامة التي يرتكز إليها خط الدفاع الألماني في الوسط ؛ وبعد معارك طاحنة استطاع الروس انتزاع هاتين القاعدتين من الألمان . ولم يمض أسبوعان على ذلك حتي استولي الروس على خاركوف أعظم قواعد اكرانيا للمرة الثانية خلال بضعة أشهر ، واستيلاؤهم على تلك القاعدة الهامة التي هي أعظم مركز للمواصلات في أكرانيا بين الشمال والجنوب والشرق والغرب ، ضربة شديدة للألمان تعرض خطوطهم في شرقي أكرانيا لخطر داهم ، وتفسح مجالا لاندفاع الروس نحو الغرب والجنوب . وقد لا تمضي أسابيع أخري حتي تشهد تطورات هامة أخري في الميدان الروسي .

وإذا كان هجوم الروس الصيفي قد أسفر عن هذه النتائج الخطيرة ، فإن لنا أن نتوقع ، متى أقبل الشتاء ، أن يضاعف الروس جهودهم لرد الغزاة إلى الوراء . والمعروف ان قسوة الشتاء تضفي علي براعة الروس الاستراتيجية مزايا جديدة . ومن المشكوك فيه ان يستطيع الجيش الالماني أن يحتفظ بخطوطه الممتدة من أقصى الشمال إلي أقصي الجنوب ، ولا بد له تفاديا من ضغط الروس الخطر أن يلجأ إلى تقصير خطوطه ، خصوصا إذا نجح الهجوم الروسي في الشمال في اتجاه سمولفسك وليس بعيدا أن يضطر الألمان

إلي القيام بمثل هذه الحركة قبل مقدم الشتاء ، فيتركوا شرقي أكرانيه كله ، ويرتدوا إلي خطوط اقصر ليستطيعوا تركيز قوانينهم لملاقاة الروس .

وعلي أي حال ، فإنه يلوح من تطور الحوادث أن الميدان الروسي سوف يشهد في الشتاء القادم أعظم المعارك الفاصلة بين الروس والالمان . وإذا تركنا مجال التنبؤ جانبا ، ففي وسعنا ان نقول إن الروس يخوضون هذه المعارك في احسن الظروف التي أتيحت لهم منذ بداية الحرب ، وان الالمان سوف يخوضونها وقد انهكتهم ضربات الروس المتوالية ، وأثرت في قواهم المعنوية أسوأ تأثير

- ٢ - ويجب ألا ننسي بعد ذلك كله ما يمكن أن يسفر عنه مؤتمر كوببك من القرارات والتطورات الخطيرة . والمفهوم أن عقد هذا المؤتمر هو في ذاته نذير بأن الحرب توشك أن تدخل في مرحلتها الحاسمة ، وأن زعيما الديمقراطية الغربية مستر تشرشل والرئيس روزفلت قد اجتمعا في كوبيك مع أقطاب القادة والمستشارين لوضع الخطط الأخيرة لإنهاء الحرب . ومع أنه لم يعرف بالتحقيق حتى كتابة هذه السطور شئ عن قرارات هذا المؤتمر العتيد ، فإنه يكاد يكون من المجمع عليه أن مسألة فتح الجبهة الأوربية الثانية هي في مقدمة ما يعني به . والمقصود بالجبهة الثانية في هذه المرة ، هو تنظيم الجيوش المتحالفة لهجوم قوي في جهة أو أكثر في غربي أوربا يشغل قوات " الريخ " بصورة مباشرة ، ويرغم ألمانيا علي أن تنقل شطرا كبيرا من قواتها من الميدان الروسي إلي الميدان أو الميادين الجديدة ؛ وبذلك يخف العبء الفادح الذي تضطلع به الجيوش الروسية وحدها في الميدان الشرقي منذ أكثر من عامين ، وترغم ألمانيا بذلك على أن تخوض القتال المباشر في أكثر من جبهة رئيسية ، وهو ما كانت تخشاه القيادة الالمانية دائما والظاهر أن المارشال ستالين يلح في وجوب فتح هذا الميدان بصورة عاجلة ، لينفسح المجال أمام الجيوش الروسية لإنزال ضرباتها الأخيرة الحاسمة بجيوش " الريخ "

