الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 30 الرجوع إلى "الثقافة"

مسالة العلائق، بين مصر وروسيا السوفيتيه، لمحرر " الثقافة " السياسي

Share

استقر رأي الحكومة المصرية - حسبما أذيع أخيرا - على ان تعترف مصر بحكومة اتحاد الجمهوريات الروسية السوفيتية ؛ وقد يقع هذا الاعتراف في القريب العاجل ، ثم تتلوه مفاوضات اخري بين مصر وروسيا لعقد اتفاق اقتصادي وتجاري بين البلدين ؛ وعقد هذا الاتفاق هو القصد الأول من استئناف مصر لعلائقها الدبلوماسية القديمة مع روسيا ؛ وكانت الحكومة المصرية قد فكرت

في هذا الأمر منذ اشهر ، وأعربت عن رغبتها في استئناف العلائق التجارية مع حكومة السوفييت ، وجرت بين سفير مصر في لندن ، وسفير السوفييت فيها ، مفاوضات في هذا الشأن ، ولكنها لم تنته إلي آية نتيجة ، لأن حكومة السوفييت رفضت ان تدخل مع مصر في أي اتفاق تجاري ، قبل ان تعترف مصر بها وتستأنف العلائق الدبلوماسية بين البلدين ؛ وكانت مصر من جانبها تميل

إلي التمسك بموقفها القديم من عدم الاعتراف بروسيا والاكتفاء بتنظيم العلائق التجارية معها ؛ ولكن تطور الحوادث الدولية علي النحو المعروف ، ووقوع المفاوضات بين بريطانيا العظمي وفرنسا وروسيا لعقد الميثاق الثلاثي ، وتوقع نجاح هذه المفاوضات ، كانت من العوامل التي عززت موقف الحكومة السوفيتية في اشتراط الإعتراف بها ، وحملت الحكومة المصرية على التفكير في بحث مطلبها على ضوء هذه الاعتبارات .

والحقيقة أن لمصر مصلحة جوهرية في الاتصال بروسيا السوفيتية وتنظيم العلائق الاقتصادية معها ، فقد كانت روسيا قبل الحرب من أهم عملاء مصر في استيراد القطن . وكان الميزان التجاري بين البلدين حتى سنة ١٩٣١ في مصلحة مصر ، حيث بلغت صادرات مصر إلي روسيا ما قيمته ١.٦٩٧.٠٠٠ جنيه ، وبلغت واردات روسيا إلي مصر ما قيمته ٧١٥.٠٠٠ جنيه ؛ وكانت مصر وما زالت تستورد من روسيا البترول والخشب ؛ ولكن روسيا انقطعت عن استيراد القطن المصري مذ وقع سوء التفاهم بينها وبين الحكومة المصرية في سنة ١٩٣٣ ، وقطعت العلائق التجارية التي استؤنفت بين البلدين منذ سنة ١٩٢٨ وأسفرت يومئذ عن نتائج طيبة لمصر ؛ ثم أخذت هذه النتائج تتضمن شيئا فشيئا ، حتى انتهت إلي ما يشبه العدم ، وأصبحت مصر في سنة ١٩٣٨ تستورد من روسيا ما قيمته نحو نصف مليون جنيه ، بينما بلغت صادرات مصر إلي روسيا نحو ثلاثة آلاف جنية فقط .

ولمسألة العلائق التجارية بين مصر وروسيا تاريخ يحسن إيراده ، وهو ان جميع العلائق السياسية والتجارية انقطعت من مصر وروسيا منذ الحرب الكبرى ؛ ثم قامت في روسيا حكومة الاتحاد السوفيتى ( الحكومة البلشفية ) منذ سنة ١٩١٧ ، واعترفت بها معظم الدول الأوربية بعد الحرب ، وفي مقدمتها الدول العظمي ؛ ولكن مصر ظلت

