الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الثقافة"

مسألة وحلها

Share

لم يكد يتجه الإنسان بفكره نحو الطبيعة ، بتأمل فيها وبتدبر ، حتى استوقفت نظره ظاهرة عجيبة ، هى أن الأشياء التى يرى ، قلب حول ، لا يلبث الشىء أن يكون شيئا آخر ، فهذا الإنسان المختال قد ينقلب بعد حين ، يقصر أو يطول ، صخرة ملقاة فى عرض الطريق ؛ وهذه الصخرة الصامتة قد تنطلق يوما لسانا بتكلم ودما يجرى ؛ فكما يقول الأستاذ العقاد :

لا تغبطينا أيها الأحـ جار فاللقيا سريعة

فقد تشرفك الحيا ة ونحن أحجار وضيعة

فما فتئ الإنسان يعمل الفكر ويجهده ، فى رد هذه الظواهر المختلفات إلى عنصر واحد ، يتشكل فيها ويتلون أو طائفة من عناصر تجتمع تارة وتفترق طورا ، ولكن الأمر فى ذلك لم يدم طويلا ، حتى نهضت مدرسة فلسفية فى القرن الخامس قبل الميلاد ، تسخر من إنسان ينفق مجهوده فى حل مشكلة لا وجود لها ! إن الشىء لا يكون موجودا حق الوجود إلا إن كان دائما ، فأما أن يظهر آنا ، ويختفى آنا ، فما هو بشىء على الإطلاق ؛ فإن كانت الحواس تدلنا على أن فى الكون أشجارا وأطيارا وماء وسماء ، وتصر على أنها موجودات حقيقية ، فما ينبغى أن ننخدع لها ، لأن الظواهر العوابر تفقد صفة الدوام ، وهو خصيصة لازمة لكل شىء يدعى لنفسه صفة الوجود ؛ وإذا فالظواهر وهم وخداع ، ومن الغفلة أن تعمل الفكر فى تفسير معدوم ليس له وجود !

ومن بين أعلام هذه الدرسة الفلسفية " زينو " الذى نريد اليوم أن نعرض لمسألة ساقها ليؤيد وجهة نظره فى إنكار الأشياء المحسوسة . . يقول :

سأسلم معك - إن كنت معارضا لرأيى - بأن هذه الأشياء التى تراها وتلمسها موجودة حقا ، وسأنتقل من هذه المقدمة إلى نتائجها المنطقية ، فإن وجدناها متناقضة متهافتة ، وجب عليك أن تنكر معى صحة المقدمة ، وإلا كنت مكابرا يركب رأسه ويغمض عينيه عن حقيقة لا ترضيه .

أنت تزعم أنك ترى بعينيك أشياء تتحرك ، فهذه قطة تتابع فأرا ، وهذا هواء يصفر ، وذلك ماء يدوى ، ليكن لك ما زعمت ، ثم فكر معى فى المسألة الآتية :

اتفق أخيل - وهو بطل يونانى معروف بالفتوة وقوة الشباب - وسلحفاة أن يتسابقا ، ورأي أخيل أن من العدل أن يسمح للسلحقاة بعشرة أمتار تتقدمها عليه قبل البدء فى السباق ؛ وبدئ الشوط فكان أخيل يسير عشرة أمثال ما تسير السلحفاة . فلما قطع عشرة الأمتار التى كانت تقدمتها السلحفاة ، كانت هذه قطعت عشر ما قطع ، أى مترا واحدا ؛ فلما اجتاز أخيل هذا المتر الواحد ، كانت السلحفاة قد قطعت عشر متر ؛ فلما أجنار الرجل هذا العشر كانت السلحفاة قد قطعت جزءا من مائة جزء من المتر ، وهكذا إلى مالا نهاية له ؛ وإذا فلم يستطع أخيل على قوته وفتوته أن يلحق السلحفاة . . . هذا ما يقول الحساب العقلى ، وأما ما تقوله الحواس فهو أن الرجل سرعان ما يبلغ السلحفاة ويسبقها ؛ فأى جانبيك تصدق ؟ أتصدق العقل أم تصدق الحواس ؟ أما أنا فلست أتردد فى أن أنكر هذه الحواس إنكارا ، وأن أتشبث بحكم العقل وحده . فان كان العقل قد وصل إلى هذه النتيجة المضحكة فذلك لأن المقدمة باطلة ، فلا أخيل جرى ولا السلحفاة تحركت ، بل لا أخيل فى الوجود ولا سلحفاة ، وهما وهم من الحواس وتلفيق .

ومهما يكن من الأمر ، فلسنا نقصد بهذا المقال إلى فلسفة زينو هجوما أو دفاعا ، ولكنا بإزاء هذه المسألة وكيف نحلها . ولا تحسبنها هنة هينة ، فقد عاودها فحول

الفكر عصرا بعد عصر ، منذ زينو إلى عهد قريب جدا ، حتى كتب التوفيق فى حلها إلى " فيرستراس " أستاذ الرياضيات فى جامعة برلين فى أواخر القرن الماضى ؛ ثم إلى علمين أعلام الرياضة الحديثة هما " دركند " و "  كانتور " وذلك حين عالجوا فكرة اللامتناهى ليحددوا معناها ، فانتهوا إلى تعريف للامتناهى كان من شأنه أن يحل المسألة حلا مرضيا ، دون أن يقصدوا هم إلى حلها ؛ فيحسن قبل أن نتعرض المسألة التى نحن بصددها أن نشرح فكرة اللانهاية شرحا موجزا .

