الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 328 الرجوع إلى "الثقافة"

مسألة فلسطين

Share

عادت الحوادث فأبرزت مسألة فلسطين مرة أخرى ووضعتها فى الصف الأول فى مسرح الأحداث الدولية ، وجعلتها فى مقدمة المسائل التى يتحدث عنها العالم العربي . ولو أنصفت دول العالم العربى لما كفت عن ذكر فلسطين ، ولا سكتت عن قضيتها لحظة واحدة . فاننا لو هدأنا فالصهيونية لا تهدأ ، ولا يدركها خلل ولا ملل . ونحن على حق ، وهم على باطل . فما أجدرنا - مع حقنا - ألا نقل نشاطا عنهم مع باطلهم .

إن مسألة فلسطين قد أصبحت أمرا يمتحن به العالم العربى والوحدة العربية ، وتمتحن به بريطانيا العظمى وسياستها المنطوية على الشرف والنبل والوفاء ، ويمتحن ذلك النظام العالى الجديد الذى يراد إنشاؤه على مبادئ العدل والإنصاف .

فأما العالم العربى الذى وقع بالأمس ميثاقا عظيم الخطر

للتعاون والتآزر ، فان أول أمر يجب أن يعنى به هو أمر فلسطين ، فانه هنا أمام مشكلة ، الحق فيها واضح المعالم ، ليس فيه خفاء ولا إبهام ، وقوة العدل تنصره وتشد أزره ، والرأى العام فى جميع الأقطار العربية يلتهب غيرة وتحمسا لنصرة فلسطين القطر العربى الصميم وليس من شك فى أن قادة الأمم العربية يقبضون على أسلحة قوية الأثر . وإذا لم ينجحوا فى إنصاف فلسطين ، فان من الصعب أن نتصور أن سيكون لهذه الوحدة العربية ولميثاقها أى أثر فعال أو أى تقدير فى النفوس . فمسألة فلسطين إذا هى الامتحان الأول للوحدة العربية . والانتصار فى قضيتها يفتح أمام الأمة العربية باب النصر الدائم .

أما أن مسألة فلسطين امتحان لبريطانيا العظمى وسياستها ، فان من الأمور المفروغ منها أن بريطانيا قد قطعت على نفسها فى أمر فلسطين عهدا لا سبيل إلى الرجوع

عنه أو التلكؤ فى تنفيذه ، فان تأسيس دولة يهودية فى فلسطين أمر قد رفضته الحكومة البريطانية مرارا . وأعلنت ذلك الرفض فى غير لبس ولا إبهام . رفضته فى وقت تصريح المستر بلفور نفسه ، فلقد أراد اليهود فى سنة ١٩١٧ أن يشتمل التصريح على وعد بإنشاء دولة يهودية ، فرفضت الحكومة البريطانية ذلك واكتفت بأن وعدت بإنشاء وطن قومى فى فلسطين على شرط ألا يمس هذا بحقوق العرب أصحاب البلاد وسكانها .

وعادت الحكومة البريطانية فأكدت هذا الأمر على يد وزير المستعمرات المستر تشرشل ، وهو رئيس حكومتها الآن . فأعلنت فى عام ١٩٢٢ أنه ليس فى نيتها - ولم يكن فى نيتها فى أى وقت من الأوقات - أن تجعل من فلسطين دولة يهودية . وكل ما أرادته الحكومة أن يكون هنالك جالية يهودية مثقفة بالثقافة العبرية لها مدارسها وثقافتها ، وتتولى إدارة شئونها الاجتماعية بنفسها ، أى أنها لن تكون أكثر ولا أقل من أية جالية من الجاليات الموجودة فى مصر مثلا .

