وصلت فكرة التأميم إلى مصر ضمن الأفكار الاقتصادية الحديثة التى أخذت بلدان العالم تردد صداها حين تفكر في الإصلاح ، وترسم مداها حين ترغب فى التطبيق . وتسير أعوارها حين تربع التقدم والرخاء . . وكانت المرافق والمشروعات فى مصر وما زالت يديرها الأجانب وتديرها رءوس أموالهم . وكانت مصر تعقد لهم عقود الامتياز عقدا تلو عقد ، حتى تدار مرافقها وتستثمر مواردها الكامنة هنا وهناك فى ثنايا عناصر الإنتاج
ولقد حسب المصريون - وقد وصلتهم فكرة التأميم فى دثار شفيف من الجدة والطرافة - أن التأميم أسلوب يجب أن يتبعوه فى بلادهم ، فكل مرفق يجدونه مهملا ، وكل مشروع يقاسون من قصوره وانحطاطه ، يجنحون إلى فكرة التأميم يحسبون فيها ضالتهم المنشودة التى يفتقرون إليها ، ويجدون فى البحث عن أمثالها ، فلا يجدونها ، حتى شاءت الأقدار أن تبعث بها إليهم ، فتلقفوها تلقف اللاعب البارع لكرة طرحت بصوالجة اللاعبين المحدثين والمحترفين . . !
وبالرغم من ذلك ، فإنا نري المقتضيات العملية فى مصر قد حدث كثيرا من التمشى مع آمال المصربين فى هذه الفكرة ، ولسنا نعدو الحقيقة فى شئ لو قررنا بأن مصر إلى اليوم لم تطبق فكرة التأميم التطبيق الفنى الصحيح الذى نشأت على منهاجه وبنيت على أساسه ودعامته ، هذا الأساس الذى يقضى بنقل ملكية المشروعات الخاصة التى يتملكها فرد أو أفراد ، وتقوم بمصلحة عامة تهم الجميع ويستفيد منها المجموع ، إلى ملكية الأمة التى تتمثل فى السلطة العامة التى تدير دقة أمور بلدها وشئون أبنائها . ولتفصيل ذلك أقول : إنه لما كانت أكثرية المرافق تدار فى مصر عن طريق عقود الامتياز التى عقدتها مصر مع القائمين بأمر هذه المرافق ، فقد رأت مصر أن تنقل هذه المرافق بطريقة سلسة سهلة إلى ملكية الحكومة وإدارتها ، وتحقيقا لذلك تنتظر حتى ينتهى عقد الامتياز
بينها وبين الشركة التعاقدة معها على إدارة مرفق من المرافق الحيوية في البلاد ، ثم ترفض تجديد هذا العقد ، مؤثرة تأميم المشروع أو المرفق المراد تجديد عقده امتيازه ؛ وذلك بأن نقل إدارته إلى الإدارة الحكومية حيث تقوم الحكومة بإدارته وتوجيهه والإشراف عليه ؛ وقد حقق هذا المنحى من جانب الدولة المصرية شيئا كثيرا من النفقات ووفر عليها تكاليف كبيرة ليست بقادرة على تحمل أعبائها . ومصر كما تضم التواقين إلى تحقيق فكرة التأميم والإفادة من مزاياها على نطاق واسع ، لا تخلو من فريق آخر يهاجم هذه الفكرة هجوما ويرفضها رفضا ويبحثها فى حذر ويدرسها فى وجل ، على أنه من الممكن إرجاع الوجهات التى يتذرع بها هذا الفريق فى رفض فكرة التأميم إلى ثلاثة أسباب :
السبب الأول : أن البلدان التى طبقت هذه الفكرة فى نطاق مشروعاتها ، قد تحملت كثيرا من الخسائر والكوارث المالية التى دعتها إلى التفكير فى العدول عن بعض تطبيقاتها التى جرت عليها مثل هذه الأضرار ، على أنه إن صح فى نظرى الاعتداد بفشل فكرة ما ، فى بلد معين للنظر فى أمر تطبيقها فى بلد آخر ، فإن هذا لا يعنى أن الفكرة سقيمة فى مدلولها غير مجدية فى الأخذ بها ؛ ذلك لأن لكل بلد أوضاعة الخاصة به ، التى تتبابن