في العشرين من أغسطس لسنة ١٩٣٦ نشرت في " الأهرام " نقدا للجزء الثاني من مجلة مجمع فؤاد الأول للغة العربية . وفي هذا النقد تعقبت مقالا للأستاذ البحاثه أحمد العوامري بك ، وهو من اعضاء المجمع ؛ وعنوان المقال : " بحوث وتحقيقات لغوية " وغايته التنبيه على ألفاظ وتعبيرات فاشية شاذة عن المنقول والمتواتر، أو منزلة في غير منازلها . وبعد ان اكبرت هذا القصد أخذت على صاحب المقال أمورا ثلاثة : أولها تشبثه مما جاء في المعجمات المتداولة ، كأنما المعجمات تحصر اللغة . والأمر الثاني استعماله الإسهاب ، بحيث احتاج إلي خمس واربعين صفحة للتنبيه على تسع عشرة كلمة . وأما الأمر الثالث فتنبهه على ما نبه عليه غيره من قبل .
وهذا الجزء الرابع قد خرج ، وفيه يجري الأستاذ العوامري في " بحوثه وتحقيقاته " وقد عمل مقدمة لمقاله الجديد جعلها ، من وجه خفي ، كالرد على نقدي ، فقال ما معناه : حقا ان المعاجم لا تحصر كل مفردات اللغة وتراكيبها ، بل من المعجمات ما ضاع ، ففقدت اللغة بفقده ثروة كبيرة ، وزاد أنه مد بصره إلي ما وراءها من " آثار الثقات الآئمة وجهابذة اللغويين " وقال ايضا إنه يعمد إلي الإسهاب تيسيرا على المتعلمين لا العلماء . ثم قال إنه لايدعي انه انفرد بكل ما أورد ، ولكنه يدعي انه انفرد بطريقته في البحث .
وليأذن لي الاستاذ العوامري في ان اناقشه من
جديد ، وسأختصر القول اختصارا :
أما تنبيهه على ما نبه عليه من سبقه من اللغويين ، فلا يعود عليه بشيء أن يقول انه لا يدعي الانفراد بكل ما أورد . فإنما المحتذي في الباحث العلمية أن يذكر اللاحق عمل السابق ؛ وخير من هذا ألا يعود إليه ، إذ الفائدة قد تمت . وأما قول الأستاذ إنه انفرد بطريقته في البحث ، فيما يتعذر علي أن أسلم به ، ذلك أن اللغويين لهذا الزمان على منحي واحد ، إذا هم نهضوا يهذبون عبارات الكتاب ؟ من ذلك قولهم : هذه كلمة لم ترد ، أو لم تأت بمعنى كذا ، وهذا تعبير خارج على أصول اللغة ؟ ومستندهم في ذلك المعجمات ودوواوين اللغة ، ومأخذهم آراء الثقات من القدماء . هذا وإني رأيت الأستاذ يعود في مقاله الأخير إلي التنبيه على ما قد نبه عليه غيره ، من هذا تنبيهه على كلمة " تفاني " وفيمن سبقه إلي ذلك الصديق العراقي الأستاذ مصطفي جواد "مجلة " لغة العرب " ١٩٣٠ ، السنة ٨ ج ١٠ ص ٧٨٧ ( ؛ ومن هذا أيضا تنبيهه على ضاهي بمعني وازن وعارض وقابل ، وقد سبقه إلي ذلك أسعد داغر "* تذكرة الكاتب " مصر ١٩٢٣ ص ٧٨ ".
وأما قوله إنه يسهب إرادة التيسير على المتعلمين لا العلماء فلا أدري هل يقوي على قراءة مجلة المجمع سوي العلماء بل أصحاب الصبر منهم ؛ وإن كانت المجلة للمتعلمين فحسبهم أن يعلموا أن هذه الكلمة ليست في معجم كذا ولا كذا وان صوابها كذا ؛ وأما العلماء فيكفيهم الاشارة والتنوية ،
وعليهم المراجعة وهم بها فرحون
بقى الأمر الثالث وهو الأهم ، وعنده أتمهل : قد سلم الأستاذ بأن المعجمات لا تحصر اللغة ، وإذا هو يعتمد فى تخطئة الكتاب إلى أساس البلاغة والصحاح ولسان العرب والقاموس وشرحه والنهاية والمصباح وأقرب الموارد ، وقد رجع إلى تفسير البيضاوي فى موضع.
