الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده شخصية غنية عن التعريف : أعماله مشهورة ، وآثاره مشهودة في مصر وفي العالم الإسلامي كله . وليس قصدنا هنا أن نتحدث عنه أو عن آرائه حديثاً علمياً مذهبياً وإنما نكتفي في هذه الفصول أن نورد طرفاً من النوادر المتصلة بسيرته ، والتي استقيناها إما من كلام الرجل نفسه ، أومما رواه الثقاة من معاصريه وتلاميذه ومريديه .
ولنعرض أولاً لما هو مشهور من علاقة الشيخ محمد عبده بالسيد جمال الدين الأفغاني فيلسوف الشرق في القرن التاسع عشر . قدم جمال الدين إلي مصر للمرة الأولي سنة ١٨٦٩ ، وكان الشيخ محمد عبده حينذاك طالباً يتلقي العلم في الأزهر ، فلما سمع بمقدم ذلك النابغة الكبير ذهب لزيارته في صحبة الشيخ " حسن الطويل " الذي كان أستاذاً للمنطق بالأزهر . وتحدث جمال الدين إلي زائريه أحاديث طنية في التصوف الإسلامي وفي تفسير القرآن ، فكانت شخصيته تخلب ألباب سامعيه .
ولما عاد الأفغاني من استنبول إلي القاهرة سنة ١٨٧١ ،
بادر محمد عبده إلي لقانه وتتلمذ له ، وأصبح يلازمه كظله . ولقد نشط الأفغاني لبث تعاليمه الحرة التي لم يكن للناس عهد بها ، وكان يقرأ لتلاميذه طائفة مختارة من الكتب العربية القديمة والكتب الأوربية المعربة في مختلف فروع الفلسفة والتصوف والسياسة والاجتماع ، فكان ذلك فتحاً جديداً في طرائق التعليم يخالف ما كان سائداً إلى ذلك الحين . ومن المحقق أن جمال الدين كان يفيض قوة ذاتية وسحراً فطريًا ، فاستطاع أن ينفخ من روحه في تلاميذه , كما قال جرحي زيدان " ففتحوا أعينهم وإذا هم في ظلمة ، وقد جاء النور فاقتبسوا منه ، فضلا عن العلم والفلسفة ، روحانية أرتهم حالهم كما هي ، إذ تمزقت عن عقولهم حجب الأوهام ، فنشطوا للعمل في الكتابة ؛ وأنشأوا الفصول الأدبية والحكمية والدينية " .
ولا نزاع في أن الشيخ محمد عبده كان أنبه تلاميذ السيد جمال الدين ، وكان أشدهم تأثراً بطريقته وأكثرهم اعترافاً بفضله وعبقريته - ولقد سجل الشاب الأزهري إعجابه وإجلاله لأستاذه في أكثر من موضع من كتاباته في ذلك العهد ؛ فمن ذلك ما قرؤه بقلمه في بداية " رسالة الواردات " . إذ يصف الأفغاني بصفتي "الحكيم الكامل الحق القائم " , وما نجده كذلك في نسخة نقلها بخطه من كتاب قديم حيث قال في خاتمتها : " وكان الفراغ من
قراءته وتقريره عند لسان الحني ، وقائد الخلق علي جناب الحق ، خلاصة من تجلي بالحكمة ، ومنقذ الضالين فى تيه الجهالة والغمة ، محيي الحق والدين ، أستاذنا السيد جمال الدين " .
على أن السيد الأفغاني قد أحل الشاب المصري من نفسه منزلة لاتسامى , ولا ريب أن ذلك الأستاذ قد توسم في تلميذه ما ينبيئ عن العظمة ويبشر بالنبوغ ، فقال فيه كلمته المشهورة يوم رحل عن مصر المرة الأخيرة ( سنة ١٨٧٩ ) : " لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده , وكفي به لمصر عالماً " .
