لقد أعطي الله مريم ماحسدها عليه الناس وحرمها ما حسدت الناس عليه ، لقد اعطاها الله المال وحرمها الجمال . أما المال فقد كان وفيرا لا يكاد يتيسر لغيرها من ساكنات مصر ، وأما الجمال فقد كان معدوما لا تكاد تصدق أن مخلوقا قد حرمه الله منه إلي هذا الحد .
وكبرت مريم حتي وصلت إلي تلك السن التي تطيل الفتاة فيها نظرها في مرآتها ، ولكن مريم قد ردها عن مرآتها ما رأت ، أيمكن ان يكون هذا الوجه لها ؟ أيمكن ان يوجد مثل هذا الوجه وسط الجمال الذي يسره لها مالها ! هذه غرفتها قد نظمت فيها قطع الفن النادرة أروع نظام وانائها فاخر جميل ! إن مرآتها نفسها لها إطار قد تعاون
المال والفن على اخراجه . أيمكن لهذا الإطار أن يحيط بهذا الوجه فلا تأذي العين لمرآه ؟ ! وشاعت في عين مريم حرارة الدمعة المنحدرة وتنهدت في حسرة وهي تقول : ربي لماذا ؟ نصف هذا المال بل ربعه بل عشره ، كان يكفي ؛ ونصف هذا القبح بل ربعه بل عشره كان يكفي ، ولكن لقد أراد الله بمريم هذه أن تكون هي أيضا آية للعالمين .
واستمرت بها الأعوام وإذا عينها تتفتح لما حولها ، لقد كانت محسودة على مالها لا يعزي حاسديها ولا يبرد من نارهم إلا هذا الوجه الدميم الذي يطالعها كلما نسيت نفسها وهمت بالنظر إلي المرآة !
كانت مريم إذا سارت في شوارع العاصمة نظر الناس نحوها في انبهار ، فإذا علق نظرهم بوجهها ازورت وجوههم أما الإنبهار فلسيارتها وأما الأزورار فمن وجهها ، حتى إذا أحست حرارة الجو وفتحت نافذة سيارتها تطايرت إليها الكلمات وكلها تدور حول العجب من حكمة الله فيها
فتسمعها في لوعة وتحاول نسيانها في ألم ثائر حتى هذا المال الذي يخفف عنها بلوتها يراه الناس في غير موضعه .
وتهافت الخطاب عليها وهي تعلم السر في تهافتهم وتردهم خائبين . إن الله لم ينس ان يخلق لها حسا مرهفا ونفسا كريمة أبية ليضاعف عذابها . إنه جلت حكمته قد أرادها آية للعالمين . أو كأنما قد أراد أن يرفه بها عن نفوس الفقراء المساكين ، أو كانما قد أراد أن ينير بها للإنسان ناحية من أمر هذه العلاقة المعقدة بين المال والسعادة . تري لماذا اختارها هي دون خلقه أجمعين ؟
وتقدمت بها السن وأصبح مما يجرح كبرياءها ان تظل بين أترابها بلا زواج . إنهن يفخرن بزواجهن بل بزواجهن في سن مبكرة ليتخذن من ذلك دليلا على الجمال . ونظرت حولها فارتد نظرها محزونا كئيبا ، إن اقلهن جمالا تعد ملكة جمال إذا قيست إليها . إن بقاءها بلا زواج برهان قاطع بل تذكير دائم بأنها دميمة . لابد لها إذن من الزواج وإن الذين يتقدمون إليها ليرغبون في مالها ، ولكن أنى لهم أن يعرفوا حقيقتها حتى يقدروها ، إن المال كالجمال كلاهما عرض زائل هذا يجذب وذاك يجذب ، وليس لميزان العقل أو الأخلاق ، دخل في هذا الانجذاب . إنها قبيحة ولكنها ثرية . فلتقدم على الزواج بنفس الإيمان الذي اقدمت به أترابها عليه ، لقد ورثهن أهلهن جمالا ولقد ورثها اهلها مالا ولم يكن لها ولا لهن فضل فيما ورثن ، ومن يدري ؟ لعل الزوج يقدرها يوما فتتضاءل قيمة الجمال أمام ما عرف منها ويحبها لنفسها كما يبقى حبه للجميلة بعد زوال جمالها ، كل ما في الأمر أن المال باق إلي آخر أيام حياتها وجمال أترابها يزول بعد أعوام
