-١-
عقب الحرب العالمية الثانية ، قامت حركة اشتهرت بحركة التأميم ، ولاقت رواجا كبيرا في الدول التي تبغي الإصلاح ، أو التي تسود فيها المذاهب والنظريات الاقتصادية الحديثة . فطبق التأميم في جميع البلاد التي خضعت للنفوذ السوفيتي كبولنده وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا ، وقد أمم بمقتضاه كثير من المشروعات ، وخاصة ما كان منها مملوكا للألمان بيد أن فكرة التأميم لم تقتصر على تلك البلاد التي تمت بالصلات إلى الجانب السوفيتي ، وإنما طبقت على نطاق واسع أيضا في البلاد الرأسمالية كفرنسا وانجلترا .
ففي فرنسا نص دستور الجمهورية الرابعة الذي صدر في ٢٧ اكتوبر عام ١٩٤٦ في ديباجته ، على أن أي مشروع مصطبغ استغلاله الآن أو في المستقبل بخواص المرفق العام أو الاحتكار الفعلي ، يقمن أن يكون المجموع مالكاً له ..
وتبعا لذلك طبقت طريقة التأميم في مصانع الحرب الفرنسية (في ١١ أغسطس سنة ١٩٣٦) ، وطرق المواصلات الجوية (أمر ٢٦ يونيو سنة ١٩٤٥) والبنوك الكبرى ( في ٢ ديسمبر سنة ١٩٤٥ ) ، وبنك الجزائر La Bank l`Aigraie )في ١٧ مايو سنة ١٩٤٦ )، والغاز والكهرباء (في ٨ أبريل سنة ١٩٤٦) وبعض شركات وصناعة التأمين ( في ٢٥ أبريل سنة ١٩٤٦ )
واستغلال مصانع الوقود المعدني ( في ١٧ مايو سنة ١٩٤٦ ) ، كما أممت صناعة المحركات ، وبعض المصانع كمصانع سيارات رينو .
وقد حدث في فرنسا في ٢ ديسمبر سنة ١٩٤٥ أن أممت أهم شركات الائتمان . وهي بنوك : الكريدي ليونيه ، والكتوار الأهلي للخصم ، والشركة العامة والبنك الأهلي للتجارة والصناعة ، ويرجع هذا الاتجاه الحديث نحو تأميم المؤسسات المصرفية الكبرى إلى الظاهرة المصرفية ، التي يطلق عليها ظاهرة " تركز البنوك التجارية ، التى كما تكون سبباً من أسباب التوجه نحو تأميم تلك المؤسسات المصرفية ، تكون مؤدية إلى الاحتكار في الدولة التي تظهر فيها .
وتدار المشروعات المؤممة في فرنسا ، تلك التي تكون المرافق العامة من الناحية العضوية والشكلية ، تارة في شكل مؤسسات عامة وطنية خاضعة لقواعد خاصة معينة ، وتارة في شكل شركات مساهمة تخضع للقواعد التجارية ، ويلاحظ أن هذه المرافق العامة ذات الصيغة الصناعية أو التجارية ، يخضع تشغيلها لرقابة منظمة في يناير ومارس سنة ١٩٤٧ . وتختلف إدارتها في خضوعها لقواعدها الخاصة باختلاف المشروعات التى تهتم باستغلال الوقود المعدني ، وكذلك الكهرباء والغاز
وفي انجلترا طبقت حكومة العمال بعد هزيمة المحافظين في أثر الحرب العالية الثانية سياسة التأميم على نطاق واسع ، فبدأت بتأميم السكك الحديدية والكهرباء ومناجم الفحم وبنك انجلترا ، وكذلك طبقت سياسة التأميم في صناعة الغاز والحديد والفولاذ والطيران المدني والملاحة الداخلية ، ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل توصلت إنجلترا إلي تأميم مهنة الطب .
هذه الحركة التأميمية التي وصلت كذلك إلى مصر ، فلاقت فيها صدراً رحبا في بعض الأحايين ، بل هذه الحركة الخطيرة في مدار الدول واجتمعات ، نريد أن نكشف عنها ونتفحصها التفحص الذي يليق بفهمها وإدراك ما تهدف إليه من أغراض ، وما تقوم على دعائمه من أسس وما تنطوي عليه من أسرار ، وما تثيره من وجهات ومشكلات ، وما تستحقه من تأييد وتحبيذ ، أو رفض وانتقاد ، ويقتضينا ذلك أن نبحث أطراف مسألة التأميم وعناصرها ، وقبل أن نفعل نلقي نظرة عامة على التأميم كحركة جديدة من الحركات الاقتصادية ، وكأسلوب حديث من أساليب الإدارة ، وكمظهر جدير بالنظر من مظاهر تدخل الدولة في معترك الأوضاع الاقتصادية التى تسود حياتها وحياة شعبا ومجتمعها ، فقول :
إن من المشروعات الخاصة التي يقوم بها بعض الأفراد أو هيئاتهم الخاصة - كما ذكرت ما هو ذو صبغة عامة أو نفع عام، في حالة التأميم تتملك الدولة باعتبارها ممثلة الشعب والأمة - ومن هنا اشتقت كلة التأميم - و باعتبارها قائمة على تحقيق الصالح العام ، تملك الدولة هذه المشروعات . .