ثم عادت الحكومة البريطانية فرسمت سياستها الفلسطينية بوضوح وجلاء فى الكتاب الأبيض الذى أصدرته فى عام ١٩٣٩ . وقد صيغت نصوص هذا الكتاب فى صيغة حلول نهائية لا تقبل النقض ولا الإبرام ؟ وعلى الأخص لأنها بنيت على تجارب عشرين عاما . فليس الكتاب الأبيض وثيقة - مثل تصريح بلفور - أملتها مقتضيات الحرب العالمية . وأصدرتها الحكومة البريطانية تحت ضغط من يهود أمريكا أو بريطانيا . بل وثيقة أصدرتها الحكومة البريطانية بملء حريتها ، وراعت فيها أن تنصف اليهود والعرب على السواء ، فحذرت من مهاجرة اليهود إلى فلسطين ، بحيث لا يتجاوز عددهم ثلث سكان البلاد . وأن تمنح البلاد استقلالها التام بعد فترة انتقال لا تتجاوز عشرة أعوام .

ولم تكتف الحكومة البريطانية فى كتابها الأبيض بهذا ، بل أعلنت - تأكيدا لحسن نيتها وصدق عزيمتها- أنها لن تعدل عن سياسة استقلال فلسطين أو تؤجل تنفيذها إلى ما بعد الأعوام العشرة المذكورة ، فإذا اضطرت إلى شىء من ذلك فإنها لن تقدم على عمل قبل أن تشاور الهيئات الآتية :

(1) ممثلين للشعب الفلسطينى . (2) مجلس عصبة الأمم . (3) حكومات الأقطار العربية المجاورة . ذلك ما جاء فى الكتاب الأبيض ، وهو لا يكتفى بتقرير حق العرب من سكان فلسطين وحدهم ، بل وسكان الأقطار العربية المجاورة أيضا . وهذا إشارة صريحة لمصر والعراق وشرق الأردن والحجاز ولبنان وسوريا .

ولقد جعلت الحكومة البريطانية من حق الحكومات العربية المجاورة أن تشترك فى شئون فلسطين ، لأنها رأت اليهود يستعينون ببعض الدول . ومن المهم أن نلفت النظر إلى أن بريطانيا قد سلمت بحق الحكومات العربية فى الاشتراك فى تقرير أي أمر خاص بفلسطين مما جاء ذكره فى الكتاب الأبيض .

وهكذا نرى أن الحكومة البريطانية لا تملك الحق فى أن تعدل أى بند من بنود تلك الوثيقة الخطيرة ، قبل الرجوع إلى الحكومات العربية المجاورة ، وعلى الأخص تلك التى اشتركت في المداولات التى عقدت فى لندن فى مارس ١٩٣٩ ، وكان من نتائجها هذا الكتاب الأبيض بالذات ....

من الواضح إذا أن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن ترجع عن بند واحد من بنود هذا الكتاب الأبيض ، الذى أصدرته عن روية وتدبر . ولذلك كانت مسألة فلسطين امتحانا لها ولسياستها الدولية ، نرجو أن تجتازه بنجاح .

والمسألة الفلسطينية فوق ذلك هى امتحان للنظام العالمى كله الذى يراد إقامته على أساس من العدل والانصاف ، نظام لا تتقرر فيه الأمور بالقوة والعنف ، بل بالحجة والاقناع . ولقد كان من المتناقضات العجيبة أن أمريكا أبت أن تعترف بضم منشوريا إلى البابان ، أو باستيلاء إيطاليا على الحبشة ، أو بضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا إلى ألمانيا . لأن هذه التغيرات السياسية بنيت على القوة وتمت باستخدام القوة . وحكومة الولايات المتحدة لا توافق على أى إجراء يكون نتيجة لاستخدام القوة . مبدأ سليم قويم ينال من العالم كل تحبيذ وتصفيق . وبمقدار إعجابنا بموقف أمريكا هذا تكون دهشتنا حين نرى رؤساءها وكبراءها يتحدثون عن تحويل فلسطين إلى دولة يهودية ، وحين ترى مجالسهم النيابية تنظر فى مقترحات من هذا القبيل . وبديهى أن تحويل فلسطين إلى دولة يهودية أمر لن يتم إلا باستخدام العنف والقهر ، فإذا كان هذا من باكورات أعمال النظام العالمى الجديد  ، المبنى على العدل والانصاف ، فعفاه على العدل وسلام على الانصاف . ولئن كانت دول المحور ارتكبت الجرائم الفظيعة فى الدول التى تسلطت عليها ، فإنها - على الأقل - لم تزعم أنها تنشئ نظاما قوامه العدل والانصاف ، وهى - على الأقل - لم تحاول أن تفرض على بلد من البلاد التى تحكمها شعبا غريبا ، تحله محل أصحاب البلاد الأصليين  ونحن كأصدقاء مخلصين للحلفاء يجب ألا يمنعنا شىء من أن نصارحهم القول بأن فرض دولة يهودية على فلسطين عمل يفوق فى ظلمه وعدوانه أكبر إثم ارتكبته دول المحور فى أى قطر من الأقطار .