وأقدمت على الزواج من شاب في سنها وحاولت ما استطاعت أن تعوض ما فيها من نقص فهيأت له منزلا سعيدا من كل وجه ، ولكنه جاء للمال ، وقد كان محتاجا إليه ، وظلت حاجته تزداد كلما أمعن في تلك الحياة التي حببها
منذ كان صبيا يافعا أيام كان مال أبيه يجري بين يديه كالنهر فلما نضب المعين تزوج مريم ليحفر بها مجري جديدا لنهره ودرت عليه من مالها ! كثر مما كان يقدر واندفع في لهوه ومرحه وهو يناجي نفسه بأنه الكاسب واخوانه الخاسرون
وعرفت مريم أخبار لهوه من أهلها وصاحباتها فكانت توقف سيل هذه الأخبار بلباقة ومهارة ، لا تكذبها فيشتد الجدل حولها ، ولا تصدقها فتفتح تيارات المؤاساة والحسرة وعرف الناس بعد حين أنها لا تريد ان تسمع شيئا عن سلوك زوجها فكفوا عن إعلامها بما عرفوا . وقليلا قليلا نسجت مريم حول زوجها خيالا . إن ما قالوه كذب وإنة بدأ يحبها ويقدرها ؛ فها هو ذا يعود للغداء أحيانا ويمكث في البيت بضع ساعات ويبيت في الشهر عدة مرات ، لقد نجحت في تفكيرها وبعد عامين سيكون لها وحدها وسيمحو حبه لها كل ما قاست من آلام . ونظرت في مرآتها . . إن شفاهها ليست غليظة كما كانت تظن وإن عينيها على جحوظهما لهما بريق لامع وأن أنفها الأفطس عليه مسحة من الفن يجعل لها أثرا خاصا . إنها ليست شديدة السمرة ، إن أهدابها لطويلة وإن شعرها لأسود املس وإن وجهها وسط هذا الإطار الجميل إطار مرآتها لم يعد كالنغم الشاذ وسط القطعة الموسيقية الرائعة ، وارتفع صوتها بالغناء حتي صوتها أيضا قد زالت عنه حشرجته الأولى .
وجاءها الزوج يوما باقتراح . . إن أموالها وأطيانها لاتدر عليها ما يجب أن تدر من مال ، إنه سيذهب هو نفسه إلي مزارعها ليدير لها العمل فيها وسيكون وقته لذلك قسما بين القاهرة والريف وإن كره ان يفارقها ، وفرحت مريم لعنايته بأمرها ولم تسائل نفسها قط ، ولماذا يريد لها مزيدا من المال وهو فوق ما تحتاج إليه بكثير ، إنه يريد لها الخير كله ولا يريد لأحد أن يستأثر بما هي به أحق : نعم سيغيب عنها اياما وربما أسابيع ولكن ماذا يمنع ان تذهب معه فيعيشان في عزلة الريف وهناك سيحبها دون شك . وذهب مرة ومرة
وكلما ألحت عليه أن تذهب معه رفض بإباء ، أتذهب وهي المرهفة المنعمة إلي الريف ؟ إن بيتها هناك قد استكمل وسائل الراحة ولكن فيم تقضي يومها ومن أين لريف مصر أن يتيح لجسمها المترف كل ما اعتاده من ترف ؟ لا . إنه لا يريد منها هذه التضحية ، وآمنت مريم بحماسته ورأت في الإستمرار في الإلحاح ما قد يغضبه فسكتت .