كل التبابين مع أوضاع البلدان الأخرى ، وقد تناسب الفكرة أوضاع هذا البلد ولا تناسب أرضاع البلد الآخر . وقد تتوافق مع ظروف هذه الدولة وإمكانياتها ، وقد لا تتوافق محال مع أحوال الدولة الأخرى ، هذا فضلا عن أن فشل تطبيق الفكرة المعينة أو الايحاء المعين فى بلد من البلدان ، قد يكون راجعا إلى خطأ فى تقدير صلاحية الأوضاع واحتمال الإمكانيات ، بمعنى أن يكون الخطأ فى التطبيق والتنسيق . أما الفكرة فى حد ذاتها فقد تكون من الجودة والمتانة بحيث تأتى بما يرجى من ورائها من خير إذا ما طبقت التطبيق الصحيح الذى يتفق مع مقتضيات الفكرة ذاتها أولا ، ويتوافق فضلا عن هذا
مع مقتضيات البيئة التى قدر لها أن تكون مسرحا للتجربة والتطبيق ، خاصة وأن أفكار الاقتصاد دقيقة ، وأوضاع الاقتصاد أدق ، ونجاح التطبيق يتوقف إلى حد كبير على التوفيق بين هذه الأفكار وتلك الأوضاع ، والملاءمة بينهما ملاءمة تقتضها طبيعة المنطق وترتضها مقتضيات العمل . وتتسم بروح العصر ، وتطبع بطابع الأصالة والإتقان .
والسبب الثاني : أن الإدارة الحكومية فى مصر فى حاجة أولا وقبل كل شئ إلى إصلاح ؟ إذ لو طبقت فكرة التأميم هكذا قبل البدء بذلك الإصلاح ، وفستكون المشروعات والمرافق المؤممه صورة صادقة تعكس ما يشوب هذه الإدارة من خلل أو اضطراب ؛ وتفصيل ذلك كما بيننا فى فصل سابق أن انتقال المشروع من إدارة الأفراد إلى إدارة الحكومة يعرضه لمخاطر ما تتصف به هذه الإدارة الأخيرة من الخلل إن كان بها خلل ، أو يكون من حسن الحظ أن يعكس أضواء الدقة والإتقان إن كانت الإدارة الحكومية التى ألحق بها المشروع الخاص ، تتميز بما يجب أن تكون عليه الإدارات الحكومية من مثل عليا فى العمل والتوجيه
ونتيجة لهذا يكون من العبث وخطل الرأى أن يقدم بلد كمصر على التأميم كوسيلة لإدارة مرافقها أو لتسيير مشروعاتها وأوضاعها ؟ إذا الخطوة الأولى التى يجب أن تخطوها مصر هى التى تهدف بها إلى إصلاح الإدارة الحكومية وتخليصها من ربقة "الروتين " البالى وإخضاعها لدقة العمل وحسن سيره واستخلاصها من الشوائب الإدارية والعيوب الإدارية ، وإذا ما خطت مثل هذه الخطوة ، فليس من شك فى أن خطوة التأميم تكون من أهم الخطوات الثانية التى يقمن بها أن تفكر فيها بمزيد من الهمة والاهتمام والسبب الثالث : أن مالية البلاد المصرية لا تسمح بالتوسع فى الأخذ بتلك الفكرة ، خاصة وأن هذه المالية تتحمل أعباء كثيرة ، يفرضها على كاهلها ضيق نطاق الأوضاع المالية والنقدية وضعف المورد وزيادة المصروف ، وقد سبق بيان أن فكرة التأميم تقتضى أن تؤمم المشروعات والمرافق لا يقصد الإفادة المالية للادارة الحكومية ، لأن صفة النفع العام التى تحدو بالدولة إلى تأميم هذا المشروع أو ذاك ، إنما تعنى أن هذه الإدارة الحكومية هى التى يقع على عاتقها تحمل الخسارة إن وقعت فى نظير المنفعة العامة التى يتقاضاها كل فرد من أفراد الدولة من عرق جبين للمشروع المؤمم
ومن استنزاف دم المالية الحكومية التى تضحى آنذاك تحت رحمة الاضطرابات التى قد تتعرض لها المشروعات التى الهمت الحكومة على تأميمها .