ولهذا كانت مسألة فلسطين امتحانا للنظام الجديد الذى يريد رجال الأمم المتحدة إنشاءه ، على أسس من البر والعدل والإنصاف ، وإنى مع إقرارى بأن امر فلسطين سيكون امتحانا هاما ، ولكنى واثق من أنه لن يكون

امتحانا عويصا ، فعلى الرغم من الضجة التى يثيرها الصهيونيون فى مشارق الأرض ومغاربها ، فان الراغبين من اليهود فى سكنى فلسطين قليل ؛ وهم إنما يريدون فلسطين وطنا روحيا لا وطنا ماديا ، فأن الأغلبية الساحقة من يهود فلسطين اليوم هم من أصل بولندى أو ألمانى ، أو من أواسط أوربا بوجه عام ، وهمهم جميعا أن يعودوا إلى أوطانهم فى أوربا فى أول فرصة ممكنة . فلو خلى بين هؤلاء الناس وبين أنفسهم لبادروا بالرجوع إلى وطنهم فى هنغاريا أو النمسا أو ألمانيا أو بولنده أو رومانيا ، حيث يرجون أن ينشئوا وطنهم من جديد بعد أن زال عنه طغيان الطغاة .

والصورة التى يرسمها دعاة الصهيونية بأن يهود العالم متلهفون متشوقون للعودة إلى فلسطين " بلد الموعد " ، هى صورة خرافية لاتستند إلى أساس من الواقع . والدليل على ذلك أن يهود أمريكا المتمتعين بنعيم الحرية فى بلادهم لم يهاجر منهم سوى بضعة آلاف ، وكلهم لا يزال محتفظا بالجنسية الامريكية ، وبجواز السفر الأمريكى ، لأنه لا يعد إقامته فى فلسطين سوى زيارة مؤقته . أما المهاجرون من بلاد يسودها الظلم النازى ، والطغيان الهتلرى ، فانهم يتمنون الالتجاء إلى أي بلد - فلسطين أو غير فلسطين - ربما يزول شبح الطغيان عن بلادهم وديارهم ، التى ألفوها والتى لا يعدلون بها بلدا سواها .

فالصهيونية كما هو واضح حركة مفتعلة مصطنعة ، على الرغم من كل ما تثيره من الضوضاء ، وليس قوامها سوى طائفة من المتطرفين ، الذين ذهب بهم تطرفهم مع الأسف الشديد مذهب الاجرام ، وهم يشتغلون بجد ونشاط لأن وراءهم أموالا طائلة ينفقون منها ، ولم يتورعوا عن أن يتجهوا بنشاطهم وجهة الشر والجريمة . فلقد أظهر التحقيق فى مقتل لورد موين كيف التجأت الحركة الصهيونية إلى التغرير بالشباب البرىء ، فإن أحد المجرمين كان فتى

لا يتجاوز العشرين ربيعا ، وقد مضى عليه ستة أعوام وهو منخرط فى سلك جماعة إرهابية أخذت تعده ، منذ نعومة أظفاره لارتكاب الجرائم ، فقد التحق بتلك الجمعية وهو فتى فى الرابعة عشرة من عمره ، أى قبل أن تشب الحرب الحالية ، وقبل أن تنشأ مشكلة تحديد المهاجرة إلى فلسطين ؛ فالجماعات الصهيونية إذا قد قضت كلها - أو بعضها - زمنا طويلا وهى تعد هذا البرنامح المنطوى على العنف والإجرام .

