الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 249الرجوع إلى "الثقافة"

مستطرفات ونوادر، من حياة الأستاذ الامام محمد عبده

Share

2) امتحان العالميه- محمد عبده وإسحاق تيلر - محمد عبده يتعلم اللغة الفرنسية ( .

لم يكن الأزهريون ، قبل سبعين سنة ، يعرفون نظام الشهادات الدراسية والدرجات العلمية التي تمنحها المعاهد والجامعات ، ولم يكونوا يعرفون إلا " الإجازات " التقليدية التي كان العلماء والأساتذة يمنحوها تلاميذهم في مادة معينة حفظوها ، أو في كتاب معين قراؤه فأصبحوا قادرين على تدريسه لغيرهم

وفي سنة ١٨٧٢ م حين كان " الشيخ محمد العباسي المهدى " شيخا للأزهر ، صدر أول قانون لتنظيم الإمتحانات الأزهرية : فأصبحت شهادة " العالمية " رسمية تصدر بوثيقة من الخديو ، بعد اداء الامتحان في علوم الأصول والفقه والتوحيد والحديث والتفسير والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق . ونظمت طريقة الحصول على العالمية ، وجعلت على ثلاث مراتب أو درجات : أولى وثانية وثالثة

أتم محمد عبده دراسة تلك المواد الأزهرية ، وأراد الحصول علي شهادة " العالمية " فعرض نفسه على لجنة الامتحان في ١٣ جمادي سنة ١٢٩٤ ه ) ١٨٧٧ م ( . ومحمد عبده نفسه يروى لنا انه لقي في ذلك الامتحان كثيرا من العنت ، وابتلي فيه " اشد الابتلاء " . كيف لا وهو شاب معروف بميوله العصرية ، وأكثر الشيوخ متحاملون عليه : يحسدونه على نبوغه ، ويخوضون في دينه كما يخوضون في دين أستاذه الأفغاني . ولقد تبينا في حادثة اصطدام محمد  عبده مع الشيخ عليش ، بادرة من بوادر تلك العداوة العنيفة التي ستظل مستحكمة بين انصار القديم

وانصار الجديد .

ها هم الشيوخ قد أقبلوا في تؤدة ووقار ، ليعقدوا لجنة الامتحان . ويا لسخرية الأقدار ! ها هو " الشيخ عليش " نفسه قد أقبل بعكازه ، وأخذ مجلسه بين الأعضاء . لقد حانت الساعة المرتقبة للكيد والانتقام من تلميذ جمال الدين ، ذلك المجاور المتفرج الذي يجسر على الاشتغال بالفلسفة وعلم الكلام

ويظهر أن الشيخ عليش كان قد أقسم ، قبل الامتحان ، يمينا مغلظة ألا يفلت الشاب الخاسر من يده ، وألا يظفر بدرجة ما . وتعصب اكثر الأعضاء مع الشيخ عليش وأجمعوا أمرهم على حرمان محمد عبده من " العالمية " والحيلولة بينه وبين التعليم في الأزهر .

وبدأ الامتحان ، فظهر أن المقصود منه إنما هو " التعجيز " لا الاختبار : إذ وجهت صنوف الاسئلة النادرة الصعبة ، وأثيرت المشكلات اللغوية الشائكة ولكن سرعان ما تخيب ظنون وتذهب اوهام ! فمحمد عبده أثبت ما يكون جنانا ، وأرفع من ممتحنيه بيانا ، وكان التحدي لا يزيده إلا براعة وافتنانا ، وها هي الحيرة ترتسم على وجوه الشيوخ : لقد اسقط في ايديهم ، ولم يعد لهم من حول ولا طول مع " عفريت " كهذا ، شديد العارضة ، سريع التخلص ، حاضر البديهة . ولكن أني لهم ان يرجعوا إلي الحق ، فيعترفوا للطالب بالكفاية ويمنحوه العالمية من المرتبة الأولى ؟ إنهم إن فعلوا ذلك كانوا من الضعفاء المتخاذلين . وإذن فليناقشوا وليراجعوا وليستطردوا ، عليهم يجدون ثغرة ينحدرون منها إلى شفاء ما بالنفوس من غل دفين . وهكذا كان ، حتى انقلب الامتحان لجاجا ومناظرة ، وسادت الأقوال روح المماحكة والمهاترة .