على موقفها من عدم الاعتراف بروسيا السوفيتية ، وقطع جميع العلائق معها حتي سنة ١٩٢٧ ، وذلك لتخوفها من أن يؤدي الاتصال بها إلي تسرب الدعوة الشيوعية إلي البلاد . وفي سنة ١٩٢٧ ، بذلت الحكومة السوفيتية بعض المساعي لاستئناف العلائق التجارية مع مصر ، واتصلت إدارة الوفد التجاري الروسي بلندن ( الإركوس ) يومئذ بوزير مصر المفوض في لندن ، وأبلغته رغبة روسيا في شراء مقادير كبيرة من القطن المصري من مصر مباشرة ، وشحنها من الإسكندرية علي سفن روسية إلي موانىء البحر الأسود، وشكت من أن روسيا تضطر إلي شراء ما تحتاجه من القطن المصري من الأسواق الانكليزية ، ثم تضطر بعد ذلك إلي شحنه على سفن أجنبية ، وتتكبد في هذا السبيل خسائر فادحة ؛ هذا في حين أن اتصالها بمصر مباشرة يشجعها على استيراد كميات كبيرة من القطن قد تبلغ في السنة ملايين الجنيهات . وأما عن تخوف مصر من تسرب الدعوة الشيوعية إليها ، فقد أبدي الوفد الروسي استعداد روسيا لتقديم كل ضمان في هذا الشأن ، ووضع الوكلاء الروس تحت رقابة الحكومة المصرية ، وإعطائها مطلق الحرية في اتخاذ كل الإجراءت التحفظية التي تري اتخاذها ؛ وارتفعت الأصوات يومئذ في البرلمان المصري بوجوب انتهاز هذه الفرصة ، وفتح سوق جديدة للقطن المصري تعاون على تصريف المحصول وتخفيف الأزمة ، خصوصا وقد كان لدي الحكومة الضربة مقادير عظيمة من القطن الذي اشترته لحسابها ، وشغلت فيه مبلغا عظيما من المال الاحتياطي ؛ وإزاء ذلك كله لم تر حكومتنا بأسا من إجابة الحكومة السوفيتية إلي رغبتها واستئناف العلائق التجارية معها .

وأسفرت هذه الخطوة في البداية عن نتائج حسنة جدا ، توضحها الارقام الآتية عن الميزان التجاري بين مصر وروسيا :

سنة ١٩٢٨ ١٩٢٩ ١٩٣٠ ١٩٣١

صادرات مصر إلي روسيا ٣.١٠٠.٠٠٠ ج ٣.٢١٥.٠٠٠ " ١.٧٠٤.٠٠٠ " ١.٦٩٧.٠٠٠ "

واردات روسيا إلي مصر ٩٥٢.٠٠٠ ج ٩٢٥.٠٠٠ " ٨٩٩.٠٠٠ " ٧١٥.٠٠٠ "

بيد أنه حدث بعد ذلك خلاف حول معاملة الوكلاء الروس والسفن الروسية في الإسكندرية ، أدى إلي انسحاب روسيا من السوق المصرية ، وترتب على ذلك ان انعدمت صادرات مصر إلى روسيا ، ولكن بقيت واردات روسيا إلي مصر ، تتراوح قيمتها منذ سنة ١٩٣٣ إلى سنة ١٩٣٨ بين ثلاثة ارباع مليون وبين نصف مليون جنيه ، وفي هذا غبن عظيم على مصر . ولما كانت مصر تستورد مقادير عظيمة من البترول والخشب من روسيا ، وليس في وسعها ان تستغني عن استيراد هاتين المادتين منها ، تفاديا لما يترتب على استئثار دولة أو دول أخري بتوريدهما من ضرر اقتصادي ، ولما كانت من جهة أخري في حاجة إلي أسواق جديدة لتصريف قطنها ، وروسيا ما زالت بالرغم مما تبذل من مجهود لزراعة القطن في تركستان ، في حاجة إلي القطن المصري فانه لا ريب أن استئناف العلائق التجارية بين البلدين مما يعود على مصر بأعظم الفوائد ؛ ومن ثم فقد رأت الحكومة المصرية أن تعود إلي معالجة هذه المسألة ، وأن تسعي إلي استئناف العلائق التجارية مع روسيا .

ولكن الحكومة السوفيتية تطلب أولا أن تعترف الحكومة المصرية بجمهورية اتحاد السوفييت الروسية ، قبل الدخول في اية مفاوضات اقتصادية ؛ ومن الواضح ان هذا المطلب تملية عوامل كثيرة في مقدمتها مسألة الكرامة والهيبة ، إذ يلوح لنا ان السياسة السوفيتية تتجه في الآونة الحاضرة إلي تعزيز هيبة روسيا السوفيتية بجميع الوسائل ؛ ولعلها تري ان استئناف العلائق التجارية مع

بلد لا يزال يصر على عدم الاعتراف بها ، مما لا يتفق مع هذه الهيبة.