وفكرة التأميم في حد ذاتها تتميز بأنها ذات لون سياسي وتطبيق إداري ، ثم تتميز باصطباغها بصبغة اجتماعية، وقبل هذا وذاك تقوم دعامتها على بنيان اقتصادي ، وتستند أول ما تستند إلى الدواعي والمقتضيات الاقتصادية ...
فأما انها ذات لون سياسي ، فلأن الدولة تمسك بمقتضاها على زمام الهيكل العام لمصالح أبناء شعبها وأمتها ، وبمقتضاها يكون مركزها في الدروة من الطبقات الشعبية ، أى أن لتمتع بمستوى رفع بالنسبة لمستوى الفرد الذي يعيش في ظلها ويخضع لتوجيها وأوامرها ، يستدعي كل ذلك ماخطاه
العالم في سبيل النهوض والتطور ، مما جعل الفرد بمفرده أو باتحاده مع سواه من الأفراد غير قادر على توجيه مشروعات المنفعة العامة في كيان الأوضاع الاقتصادية في بلده خاصة ، بعد أن تطورت الأحوال وتعقدت مسالك الحياة واتسع نطاق العمل ؛ وذلك يرجع إلى أن الفرد أو الأفراد يعجرون عن القيام بذلك العبء الهائل الذي يقتضي شتى المسئوليات والمشكلات ؛ وذلك بسبب القصور الذاتي أو العجز المالي أو بسبب العجز الإداري والتوجيهي أو يرجع هذا إلى أن الفرد بمفرده أو مع سواه من الأفراد إن استطاع التوجيه الإداري والتمويل المالي والسير الحسن ولاقى نجاحا في ذلك فإنما يهدف أول ما يهدف - مهما كان الأمر ومهما بلغت به الوطنية ورعاية الصالح العام - إلي مصلحته الشخصية التي تعلو في نظره على كل مصلحة سواها ، مهما كانت ضرورية ومهما كانت هذه المصلحة هي المصلحة العامة أي المصلحة التي ينتفع بها جميع أفراد المجتمع ! أما الدولة فلها من الإمكانيات ما تستطيع به توجيه مشروعات النفع العام الحيوية توجيها إداريا وماليا ، فضلا عن ان هدفها - بوصفها دولة وسلطة عامة - ليس إلا تحقيق الصالح العام والمنفعة العمومية التي تعم الجميع ، ولا تقتصر على فريق دون فريق ، أو تميز طبقة عن طبقة وفئة عن فئات .
وأما أنها أسلوب إداري ؛ فذلك بديهي ما دمت قد أسلفت أن الدولة أى السلطة العامة هي القائمة على توجيهها وإدارتها . وتقوم الدولة عادة بإدارة المرافق العامة باتباع أساليب وطرق مختلفة ، صار أسلوب التأميم من أهمها شأنا وأشدها خطرا ، ويمكن إلحاق أسلوب التأميم هذا بأسلوب يقرب منه شبها وقرابة يطلق عليه اسم " الاستغلال المباشر " . وثمة أسلوب آخر تدار به مرافق الدولة العامة ، يعرف "بالمؤسسات العامة" . وفي هذه الأساليب تكون إدارة المرافق عن طريق الدولة أو أحد الأشخاص الإدارية ، إنما لا يقتصر الأمر على ذلك ، فقد تعهد الدولة بإدارة المرفق إلى بعض الأفراد أو الشركات بشروط خاصة تضعها وتحت إشرافها وتوجيهها ، وذلك يتحقق فيما يطلقون عليه اسم "أمتياز أو التزام المرافق العامة".