في الميدان الشرقي ؛ بينما يضرب الحلفاء مؤخرة ألمانيا من الغرب . ولم تقنع القيادة الروسية فيما يظهر بما تم من فتح الحلفاء لجبهة ثانية في أوربا الجنوبية ، اعني بما وقع من افتتاح صقلية وما قد يليه من المضى في غزو إيطاليا أو غزو البلقان ، لأن ذلك لا يمكن ان يشغل قوي الريخ إلا بصورة ثانوية ، لبعد هذه الميادين عن الوطن الالماني . ولم يخف مستر تشرشل والرئيس روزفلت خطورة هذه الخطوة القادمة ، فكلاهما يشير دون تحفظ إلي المعارك الهائلة التي لابد للحلفاء من خوضها في أوربا قبل إحراز النصر المنشود ، على أنه يبدو أن فتح الجبهة الغربية الثانية أصبح ضرورة لا مفر من تحقيقها في القريب العاجل حرصا على إرضاء القيادة الروسية ، وتبديد كل شكوك او فتور يعتري تفاهم روسيا والدول المتحالفة ، وتضامنها في سحق العدو المشترك .

وكما عني مؤتمر كويبك بتنسيق الخطط العسكرية القادمة في اوربا ، فقد عني ايضا بمسألة الحرب ضد اليابان ومضاعفة الحلفاء لجهودهم في ميدان المحيط الهاديء . وهذه مسألة تهم امريكا بالذات ؛ فالنضال ضد اليابان هو اخص ما تعنى به امريكا في هذه الحرب ؛ وهي قد بذلت حتى اليوم أعظم جهودها الحربية في ميادين تهم بريطانيا العظمي والقارة الأوربية قبل كل شئ . ويري فريق كبير من الشعب الأمريكي انه لابد من أن تعمل الدول المتحالفة على هزيمة اليابان في نفس الوقت الذي تعمل فيه على هزيمة المحور في أوربا ، وانه ليس من الضروري ان تبقى الحرب في المحيط الهاديء علي فتورها حتى يفرغ الحلفاء من مهمتهم في أوربا .

ومن المسلم به أيضا أن مؤتمر كويبك قد درس النتائج التي يمكن ان تترتب على انتهاء الحرب في أوربا في المستقبل القريب ، والشروط التي يمكن ان تمنح بها إيطاليا هدنة مستقلة ، وماذا يجب ان تعامل به ألمانيا في حالة إحراز النصر ، وماذا يمكن أن تكون عليه خريطة أوربا المستقبلة ، وغير ذلك من المسائل الخطيرة التي تتعلق بتنظيم السلم في

المستقبل . والظاهر أنه سيعقب مباحثات كوبيك مباحثات اخري مع روسيا لتنسيق جميع الشئون والخطط المتعلقة بمتابعة الحرب ؛ وتنظيم السلم عقب انتهائها .

والخلاصة ، أنه يبدو من تطور الحوادث والظروف ان الحرب تدخل بعد أربعة أعوام من نشوبها في مرحلتها الأخيرة والحاسمة ، وهي مرحلة لن يطول أمدها فيما يعتقد ، غير أنه يخشى أن تكون أخطر المراحل وأعنفها ، فإن جيوش " الريخ " ما زالت قوية زاخرة ، وما زالت المانيا تتمتع بميزات عسكرية واستراتيجية كثيرة ؛ ومن المنتظر ان يبدى الجيش الألماني اعنف مقاومة في كل ساحة يلتقى فيها بخصومه . وقد قال هتلر في خطبه أكثر من مرة ، إن الكلمة الفاصلة في هذه الحرب سوف تقال في أوربا ، وإنها اليوم لكذلك . واعتقادنا أنها سوف تقال في القريب العاجل ، وقد يكون ذلك في الميدان الروسي ، وقد يكون في الميدان الغربي الجديد ، أو فيهما معا ؛ هذا كله إذا سارت الأمور في مجراها الحاضر ، واستطاعت جيوش الريخ " أن تحرص علي تماسكها وقواها المعنوية . واستطاعت الجبهة الألمانية الداخلية أن تحتفظ بسلامتها على انه ليس بعيدا ان تقع في داخل المانيا مفاجآت ليست في حسبان أحد ، وعندئذ تنتهي الحرب الأوربية فجأة وبأسرع مما يظن

اشترك في نشرتنا البريدية