الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 255الرجوع إلى "الثقافة"

مستطرفات ونوادر، من حياة الأستاذ الإمام محمد عبده

Share
[ فراسة محمد عبده - قاضى العدالة لا قاضى القانون - اعدل العمامة ! - نزاهة الأستاذ الإمام ] .

بعد أن عاد محمد عبده من المنفى إلى وطنه عين سنة ١٨٨٨ قاضيا فى المحاكم الأهلية الابتدائية : فى بنها ثم فى الزفارين ثم فى القاهرة . وبعد عامين عين مستشارا فى محكمة الاستئناف .

اشتغل الشيخ بالقضاء أعواما ، فكان فيه ممتازا ، كما كان شأنه فى كل ما تولاه من عمل ، واستعان بذكائه الفطرى وعلمه الفقهى وباللغة الفرنساوية التى تعلمها ، على فهم أصول القوانين التى جرى العمل بها فى المحا كم الأهلية المصرية .

ولقد كان بارعا فى تحقيق القضايا واكتشاف الحق فيها ، وكان له فى ذلك حدوس صائبة وفراسة صادقة أدهشت القضاة والمتقاضين على السواء . ولقد قال الأستاذ الإمام بنفسه فى ذلك : (( إننى كثيرا ما أنظر فى قضية فأستخرج من التحقيق الطويل وجوها كثيرة للحكم بالإدانة مثلا ؛ حتى إذا ما تمت المحاكمة وأردت النطق بالحكم تقوض كل ذلك البناء الذى كنت بنيته فى ذهنى من وجوه ترجيح الإدانة ، وظهر لى بغتة أن المتهم برئ حتما فأحكم بالبراءة )) . واشتهر محمد عبده بصدق الإلهام فى أحكامه ، وكثرت حوادثه فيه حتى إن ناظر الحقانية لما سمع ببعضها قال : (( اتقوا فراسة المؤمن )) .

ذلك أن الشيخ محمد عبده كان (( قاضى العدل والإنصاف لا قاضى القانون والرسوم )) ، كما قال صديقه حسن باشا عاصم يوم تأبينه . فلم يكن يتمسك بالشكليات أو يتقيد بحرفية النصوص ، بل كان يتحرى دائما إظهار الحق وإصابة العدل ، مقتنعا أن القانون إنما وضع لأجل

العدل لا العدل لأجل القانون .

وقد اشتهرت عن الأستاذ الإمام فى جلسات القضاء عادة أو (( لازمة )) لم يكن يشعر هو بها ، ولكن سرعان ما عرفها المحامون والمتقاضون : كان يميل عمامته على جبهته إذا ثبتت عنده إدانة المتهم وأراد الحكم عليه بالعقاب . وكان يميلها إلى الوراء قليلا إذا كان حكمه بالبراءة ؛ واتفق أنه عاد إلى كرسى القضاء يوما بعد المداولة ، ولما جلس أمال عمامته على جبهته ، عنذاك فرع المتهم الذى أدرك أن الشيخ سينطق بالحكم عليه لا محالة وصاح به : (( فى عرضك اعدل العمة يامولانا الشيخ حتى أقول لك الصريح ! )) . فضحك الحاضرون . ويقال إن استغاثة الرجل أفادته فى تلك القضية . واشتهرت هذه الحكاية فى مصر كلها وقتئذ .

وكان محمد عبده يتوخى فى أحكامه تربية الجمهور وإيقاظ ضميره ، كما كان شديد العناية بالتوفيق بين الخصوم ، وإصلاح ذات البين بين العائلات . ومما قاله بهذا الصدد لقاض من تلاميذه : (( أنصحك أن تكون للناس مرشدا أكثر من أن تكون قاضيا . وإذا استطعت أن تحسم النزاع بين الناس بصلح فلا تعدل عنه إلى الحكم ؛ فإن الأحكام سلاح يقطع العلاقات بين الأسر ، والصلح دواء تلتم به النفوس وتداوى به الجراح )) .

يروى أن الأستاذ الإمام حدث تلاميذه مرة فى درس من دروس التفسير عن بعض وقائعه مع الناس ، فذكر أنه ركب القطار ذات ليلة كعادته فى عودته إلى منزله بعين شمس ، فما استقر به مجلسه من القطار حتى وجد شيخا معمما ذا لحية واقفا أمامه . فسأله عما يطلب ، فأجاب الشيخ : (( أنا يا سيدى من طلاب الأزهر جئتك متوسلا إليك أن تعيننى على أمرى . )) قال المفتى : (( إن كان فى الأزهر يد قد امتدت إليك بظلم فاعلم أننى أول من يعينك

برفع الظلم عنك ))

الشيخ : (( أنا يا سيدى من المتقدمين إلى الامتحان بالأزهر فأرجوك أن تساعدنى عليه ، وأنا رجل فقير أستحق العطف والإحسان )) .