وهنا أعود فأقول إن العلماء السابقين أجمعوا على أن المعجمات ليست كل اللغة ( راجع " لغة العرب " السنة ٦ ج ١٠ ص ٧٨٣ وما يليها ( ؛ وهذا رأي المجمع نفسه ) راجع الجزء الأول من مجلته ص ١٧٨ وما يليها )، إذ يقول : " إن أمثلة المعجمات ليست حتما مقضيا على منع استعمال غيرها . . وقد اعترف بذلك السابقون واللاحقون من أئمة اللغة حتى أصحاب المعجمات أنفسهم ، ولذلك لا يتعرضون في معجماتهم للنص على الألفاظ القياسية اكتفاء بأقيسة النحو والصرف . هذا سبب ، وثمة غيره : منها أن المعجمات التي بين أيدينا معدودة ، فضلا عن أن الباحث يقنع بالاستناد إلي المتداول منها كالقاموس والأساس واللسان والتاج . ومنها أنه يتفق لك أن تصيب الكلمة أو التعبير في غير موادهما ، من ذلك إصابة " أستاذ جليل " لكلمة المنضدة في مادة في ج ج من الأساس ) راجع " الرسالة " ٣٢٨ ص ١٩٩١ ( . ومن ذلك أيضا إصابة العلامة الأب الكرملي تعبيرهم : " هذا كلام ساذج " في مادة غ س ل من الأساس ) لغة العرب " ج ١٠ السنة ٦ ص ٧٨٥ وما يليها ( . ومنها أن لأصحاب المعجمات أوهاما ، ألا تري كم كتاب تجسس مفردات القاموس " ؟ ومنها أن لغة العرب - وما أوسعها ! - إنما انتهي إلينا منها الأقل ( راجع " الصاحبي " لابن فارس مصر ١٩١٠ ص ٣٤ و " المزهر "
للسيوطي ، مصر ط صبيح ج ١ ص ٤٢ وما يليها ".
وأجل من ذلك شأنا أن أبين كيف نبه اللغويون المحدثون - وفيهم الأستاذ العوامري - على كلمات إنما هي صحيحة فصيحة ومعتمدي في ذلك ما سطره الكتاب الاثبات المقدمون : كان الإمام الشيخ إبراهيم اليازجي نبه في الضياء "السنة الأولى ص 324: وتبعه أسعد داغر في " تذكرة الكاتب " ص ١٠٣ ) ، على أن " نوه بالأمر وعنه " بمعنى ذكره تلويحا ، وأشار إليه من طرف خفي ، ليس من استعمال العرب ، وان المعنى : رفع ذكره وشهره كما في الاساس ففي رسالة " العشق والنساء للجاحظ * مجموعة رسائل " مصر ١٣٢٤ ص ١٦٢ : " وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة يريدون أن يظهروا المعني بأبين اللفظ اما تنويها وإما تفصيلا " أليست المقابلة بينة ههنا !
ونبه البازجي أيضا " الضياء " السنة ٧ ص ٣٨٧ ؛ وتبعه أسعد داغر في تذكرة الكاتب " ص ٣٣ على قولهم : استعرض الجيش إذا امره على نظرة ". والمستعمل في هذا - عنده - عرض الجيش ، لأن الاستعرض إنما هو بمعنى طلب العرض - فمن قول ابن الرومي في وحيد الفنية " ديوان " ط كامل كيلاني ، القاهرة ج ١ ص ١٠٠ :
ليت شعري - إذا أدام إليها
كرة ، الطرف مبدئ ومعيد
أهي شيء لا تسأم العين منه
أم لها كل ساعة تجديد
بل هي العيش لا يزال - متي است
رض - يملي غرائبا ويفيد
منظر ، مسمع ، معان من اله
و عناد لما يحب عنيد
ونبه أسعد داغر " تذكرة الكاتب " ص ٤٤ أن " أسف لذلك " خطأ ، وصوابه " أسف عليه ؟
في " كتاب التاج " المنسوب إلي الجاحظ مصر ١٩١٤ ص ٧٣ ( : " فأصف لذلك سابور " .