أما الميدان الثانى الذى يشتغل فيه الصهيونيون فهو الميدان الدولى ، وعلى الأخص فى بريطانيا وأمريكا ، ففى بريطانيا استطاع الصهيونيون منذ زمن طويل أن يكتسبوا عطف وتأييد جزء كبير من حزب العمال ، الذى يشتمل على عدد غير قليل من دعاة الاشتراكية من اليهود .

وقد أمكن لهؤلاء أن يزجوا فى برنامج المؤتمرات العمالية بانكلترة اقتراحات تؤيد الصهيونية من غير تحفظ ، وكثير منها ينم عن جهل عميق بشئون الشرق الأوسط عامة ، وشئون فلسطين بوجه خاص .

أما الميدان الثالث الذى يعمل فيه دعاة الصهيونية فهو بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية . وفى تلك الولايات ما يقرب من خمسة ملايين من اليهود . ليس فيهم واحد يريد أن يتخذ فلسطين وطنا بدلا من أمريكا ، ولكنهم مع ذلك لا يهدأون ولا يكفون عن إثارة المقترحات والطلبات فى الجهات الرسمية وغير الرسمية . ولم يتورع بعض البرلمانات والرؤساء من ترديد اقوال عن تحويل فلسطين إلى بلد يهودى أو دولة يهودية . كأنهم يتصرفون فى أرض لهم بها صلة أو لهم عليها سلطان .

وهنا من غير شك مجال لأن تقف الأمم العربية وقفة حزم وعزم ، فكل تصريح من رئيس حكومة هناك ، يجب أن يقابله تصريحات لرؤساء حكوماتنا ، وكل اقتراح يعرض على برلمان هناك يجب أن يرد عليه باقتراحات

وقرارات تتخذها برلماناتنا ، يجب أن يحس أولئك القوم أننا لا ننظر إلى مسألة فلسطين نظرة غير المكترث أو الذى لا يعنيه من الأمر شىء .

ولقد جدفى الميدان الفلسطينى حادث يجدر بالحكومات الاسلامية عامة والعربية وجه خاص أن توليه نصيبا من عنايتها . فلقد قرر حاكم فلسطين الجديد أن يكون مجلس بلديتها مؤلفا من أربعة من المسلمين وأربعة من اليهود واثنين من النصارى . وأن يتناوب الرئاسة أحد أبناء الطوائف الثلاث . إن هذا القرار مناقض كل المناقضة لروح صك الانتداب ، الذى ينص فى البند الثالث عشر على ما يلى : " ليس فى صك الانتداب هذا ما يصح تأويله بأنه يخول الدولة صاحبة الانتداب حق التدخل فى كيان أو إدارة الأماكن الاسلامية المقدسة ، فان سلامتها مضمونة دائما " .

فهل يجوز فى عقل عاقل أن من ضمان المحافظة على كيان الأماكن المقدسة أن يكون رئيس بلديتها من اليهود . وأن يكون المجلس المشرف عليها مكونا من أقلية إسلامية ؟ وإذا قيل إن المهاجرين إلى القدس قد كثروا حتى أصبح عدد اليهود قريبا من عدد المسلمين . فان هؤلاء يسكنون فى ضواح ، يمكن أن يكون لها مجلس محلى منفصل عن البلدية لإدارة الشئون اليهودية . أما تسليم زمام الأماكن الاسلامية المقدسة إلى شخص من اليهود فأمر عجيب لا يمكن أن نفسره إلا بأن حاكم فلسطين الجديد حديث عهد بها ، ولم يتم بعد دراسته صك الانتداب لفظا وروحا . والذي أخشاه أن يتهمه بعض المتشائمين بأنه فى قراره هذا قد خضع لأساليب العنف التى اتبعها الصهيونيون . ومع علمنا بأنه برىء من مثل هذه التهمة فان من الصعب علينا أن نجد تفسيرا مبنيا على العقل أو المنطق أو الحق لهذا الإجراء الشاذ الذى أقدمت عليه حكومة فلسطين ز

اشترك في نشرتنا البريدية