وفيه تكل الدولة أو سواها من الهيئات العامة إلي بعض الأفراد أو الشركات بتولي مرفق اقتصادي عام ، والقيام باستغلاله لمدة معينة ، ويتقدم صاحب الامتياز أو المتحمل بالإالتزام العمال والأموال ، ويتحمل مسئولية العمل ، ويتحصل من المنتفعين بالمرفق الذي يتولاه على بعض الرسوم ؛ ويتحقق ذلك ايضا عن طريق ما يطلقون عليه اسم اقتسام الاستغلال أو " الاستغلال غير المباشر " . وفيه تتقاضى الهيئة العامة عوضا ممن وكلت إليه القيام بهذا المرفق الاقتصادي وإدارته سواء أكان فردا أم شركة ؛ هذا وثمة أسلوب آخر وسط يدعونه الاستغلال المختلط ، وإدارة هذا النوع تقتضي الجمع بين الأفراد وبين الهيئة الإدارية ، وينصب هذا النوع غالباً في قالب الشركة المساهمة التي تكتتب فيها الهيئة العامة بالجزء الكبير من الرأسمال ، وتتحمل مخاطر هذه الشركة ، شأنها في ذلك شأن سائر المساهمين فيها .
غير أنه يلاحظ في أسلوب التأميم أنه ليس ضرورياً أن يدار عن طريقه مرفق عام من مرافق الدولة ، بل إنه من الجائز أن تؤمم مشروعات لا ينطبق عليها وصف المرفق العام ، وذلك - كما سأبين فيما بعد - لأن الفكرة الأساسية في التأميم فكرة اقتصادية واجتماعية اكثر منها فكرة إدارية .
وكذلك يلاحظ أن الدولة وحدها دون الهيئات الإدارية العامة الأخرى هي التي لها القيام باستغلال المرافق العامة عن طريق أسلوب التأميم .
وقد أختلفت أنه في فرنسا يتخذ هذا الأسلوب في الإدارة طريق المؤسسة العامة الوطنية ، أو يتخذ شكل الشركة المساهمة ، فتخضع في هذه الحالة للقواعد التجارية ، وتمتلك الدولة جميع أسهمها ؛ بيد أننا نلاحظ كذلك أنه يمكن أن ينصرف أسلوب التأمم إلى مجرد نقل مشروع خاص ، يتميز ببعض الأهمية العامة من مشروع خاص إلي مرفق عام ، يدار عن طريق المؤسسة العامة أو عن طريق شركة من شركات الاقتصاد المختلط .
وأما أن فكرة التأميم تصطبغ بصبغة اجتماعية ، فذلك لأنها تؤدي إلى تنظيم المجتمع تنظيما اجتماعيا على أسس
جديدة واتجاهات مغايرة للتنظيم الذي عدته الخلاف والتنافر الاجتماعي بين الطبقات الاجتماعية ، وعلى الأخص بين طبقة اصحاب رءوس الأموال أى الرأسماليين وبين طبقة العمال ؛ فالتأميم يربط حياة العمال بالدولة أى بالسلطة العامة ويضع حدا لعلاقاتهم وخلافاتهم المستحكمة مع طبقة الرأسمالية في المجتمع ؛ ولا يخفى ما لهذا التنظيم من أهمية في مصر كهذا العصر الذي نعيش فيه ، ثم إن تنظيم العلاقة بين المنتجين والمستهلكين ، والأولون أقلية ، ولكنهم أقلية متمكنة تستطيع بما لها من نفوذ اقتصادي أن تتحكم في مصاير الآخرين ، وهؤلاء هم أغلبية الشعب وجماع المجتمع ، تؤثر تعاستهم في الحياة الاجتماعية العامة ، كما تؤثر سعادتهم فيها - أقول إن تنظم العلاقة بين المنتجين والمستهلكين من أهم العوامل التي تؤثر في سير الأوضاع الاجتماعية ، وهذا ما تؤدي إليه فكرة التأمم ؛ إذ يذهب التأميم إلي نقل المشروعات الخاصة ذات النفعة العامة إلى مشروعات عامة من طراز خاص ، حيث تديرها سلطة معينة بوساطة المنتجين والمستهلكين .
وأولا وأخيرا ، نلاحظ أن فكرة التأميم صبغتها اقتصادية قبل كل شئ إذ الفكرة الأساسية فيها ، والهدف الأول الذي تهدف إليه ، إنما هو استبعاد مشاركة الرأسماليين من إدارة المشروعات ذات الصفة العامة والمنفعة العمومية ، ومن السطو في تلك الأرباح الهائلة التى تجنبها طبقة الرأسماليين من جراء قيامها وحدها بهذه المرافق المشروعات الحيوية في البلاد . وقد رأت الاشتراكية في هذه الفكرة سبيلا تستطيع به أن تنقل ملكية أهم المشروعات التى يقوم بها الأفراد والهيئات الفردية الخاصة للسلطة العامة أي الدولة التي لها حق هذه المشروعات
ويمكن أن أقول بأن الفارق في تطبيق فكرة التأميم في نطاق الفكرة الشيوعية أو الاشتراكية البحتة ، وتطبيقها في نطاق الرأسمالية وبلادها ينحصر إلى حد ما في وجهتين .