ونبه كثير على كلمة " طبيعي " فقالوا إن النسبة إلي الطبيعة : " طبعي قياسا - ففي " الخصائص " لابن جني مصر ١٩١٣ ص ٩٧ : " ومن الامر الطبيعي الذي لابد منه . " ؟ وفي " الإمتاع والمؤانسة " للتوحيدى " ط أحمد أمين وأحمد الزين ، مصر ١٩٣٩ ص ٢٠٦ ، ايضا ص ١٥٠،١١٥،١١٤،١٠٧ : " الكائن كثيرة : طبيعية ونفسية وعقلية وإلهية ، ثم في " المصباح المنير " (مادة ج ب ل) : " وشيء جبلي : منسوب إلي الجبلة ، كما يقال : طبيعي . ."
ونبه الأستاذ نجيب شاهين في " المقطم " على استعمالنا : " لعله ان " إذ رأي الوجه في إسقاط " أن " - ففي الشعر القديم " المفضليات " مصر ١٩٢٦ ص ٥ ) " فاقني لعلك أن تحظئ وتحتلي . . " )1 ( ، وفي " رسالة الجاحظ إلى الفتح بن خافان في مناقب الترك وعامة جند الخلافة " " مجموعة رسائل " ص ١٨ : " بل لعلنا أن لا تخبر عن وفي " كلية " بيروت ١٨٩٩ 119 : " لعله أن يتوف وفي " كتاب التاج " منسوب إلي الجاحظ ص ٧٥ : " لعله ان يمتد به النوم " ، " ولعله أن لا يبلغ ما يريد " .
ومن تنبيهات الأستاذ العوامري ان استعمالنا : أصارحك كذا أو بكذا " مع التعدية خطأ " مجلة المجمع " ج ١ ص ١٥٣ ( . وإنما الصواب عنده " صارح بما في نفسه " - ففي " خزانة الأدب " للبغدادي ) الشاهد ال ٩١ قصيدة منسوبة إلى أبي طالب جاء فيها : " وقد صارحونا بالعداوة والأذي "2
ومن تنبيهات الأستاذ العوامري في الجزء الرابع من " مجلة المجمع " ان استعمالنا " ضاهي " بمعنى " وازن وقابل وعارض " خطأ ، وإنما الصواب يكون " شاكل " و " شابه " - ففي " الصاحبي " لابن فارس ص ١٣ : " فإن قال قائل : فهل يوجد في سنن العرب ونظومها ما يجري هذا المجري ؟ قيل له : إن كلام الله جل ثناؤه اعلي وارفع من ان يضاهي او يقابل او يعارض افلا تري كيف ترادفت الكلمات الثلاث وتجاورت
ومن تنبيهات الأستاذ العوامري في هذا الجزء أيضا أن استعمالنا " ساهم " بمعنى " شارك " خطأ ؛ والصواب عنده قارع " و " أسهم " ففي - الإمتاع والمؤانسة ص ٤ : " وساهمتك في جميع ما وقرته في أذني من ألوان الشكوى بالجزع والترجع والاستفظاع والتوجع ، وفي " إحياء علوم الدين " للغزالي مصر ١٣٤٨ ص ٤١ : " وما نقل عنهم يعني علماء الدين من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء والضراء "
فمن كل ذلك يتبين أن اللغة تحصل مما سطره الأئمة والبلغاء ، وعلى هذا يجري الفرنجة اليوم . ولعل مطالعة المؤلفات الجليلة تردنا عما نزعم ؛ من ذلك أن الأستاذ العوامري نفسه راجع مذهبه في إسناد " تساءل " إلي المفرد ، فقد كان يري ذلك من الأوهام ، وإذا " تفسير " البيضاوي في " عم يتساءلون " يرجعه عن رأيه ( راجع " مجلة المجمع " ج ٤ ص ٢٢٠ ) .