يكون العدد " نهائيا " لو كانت له حدود معلومة ، فالبرتقالة فيها عدد " نهائى " من البذور ، لأنك تستطيع أن تعدها ، وكومة القمح فيها عدد " نهائى " من الحبوب يمكن عدها كذلك . ولكن الخط المستقيم فيه عدد " لانهائى من النقط ، لأنك لا تستطيع أن تقف عند حد من التقسيم . . . كان الناس يعلمون ذلك منذ القدم ، ولكنهم كانوا يعلمون فوق ذلك أن كل جزء من العدد النهائى أصغر من العدد كله ، وأن كل جزء من العدد اللانهائى أصغر من العدد كله ، لا فرق فى ذلك بين المدرين .

بقى الأمر مفهوما على هذا النحو حتى جاء فى آخر القرن الماضي " دركند " و " كانتور " فألقيا على الموضوع شعاعا جديدا اتضح به واستضاء . فقد عرفا العدد اللانهائى بأنه " المجموعة من الحدود التى تحتوى على مجموعات أخرى فى كل منها حدود تساوى عدد حدودها " أو بعبارة أخرى واضحة : هو العدد الذى جزؤه يساوى كله . فإن أنقصت من مجموعة عددا من حدودها ، ثم ظلت على الرغم من هذا النقصان محتفظة بعددها الأصلى ، كانت هذه المجموعة لانهائية . فالخط المستقيم مثلا فيه عدد لامهائى من النقط ، فإذا محوت منه جزءا ، وجدت فى الباقى عددا لانهائيا من النقط كذلك ؛ وإذا فقد ظل على حاله من حيث عدد نقطه رغم حذفك جزءا منه .

مثال آخر يسوقه " رسل " فى هذا الصدد : الأعداد فيها ما هو زوجى وما هو فردى ، ومع ذلك فالأعداد الزوجية وحدها - وهى جزء فقط من الأعداد كلها - تساوى الزوجية والفردية معا ، وذلك لأن كل عدد له ضعف ، وذلك يتضح مما يلى :

١ ، ٢ ، ٣ ، ٤ ، ٥ . . .  إلى ما لا نهاية . ٢ ،٤ ، ٦ ، ٨، ١٠ . . .  إلى ما لا نهاية . ففى السطر الأول ، الأعداد كلها زوجيها وفرديها وفى السطر الثانى الأعداد الزوجية وحدها ! ومع ذلك ترى فى وضوح جلى أنك لن تعدم لكل عدد من السطر الأول عددا من السطر الثانى ؛ ومعنى ذلك أن الأعداد الزوجية وحدها تساوى الأعداد كلها ، أى أن الجزء هنا يساوى الكل .

فالفرق إذا بين العدد النهائى والعدد اللانهائى ، هو أن جزء الأول أصغر من كله ، وجزء الثانى يساوى كله ... هذا هو الضوء الجديد الذى ألفته رباضة العهد الحديث ، والذى سنستطيع بفضله أن نحل مسألة المسابقة بين أخيل والسلحفاة .

ولست أحب أن أترك هذا الموضع دون أن أسوق مثالا ظريفا بوضح أن الكل يساوى الجزء فى الأعداد اللانهائية : أراد رجل أن يؤرخ تاريخ حياته تفصيلا ، فاقتضاه تأريخ اليوم الأول من حياته سنة كاملة ، واقتضاه اليوم الثانى سنة ثانية ، فيئس قائلا : إننى لن أستطيع أن أتم هذا التاريخ ، حتى لو كنت من الخالدين الآبدين ، لا بل إننى كما عشت ، بعد البون ببنى وبين الغاية التى أريد ... هذا ما قاله الرجل لنفسه ، وما سيقره عليه معظم القراء ، وذلك لأنه وإياهم يعتقدون أن عدد الأيام أكثر من عدد السنين ، فلو خصص الرجل كل سنة لكل يوم ، ما فرغ من عمله . وهذا صحيح إن كان عدد أيامه وسنيه محدودا ، أما إن كانت خالدة لا نهائية - كما فرض - كان يأسه فى غير موضعه ، وكان الممكن أن يكتب التاريخ

المنشود ، فاليوم العاشر فى السنة العاشرة ، واليوم المئوى فى السنة المئوية ، واليوم الألفى فى السنة الألفية ، وهكذا إلى ما لا نهاية ؛ أى أن كل يوم سيجد له عاما لكتابة تاريخه ، عاجلا أو أجلا ، لأن عدد الأيام اللانهائى يساوى عدد السنين اللانهائى . وإن كره أكثر القراء ! !

نعود بعد هذا الشرح إلى مسألتنا . إننا لو ظننا مع زيتو أن الجزء أصغر من الكل حتى فى الأعداد اللانهائية ، لكان من المستحيل عقلا أن يلحق أخيل بالسلحفاة فى السباق ، لأن كل نقطة مكانية تدب فيها السلحفاة ، يقابلها نقطة مكانية يحل فيها أخيل ، فإن زعمنا مع ذلك أن أخيل سيلحق بالسلحفاة ، كان

معنى ذلك أن عدد النقط المكانية التى احتلها أخيل أكثر من تلك التى دبت فيها السلحفاة ، ومع ذلك تساوى العددان ؛ هذا مستحيل عند زينو وعند من يأخذ بوجهة نظره فى الأعداد اللانهائية ؛ أما إن اعترفنا بوجهة النظر الحديثة ، وهي أن العدد اللانهائى ، كله يساوى جزءه ، هان علينا الأمر : فأخيل سيجتاز عددا لانهائيا من المواضع ، وكذلك ستجتاز السلحفاة عددا لانهائيا منها ، فحين يلحق أخيل بمنافسته ، يكون قد اجتاز عددا من النقط ، هو بالنسبة إلى ما قطعته السلحفاة ، مثابة الكل من الجزء اللانهائيين ، وهما - كما قدمنا - متساويان . وفى هذا حل المسألة .

اشترك في نشرتنا البريدية