المفتى : (( لو كنت طالب إحسان لما منعتك شيئا مما أستطيع . ولكن يظهر أنك تريد منى أمرا آخر خطيرا لا قدرة لى عليه . ولو استطعت ما تركت أحدا يمكنك منه . إنك تريد أن أعينك على الامتحان ! وبعبارة أخرى إن لك قضية وتريدنى على أكون شاهد زور فيها ! ومتى كانت شهادة الزور حسنة من الحسنات ؟ إن مثلك فى الأزهر مئات بتقدمون للامتحان ؛ فإن منحتك الشهادة من دونهم فأين العدل ؟ ! وإن منحتكم جميعا فأين الامتحان ؟ )) .

وما وصل الأستاذ الإمام من حديثه إلى هذا الحد حتى كان القطار قد وصل إلى المحطة ، فنزل . وما مشى إلا خطوات حتي أحس بالشيخ الأزهرى ماشيا وراءه ، فالتفت إليه وقال له : (( أظنك فهمت كلامى كله . فلا تتعب نفسك ولا تضع وقتك )) . فما كان من الشيخ إلا أن اقترب من المفتى وقال له : (( يا سيدى إن معى هدية أريد أن أقدمها إليك . فهل تتفضل بقبولها ؟ )) .

ففهم المفتى غرض الطالب ، وأراد أن يعبث به فقال : (( كم تريد أن تعطينى ؟ )) .

قال الأزهرى : (( ثلاثين جنيها ))

قال المفتى : (( ذلك قليل ))

قال الأزهرى : (( سأعطيك ثلاثين غيرها من صاحب لى يريد منك ما أريده . ورجاؤنا إليك يا مولاى ألا تقسو علينا ، فنحن قوم فقراء وأنت من القوم المحسنين )) .

عند ذلك غضب الأستاذ الإمام غضبته المعروفة ، ونظر إلى الأزهرى شذرا ، وقال له : (( ياشيخ ! إننى إن احتملت منك كل شئ فلا أستطيع أن أحتمل من

طالب من طلبة الشريعة الإسلامية أن يسمى الرشوة وفساد الذمة عطفا وإحسانا ! )) . ثم حمل عليه بعصاه ، وضربه ضربة لم يلو بعدها على شىء .

ولقد ذكر السيد مصطفى المنفلوطى على أن الأستاذ الإمام علق على تلك الواقعة فقال : (( لقد خضت غمرات هذه الحياة ، وما بلغت العشرين . وها أنا قد نيفت اليوم على الخمسين ، ولا أعلم أنى طمعت فى يوم من أيام حياتى فى شئ مما زواه الله عنى ؛ كما لا أعلم أنى نظرت إلى زخرف هذه الحياة نظر المتشهى المتمسى الذى يشتد فى إثرها عدوا ويقتل نفسه وراءها صبرا . ولقد مرت بى فى كثير من أيامى الماضية ساعات كان لى فيها من الدالة على أصحاب هذه البلاد وذوى الجاه والسلطان فيها ما يملأ بيتى فضة وذهبا . ولا أكتكم أنى كنت أعالج من مجاهدة هذه الشهوات ومدافعتها ما يجب أن يعالجه كل من نشأ منشئى بين قوم شرهين طامعين . وكنت أحسب أن قد انتشر لى بين الناس من الذكر بالعفة والشرف وإباء النفس ما يثلج به صدرى وتطمئن إليه نفسى . فلما رأيت من حال هذا الرجل ما رأيت ، (( علمت أنه لا يزال يوجد فى الناس من يظن بى ظن السوء ، ويتوهم أنى من سفلة الناس وجهلائهم الذين لا يطلبون الوظائف إلا ليرتشوا ، ولا يرتشون إلا ليظلموا )) .

والواقع أنه كان للشيخ محمد عبده أعداء يكرهونه . فكانوا يطعنون فى أخلاقه ويرمونه بما هو منه برئ ؛ وكان له حساد يكيدون له ويحسدونه على ما بلغ من عز وجاه . ولقد روى البعض أن الأستاذ الإمام حين كان مستشارا مع سعد زغلول وقاسم أمين ، كان بعض الحاسدين الأفاكين يرمون الثلاثة بالرشوة . وجلس الأستاذ الإمام ذات ليلة فى فناء منزله فتحدث مع شاعر النيل حافظ بك إبراهيم عن هذا الأمر ، فقال الإمام : (( والله  يا حافظ لو كنت أقبل الرشوة لسال هذا الفناء ذهبا )) . ولقد صدق

الشيخ محمد عبده ؛ فالمعروف أنه لم يخلف شيئا لأهله مع ما كان له من مرتب كبير فى الأوقاف . وصدق أستاذنا مصطفى عبد الرازق باشا إذ قال : (( لو شاء الشيخ محمد عبده لكان ذا غنى ، ولترك لأرملته المحترمة المريضة ثروة تكفل لها من بعده رفه الشيخوخة ، وتصونها من ذلة العسر .  ولكن الأستاذ الإمام كان أكبر نفسا وأشد احتقارا للدنيا من أن يبذل جهده فى جمع المال . فعاش عظيما فقيرا ومات فقيرا عظيما )) .

اشترك في نشرتنا البريدية