تلك امثلة لا اذهب إلي ما يليها ، بل دعني انتقل إلي مطلب اخر ، مداره ان الاستاذ العوامري يتشبث بنصوص المعجمات ، حتى إنه ينقلب لغويا جد متشدد . الا تراه ينكر الألفاظ القياسية ، لأن المعجمات لم تثبتها ؟ من قبيل هذا إنكاره تعالم وهو ان يظهر من العلم ما ليس به. وأنت تقول " تجاهل كما تقول : تغافل وتعامي ، وغيرها
من المتواز كثير . فما يمنعك أن تقول " تعالم " إن صح انه غير مسموع ؟ وذلك جريا علي وضع من أوضاع المعاني المعروفة لوزن تفاعل ، كما نصت كتب اللغة مثلا : " المفصل " للزمخشري ، مصر ١٣٢٣ ص ٢٨٠ ).
وأما قول الأستاذ إن تعالم جاء في المعجمات على نحو هذا ؛ تعالم الناس الخير فهو " متعالم فلا ينهض نهضة الحجة ، لان " تعالم في هذا المثل وغيره إنما يكون من اثنين فصاعدا ، واما " تعالم " هنالك فمنذ إلي المفرد فما فوقه: تعالم التلميذ وتعالم التلاميذ وهذا فضلا عن أن المعنى متغاير في الوجهين.
ثم إني أحب أن أقول للأستاذ العوامري إن الجاحظ إمام المترسلين استعمل في " ذم اخلاق الكتاب " ثلاث رسائل - مصر ١٣٤٤ ص ٤٦) لفظة تحاذق " في قوله : " فان أحدهم يعني الكتاب ، بتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله . ولاخبر الاستاذ باني لم اصب " تحاذق " في القاموس ، ولا شرحه ، ولا في اللسان ، ولا في الصحاح ، ولا في أقرب الموارد ، وهي المعجمات التي رجع إليها لينقب عن تعالم فهل أقول إن الجاحظ أخطأ ؟ بل أقول إن الجاحظ بدا له ان يستعمل " تحاذق صوغا من عنده او نقلا عن غيره ، ليؤدي معي في صدره . وكان من الميسور له أن يستعمل "تحذق " أو " تحذلق واللفظان في المعجمات ؛ إلا انه جري علي مقاييس العرب في كلامها ، واستن بسننها في وضعها للغة ، فقال تحاذق كما قال غيره : تجاهل.
وليس لأحد أن ينكر ذلك ، فقد نصت العلماء " الخصائص لابن جني ص ٣٦٢ " على أن : " ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ، ألا تري أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول ، وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره ؟ " إلي آخر ما أورده ابن جني الحجة الثبت في ذلك الموضع من كتابه ، وهو لطيف
وفي " الخصائص " ايضا ص ٣٧٤ : " وذكر أبو بكر أن منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع الرجل اللفظة فيشك فيها ، فإذا رأي الاشتقاق قابلا لها أنس بها ، وزال استيحاشه منها ؛ فهل هذا إلا اعتماد في تثبيت اللغة على القياس ؟ " وأزيد : إذا لم يعارضه السماع معارضة كورود " استحوذ في القران، فالوجه ههنا ان تدع ما أنت عليه في القياس إلي ما عليه العرب في النطق
ألا في المرجو أن ينبه المنبهون على المحرف والمصحف ، واللفظ المختل القلق ، والتعبير الذي فيه اضطراب وركة . وأما الذي يلي ذلك مما يتصل بفن الاشتقاق والمجاز ، ويجري مجري التوليد اللطيف ، والتعريب المقبول ، فليفوضوا امره إلي النشئين المتصرفين في وجوه المعاني ، ومذاهب الآساليب ، البصراء بأسرار لغتهم ، وأوضاعها . . إننا نريد الهواء النشط واللغة تريده ؛ والمجمع إنما أنشئ ليغني لا ليفقر