ووفقا لهذه الأسباب مجتمعة نرى الاتجاهات فى مصر تهدف إلى التخفيف من حدة الأخذ التام والتطبيق العام لفكرة التأميم للمرافق والمشروعات العامة ، ويقتضى تفهم هذا الهدف التعرض بعض الشئ لهذه الاتجاهات ؟ وتستطيع أن نلخصها فى أربعة اتجاهات :
الاتجاه الأول : يرمى إلى تطبيق فكرة التأميم كوسيلة من وسائل الإدارة لمرافق الدولة العامة ، دون أن تكلف الدولة نفسها عناء ماليا كبيرا ؛ وذلك بأن تنظر حتى انتهاء عقد الشركة صاحبة الامتياز ، فترفض التجديد ، وتنقل المشروع أو المرفق إليها ؛ وقد فصلت ذلك فيما سبق ، وبينت أن مصر تبعث هذه السياسة فى أخذها بفكرة التأميم . والاتجاه الثانى : يهدف إلى أن تهتم الحكومة بتحصير . رءوس الأموال ؛ إذ غالبية المشروعات تديرها رءوس . الأموال الأجنبية ، مما أدى إلى جعل النفوذ الأجنبى متوطد الأركان ثابت الدعائم فى البلاد ؟ وليس يجهل أحد ما ينطوى على استبعاد المصريين أنفسهم من التمتع بإدارة مشروعات بلادهم وعناصر انتاجها عن طريق رءوس الأموال المصرية ، مما يتنافى مع محاربة النفوذ الأجنبى ومقاومة العناصر الغربية من الاقتصاد القوى والأوضاع الاقتصادية ؛ وليس يخفى أن الاتجاه الأول السالف الذكر هو إحدى الوسائل التى تستطيع بها مصر التخفيف من حدة النفوذ الأجنبى . وتمصير رءوس الأموال فى نطاق الإنتاج المصرى .
والاتجاه الثالث : يخص أحوال العمال التى يقمن أن تكون محل اعتبار ، وذلك بتحسينها والعمل على رفع مستواها ؛ لأن الأخذ بنظام التأميم إما يفيد فئة العمال إفادة بالغة ، تتلخص فى تخلصهم من طبقة رءوس الأموال المعادية لهم ، واتصالهم المباشر بالعمل الحكومى ، أى اتصالهم بالدولة دون حاجة إلى وسيط ، فضلا عن أتصالهم هذا يحقق لهم رفع مستواهم لسببين رئيسيين ، أولهما : أن الدولة تسعى لتحقيق مستوى رفيع لأبناء شعبها ، والعمال يكونون طبقة يعتد بها من هؤلاء الأبناء ، وثانيهما : أن الدولة يهمها أمر المستهلكين فتنظم أحوالهم وتسمو بإمكانياتها ، والعمال هم أنفسهم من المستهلكين ، كذلك سيفيدون من
هذا التنظيم الحكومى لإمكانيات المستهلكين ؛ وقد سبق فى فصل فائت أن فصلت ذلك بوضوح ، ولقد طالب العمال بالفعل فى مصر فى بعض المناسبات بتأميم المرافق التى يعملون بها كمرافق النقل ، حتى يستطيعوا بواسطتها تحقيق المزايا التى أسلفتها فى الفصل الفائت .
والإتجاه الرابع : تهمه حالة المستهلكين ومصلحتهم ، وهم - كما هو ظاهر - جميع أفراد الشعب ، إذ التأميم سيحقق النفع العام عن طريق المشروعات المؤممة ، فلا أقل - وقد تقرر فى المجتمع عدم الأخذ بفكرة التأميم على نطاق - أن ينظر فى أمر هذه الجموع الغيرة من المستهلكين لإصلاح حالها وإرضاء مطالبها عن طريق وسائل أخرى تحققنى ما كان التأميم كفيلا بتحقيقه ، حتى يتسنى للدولة أن تأخذ بنظام التأميم بعد تحسين الإدارة المالية والحكومية ، ونوخي الدقة والحذر فى التوفيق بين من مقتضيات الفكرة التأميمة والأوضاع الاقتصادية .
ويتحقق - فى نظرنا - إرضاء المستهلكين والسعى فى صالحهم ونفعهم فى حالة اعتدال الآسعار ، وهذا الاعتدال فى الأسعار إذا وقع أو تحقق - بصرف النظر عن الوسيلة فى ذلك - يحقق المستوى الرفيع للطبقات التى تستهلك السلع والخدمات ، إذ يتمتع المستهلكون فى هذه الحالة بأطايب العيش ، فيحدوهم ذلك إلى التهذب والتثقف ؛ ومن هنا يترتب المستوى الاجتماعى والثقافى على المستوى الاقتصادى الذى يتوقف بدوره إلى حد كبير على قدرة النقود المعقولة الحدود ، التى فى يد كل فرد فى المجتمع ، على شراء ما يحقق المستوى المعيشى الرفيع من سلع مادية أو سلع معنوية كالخدمات طبقا لانخفاض الأسعار .