ولقد روي المخزومي باشا . الذي عاشر الأفغاني ولازمه في استنبول - أن السيد جمال الدين كان شديد الإعجاب بشخصية محمد عبده , كثير الثناء على أخلاقه ، فكان كلما ذكره يقول : " الصديق " أو صديقى الشيخ " والظاهر أن ذلك أثار بعض الغيرة في قلب " السيد عبد الله نديم " وكان ممن يرتادون مجلس جمال الدين ، فقال له ذات يوم ؛ " يا سيد ما غفلت مرة عن إضافة لفظة " الصديق " إلي الشيخ ، كأنه لم يكن لك بين الناس صديق غيره ، إذ نراك تنعت من سواه " بصاحبنا " أو " فلان من معارفنا" ؛ فتبسم عند ذلك جمال الدين وقال : " وأنت يا عبد الله صديقى ، ولكن الفرق بينك وبين الشيخ أنه كان صديقي علي الضراء وأنت صديقي علي السراء" : فسكت عبد الله نديم .
ونعود الآن إلي الحديث عن محمد عبده الشاب ، وهو مجاور في الأزهر ، فنقول : إن الشيوخ حينئذ قد أوغرت صدورهم عليه لاتصاله بالسيد جمال الدين الأفغاني ، ولميله إلي دراسة الفلسفة والعلوم العقلية ، ولنزوعه في آرائه إلى الإصلاح والتجديد . وذاع أمر محمد عبده بين أقرانه من الطلاب والمجاورين ، فالتفوا حوله ، وأعجبوا به ، وطلبوا إليه ، لما أنسوا فيه من دقة الفهم وحسن البيان ، أن يقرأ لهم ما كانوا يتلقونه في الأزهر . وزاد هو عليه دروساً في الفلسفة وعلم الكلام . وكان طبيعياً أن يحسده القاصرون
المتخلفون ؛ فوشوا به إلي " الشيخ محمد عليش " وكان زعيم المحافظين المتحرجين في الدين - ونقلوا إليه أن " محمد عبده " يعمل علي إحياء مذهب المعتزلة ( والمعتزلة مشهورون بأنهم " أحرار الفكر " في الإسلام . فكبر ذلك على " الشيخ عليش" فاستدعي الشاب الأزهري ودار بينهما الحوار الآتي :
الشيخ عليش : بلغنى أنك تقرأ " شرح العقائد النسفية " درساً
محمد عبده : نعم . الشيخ عليش : " وبلغني أنك رجحت مذهب المعتزلة
على مذهب الأشعرية " . محمد عبده : إذا كنت تحررت من تقليد الأشعرية ، فلماذا أرضي لنفسي تقليد المعتزلة ؟ إنني آخذ بالدليل ، ولا أقلد أحداً .
الشيخ عليش : " أخبرني الثقة بذلك " . محمد عبده : " أين الثقة الذي يشهد بذلك ؟ فليأت ليميز أمامنا بين المذهبين ، وليخبرنا أيهما رجحت " . الشيخ عليش : " أومثلك يفهم شرح العقائد ؟ " . محمد عبده : الكتاب حاضر وأنا حاضر . فسلني إن شئت " .
هذه المراجعة من طالب شاب لشيخ مهيب تنطوي يقيناً على قدر كبير من الجرأة بالقياس إلي ما كان الحال عليه في ذلك العهد ، فكان طبيعياً أن يغضب " الشيخ عليش" , ولعله هم بضرب المجاور محمد عبده ، ولعله أراد أن يمنعه من إلقاء دروسه . وسواء أصحت هذه الفروض والروايات ، أم لم تصح ، فقد كان لتلك الحادثة دوي في الأزهر , ولقد ذكر السيد رشيد رضا أن الشيخ محمد عبده لم ينقطع عن قراءة ؛ ولكنه كان يضع بجانبه عصا ويقول :
" إذا جاء الشيخ ( عليش ) بعكازه , فله هذه العصا "
( للحديث بقية )