الأولى : من حيث الحدود ؛ إذ الشيوعية ترمي إلي تمليك السلطة العامة أي الدولة جميع المشروعات العامة والخاصة الموجودة في نطاق البلاد ، فلا يحق لفرد أن يمتلك أي
مشروع من هذه أو تلك ؛ إذ ليس له من ملكية الأشياء والأموال سوي ملكية الأموال الاستهلاكية التي يستهلكها بشخصه ؛ فالتأميم في الاشتراكية والشيوعية إذا هو إحدى وسائل إلغاء المكية الفردية في الإنتاج . أما الرأسمالية فلا يعدو التأميم فيها من ناحية تملك الدولة للمشروعات العامة الهامة إلا أن يكون تطعمها لها وتهذيبيا ومماشاة للنطور العصري الذي يقضي بتدخل الدولة في الأوضاع الاقتصادية ، ولكن بالقدر وفي الحدود التي تقتضها هذه الأوضاع وذلك التطور ؛ وان يكون هذا التدخل مجال كليا ؛ لأن الفرد في الرأسمالية - خاصة ومجتمعانها تسودها الديمقراطية السياسية - يجب ألا يغمط حقه في التملك والإدارة والعمل والحرية الاقتصادية والتأثير الذي يتناسب معه في الأحوال العامة !.
والثانية : من حيث الكيفية ؛ وذلك أن الشيوعية لا ترضى أن تشرك نفسها مع الأفراد أو الهيئات الخاصة في تولي وتملك المشروعات العامة أو الخاصة ، وإنما هي تنكر على الفرد إطلاقا أن يكون له أثر في الملكية والإدارة ؛ إذ لا يتعدي اثره في نظرها أن يكون عاملا أجيرا يعمل ويفني نفسه الفردية في المجموع المعنوي الذي تمثله الدولة صاحبة الحق في السطو علي كل ما له صبغة اقتصاد أو منفعة ، وفي امتلاك كل ما يوجد في نطاق مجتمعها ، بصرف النظر عن أصل ملكيته ، أي عما إذا كان هذا الأصل الفرد أو الهيئة الخاصة أو الهيئة العامة . وتأبى الرأسمالية أن تسلم بهذا على علاته ؛ فالفرد في مجتمعاتها لا يحرم من حق التملك ومن حق إقامة المشروعات الخاصة ، ولا يعدو الأمر من ناحية التأميم إلا أن يقال : إن هذه المشروعات الفردية الخاصة التي يقوم بها الفرد أو مجموعة من الأفراد ، إذا ما اتسع نطاقها وتغير وضعها تبعا لتطور الحياة وتبدل الأحوال العامة ، فإن الدولة التي تأخذ بالنظام الرأسمالي تجد بعض الحرج في ترك هذه المشروعات الفردية التي صارت ذات صبغة عامة ومنفعة عمومية لأصحابها ؛ حتى لا يختل نظام المجتمع من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ؟ عندئذ تتملك هذه المشروعات بوسائل - سأبينها فيما بعد - تختلف
عن الوسائل التي تقول بها الشيوعية مثلا لتولى ملكية هذه المشروعات ، والدولة تتملك في المجتمع الرأسمالي هذه المشروعات على أساس مالها من حق بل من واجب في تحقيق الصالح العام ، لا على أساس حق التملك المطلق لشتى صنوف الملكية الإنتاجية أو بالأحرى مشروعات عناصر الإنتاج .
ويسوغ في ظل الرأسمالية أن تشرك معها الأفراد أو هيئاتهم للقيام بأسلوب من أساليب إدارة المرافق العامة والمشروعات العامة ، أو أن تكل إليهم وفق شروطها الموضوعة وتحت اشرافها ، القيام ببعض المرافق والمشروعات ؛ ذلك لأن غرضها ليس محددا بالتملك وإمساك زمام الشئون الاقتصادية والسياسية تحديداً صارماً ؛ وإنما يلاحظ أن عرضها الجوهري هو تحقيق الصالح العام ، ووسيلتها في ذلك قيامها منفردة بإدارة للمرافق وللمشروعات العامة فقط ، تاركة للأفراد مشروعاتهم ، أوتعاونها معهم لتحقيق غرضها الجوهري عن طريق مشاركتهم في الإدارة والعمل ، أو تفويضها لهم بتولى بعض المرافق ، وذلك أيضا بقصد الوصول إلي هدفها الأساسي ، ولكن حدث ذلك وفق ما تضعه لهم من شروط وتحت ما تفرضه من اشراف .
(له بقية )