وكذلك على الدولة - فى هذا الصدد - أن تسعى لرفع مستوى الإنتاج ، بزيادة العناصر الإنتاجية وتشجيع حركة العمالة والتصنيع ، ونتيجة لهذا ترتفع دخول الأفراد ومن هنا يتحقق المستوى الرفيع للمستهلكين ، أي أن هذه هي المنفعة العامة المنشودة لهم والتى يسمى التأميم لتحقيق أسسها العامة فى المجتمع الاقتصادى؛ والدولة التى لا ترى الأخذ بالتأميم ، عليها أن توجد أمثال تلك السبل السالفة الذكر ، ليتسنى لأفرادها تحقيق المستوى المعقول للعيش ، فإن لم تتم بتحقيق هذه السبل مع عدم الأخذ بفكرة التأميم على نطاق يوافق مقتضيات مجتمعها ، فإن المستهلكين
والأفراد فى هذه الحالة سيتعرضون لمهازل المستوى المنخفض للعيش ، وينطبق عليهم المثل : وأحتفا وسوء كيلة ؟ " وأحب بعد هذا أن أتعرض بالإشارة إلى بعض الأمثلة التى أخذت مصر فيها بالاتحاد الأول السالف الذكر فى شان فكرة التأميم ؛ فقد صدر مرسوم في ١١٧ اكتوبر سنة ١٩٤٦ يقضى بإنشاء وتنظيم إدارة جديدة للنقل المشترك بالإسكندرية ، وذلك بعد انتهاء عقد امتياز شركة ترام الإسكندرية الذى منح لها بتاريخ ٣١ مارس سنة ١٨٩٦ ، كما يجاوب البعض فى مصر أمل تأميم وسائل النقل فى القاهرة طبقا لما هو متبع فى الإسكندرية
وكذلك حين انتهى فى ٣١ ديسمبر سنة ١٩٤٨ عقد الالتزام الذى منحته مصر لشركة ليبون فى سنة ١٨٦٥ بتوريد الغاز ثم التيار الكهربائى لمدينة القاهرة ، لم تمد الحكومة أمد هذا الالتزام ، وقضت بقانون ١٤٥ لسنة ١٩٤٨ إنشاء إدارة الكهرباء والغاز لمدينة القاهرة . وتقول المذكرة الإيضاحية لهذا القانون :
" إن الحكومة إذا ما أدارت مثل هذه الأعمال التجارية طبقا للنظم الإدارية والمالية التى تتبعها فى مصالحها الإدارية ، لا يكون نصيبها إلا الفشل من الناحية الفنية والخسران من الناحية المالية ، ولاجتناب هذه النتائج الخطيرة رؤى اتباع النظم الخاصة بالشركات المساهمة بقدر المستطاع . فأعطى مجلس الوزراء ما للجمعية العمومية فى هذه الشركات من اختصاص هام ، نظرا لأن الدولة هى صاحبة رأس المال . ويمنح مجلس الإدارة السلطة العليا فى إدارة العملية من الناحية الفنية والإدارية ، أما رئيس الإدارة ، فيقابل عضو مجلس الإدارة المنتدب فى الشركات الخاصة . وهو الذى يتولى الإدارة الفعلية تحت إشراف مجلس الإدارة ورقابته " . على أنه يوما بعد يوم تبزغ مشروعات وتصدح أصوات تقول بتأميم زراعة القطن ومرفق النقل ، وتأميم السياحة ، وكذلك تأميم الصيدليات ، إلى غير ذلك من المشروعات ذات النفع الجوهرى العام
وموضوع تأميم البنك الأهلى ، لما له من أهمية كبيرة فى النظام المصرفى فى مصر ، أو تحويله إلى بنك مركزى تم تأميمه ، من الموضوعات ذات الأهمية الخاصة ، مما يحتاج منا إلى بيان أوفر وعرض خاص ، لذلك ترجئ الحديث فيه إلى الفصل المقبل إن شاء الله !