ومرت الأعوام ومريم في سعادة لم تكن تحلم بها ، ولكنها اشتاقت إلي الريف وكانت قد زارته مع أبيها أيام صباها بل أيام شبابها الأولى ، وسألت زوجها أن تذهب فلم يعارضها وقد فطن إلي أن الاستمرار في الرفض قد يوقظ في نفسها شكا ، إن المزارع مزارعها هي أولا وقبل كل شئ ، وفرحت مريم بالريف وتفتحت نفسها السعيدة له . ودخلت بيتها ملكة مزهوة بما أنعم الله عليها به ، واستقبلت ناظرها وموظفيها كما تستقبل الملكة حاشيتها ، وأحس رجالها أن شيئا في نفس مريم قد تغير . . إن تواضعها قد زال وإن حدبها عليهم وسؤالها عن أولادهم قد أنمحي . إن صوتها نفسه قد تغير ، فقد كان في حشرجته الأولى حنانا وهو في عجرفته خشن لافح . تري ماذا أصاب سيدتنا مريم ، قال قوم إن حظها الأسود قد زادها ألما على ألم ، ألم يكفها الله ما هي فيه من قبح حتي ابتلاها بهذا الزوج : آه كم يكرهونه . . لقد زاد في غلة الأرض ولكن هذه الزيادة من دمائهم وعلي حساب أقواتهم وأقوات نسائهم وأطفالهم . لقد كانت مريم رحيمة شفوقة فلما جاءهم هذا النذل فسدت العلاقة بينهم وبينها ، وبدل أن يدعوا لها كما كانوا يفعلون منذ رأت عينها النور أصبحوا يدعون عليها ، فإن أخذتهم الرأفة بها وتذكروا عهودهم الأولى معها صبوا جام غضبهم على زوجها ، ولكنها اليوم القتهم في حيرة عجيبة لقد تغيرت نفس مريم حقا .
وفي الصباح خرج الزوج على ظهر حصانه بعد أن ألهب بالسوط ظهر السائس قبل ظهر الحصان ، ودخل ناظر العزبة ليقابل سيدته ، إنه قد قضى الليل كله في تداول
.ومشاورة مع الأعوان ؛ وهذا ما قد استقر عليه الرأي . " سيدتي إنك قد غيرت سيرتك معنا فماذا نقمت منا ؟ " " إنكم لصوص خائنون والدليل ما قد زاد في غلة الأرض" " سيدتي إن الفرق من دمنا وهو على كل حال لن يزيد غني ولن يحرمك شيئا ، ) إنك لا تنتفعين بشيء من مالك إنه هو الذي يبتز مالك ويمتص دماءنا آتدرين لماذا ؟ " أما الريبة في سلوك زوجها فقد بعدت بينها وبينها الأماد وصوت الرجل في حماسه وحرارته يدفعها إلى الحرص على الجواب قالت " لماذا ؟ " ) إنه يا سيدتي ماجاء مرة إلى هنا إلا ليقبض المال إنه لا يعرف من أمر المحاصيل إلا ميعاد استلام ثمنها إنه ينفق أموالك أنت على جميلاته اللاتي يأتين معه في عزبتك وفي بيتك . . "
لم تعد مريم تسمع شيئا وما كادت تفيق حتي صرخت في وجه ناظرها وطردته في الحال لا من بيتها ولكن من مزارعها كلها ؛ لقد سخط على مريم الجديدة وحاول ان يعيد مريم الأولى فأضاعهما معا ولم يبق إلاحطامهما . لقد سقط الحجاب فرأت مريم ما لم تكن تود أن تراه ، بل ما اتعسها ان تراه ، لقد اصبح من العبث ان تفكر في شئ بعيد إليها أحلامها ويغشي عينها فلا تري الحقيقة ، لقد سقطت من قمة الجبل محطمة متعجبة كيف أمكنها الصعود إليها في يوم من الآيام
ونظرت مريم في مرآتها وقد عادت وحيدة في الحياة إن شفتها لغليظاتان وإن عينيها لجاحظتان وإن أهدابها لقصيرة وإن أنفها لأفطس وإن شعرها لخشن أغبر ، ولم تطق الاستمرار فارتفع صوتها بالبكاء فآذات حشرجته الأذان .
ربى لماذا اخترت مريم دون خلقك اجمعين لتنير للانسان ناحية من العلاقة المعقدة بين المال والسعادة ؟ ربي لماذا أعطيت مريم ما حسدها عليه الناس وحرمتها ما حسدت الناس عليه ؟