وقد اعترفت الدول الأوربية كلها ، وفي مقدمها بريطانيا العظمي ، بحكومة روسيا السوفيتية منذ زمن طويل ؛ ولم يشذ عن هذا الاجماع سوى هولندا وسويسره وإمارة لوكسمبرج ، وذلك لإسباب خاصة بهذه الدول ؛ حتى المانيا وإيطاليا اللتان تجاهران بعدائهما للبلشفية ولروسيا ، تعترفان مع ذلك بحكومة السوفييت ، وليس في العالم كله اليوم دولة متمدنة لم تعترف بروسيا غير الدول المتقدم ذكرها.

ثم إن عقد معاهدة الصداقة والتحالف بين مصر وبريطانيا العظمي ، وتوثق صلات بريطانيا العظمي بروسيا وقيام المفاوضات بينهما لعقد الميثاق الثلاثي ، وتحالف بريطانيا العظمي مع تركيا التي ترتبط من جانبها بروسيا باوثق الروابط ، ومركز مصر في جبهة السلامة في شرقي البحر الأبيض المتوسط : كل ذلك يجعل افراد مصر بعدم الاعتراف بروسيا غير مفهوم ، ويملى بتعديل هذا الموقف ليكون أكثر اتفاقا مع الظروف والتطورات الدولية الأخيرة .

هذا ما نعتقد أنه يمثل وجهة النظر الروسية والبواعث التي املت علي روسيا موقفها في مطالبة مصر بالاعتراف بها قبل عقد الاتفاق التجاري المنشود بين البلدين .

وإذا صح أن الحكومة المصرية قد استقر رأيها علي الاعتراف بالحكومة السوفيتية ، وان مذكرة قد تقدمت بذلك فعلا إلي مجلس الوزراء ، فان هذا الاعتراف يجيء في الوقت المناسب ؛ ومن المحقق ان تنظيم العلائق التجارية بين مصر وروسيا قد اصبح ضرورة تملى بها مصالح مصر الاقتصادية ، ومن الفين لمصر أن يبقى الميزان التجاري بين البلدين على ما هو عليه ، وان تغلق سوق من الاسواق الأوربية الهامة في وجه القطن المصري لأسباب لم تعد ( البقية على الصفحة التالية )

تبررها الظروف . وإذا كانت هذه الأسباب تنحصر في خوف مصر من تسرب الدعوة الشيوعية إلى البلاد علي يد الوكلاء الروس ، فان هذا العذر يبدو اليوم مبالغا فيه ؛ وفي وسع مصر أن تتخذ من الضمانات والتحوطات ما يجب لدرء هذا الخطر الاجتماعي على نحو ما تفعل جميع الدول الاخري التي تشتد في مطاردة الدعوة الشيوعية ، مثل انكلترا وألمانيا وإيطاليا واليونان وتركيا ، وهي مع ذلك لا ترى بأسا من الاعتراف بروسيا والتعامل معها . على انه يلوح لنا أن قرار الحكومة المصرية في ذلك قد يتوقف على نتيجة المفاوضات القائمة الآن في موسكو

بين بريطانيا العظمي وفرنسا وروسيا لعقد الميثاق الثلاثي ؛ فإذا انتهت هذه المفاوضات بالنجاح المنشود ، فان ذلك يعتبر ظرفا ملائما لاقدام الحكومة المصرية على اتخاذ خطوتها ، أما إذا فشلت هذه المفاوضات ، وساءت بذلك العلائق بين انكلترا وروسيا ، فقد يغدو من غير المرغوب فيه ان تقدم مصر في مثل هذه الظروف على الاعتراف بحكومة السوفييت ، وبذلك يقضي مؤقتا على الامل في عقد الاتفاق التجاري المنشود بين مصر وروسيا . وسنري في القريب العاجل ماذا يسفر عنه الموقف من التطورات والنتائج . (***)

اشترك في نشرتنا البريدية