ولم يجد محمد عبده من بين أعضاء اللجنة نصيرا في " الشيخ محمد العباسي المهدي " . وكان ذلك الشيخ في طليعة علماء العصر ذكاء وفهما ورغبة في الإصلاح . وبلغ

من إعجاب الشيخ العباسي بإجابات محمد عبده ، ان صرح لأعضاء اللجنة أثناء الدولة أنه لم ير في حياته أحدا في ذكائه وتثبته من علمه ، وانه يستحق الدرجة الأولى ، بل ولو كان فوقها درجة أعلى لاستحقها . وطالت المداولة ولم ينته الأعضاء إلى رأي حاسم . إلي ان تقدم احدهم بحل وسط : فأخذ ورقة وكتب لمحمد عبده بنيل شهادة العالمية من الدرجة " الثانية " وعرضها على الأعضاء فوقعوها على مضض ، كما وقعها الشيخ العباسي حسما للخلاف . وصدر بهذه الشهادة مرسوم باسم الخديو إسماعيل ، وتاريخة غرة رجب سنة ١٢٩٤ هجرية ) ١٨٧٧ م ( .

ومما يجدر بالذكر أنه بعد ٢٦ سنة من حصول الشيخ محمد عبده على العالمية ، عادت مشيخة الأزهر ، وكانها شعرت بما لحق الأستاذ الإمام في شبابه من عين ، فردت إليه حقه المسلوب ، ونقلته إلي الدرجه " الأولى " . وأرسلت إليه قرار مجلس إدارة الأزهر بهذا النقل ، ومعه خطاب ، بتاريخ ١٥ مايو سنة ١٩٠٤ ، من " الشيخ علي البيلاوي " شيخ الأزهر حينئذ يبلغه ذلك القرار .

ومن طريف ما يروي عن الأستاذ الإمام أثناء نفيه في سوريا سنة ١٨٨٣ ، أنه اتصل برجل فارسي اسمه " مريزا يافر " وتعرف بواسطة هذا الفارسي إلي قس انجليزى اسمه " إسحاق تيلر " وكان قد عرض لهذا القس شبهات عن حقيقة الإسلام : رأي خاصة المسلمين متمسكين بالبدع والمحدثات ، وكانها عندهم من اصول الدين ورأي عامتهم حريصين على الخزعبلات والخرافات التي تقفر منها الطباع السليمة . ودارت عن هذه الشبهات ، بين الشيخ المصري والقس الإنجليزي ، مراسلات ومساجلات دافع فيها محمد عبده عن مقاصد الشريعة ، كاشفا القناع عن محاسنها العديدة . واعجب القس البروتستالتي بما وجد عند الشيخ المسلم من عقل راجح وحكم سديد وانتهت هذه المساجلات بزوال كل شبهة

عن مقاصد الدين الإسلامي ، واقتنع " إسحاق تيلر " بوجهة نظر محمد عبده ، وكتب في ذلك مقالات نشرها في بعض المجلات الإنجليزية ؛ وترجمتها جريدة " ثمرات الفنون " البيروتية .

ويروي لنا المرحوم الشيخ " عبد الوهاب النجار أن " إسحاق تيلر " عمد بعد هذا إلى إعلان اقتناعه بطريقة أخري : فجمع القساوسة في لندن ، وقام فيهم خطيبا ، وبين لهم الشبه التي أوردها على الإسلام ، وذكر لهم ردود الشيخ المصري عليها . وسألهم إن كان لهم اعتراض أم يسلمون معه كما سلم هو للشيخ . - ويظهر إن القساوسة خشوا إن يوقع اتفاق الرجلين فتنة في العالم المسيحي ، وخصوصا لما لإسحاق تيلر من علو المنزلة والقدرة علي التأثير . فخرجوا من توهم وقابلوا " الملكة فكتوريا " على غير موعد سابق ، وعرضوا عليها خطر المسألة ، فطمأنتهم ووعدتهم أن تعنى بالأمر . وبادرت الملكة بالاتصال بالسلطان عبد الحميد ، وأخبرته أن في بيروت مصريا خطرا اسمه محمد عبده ، يوشك أن يفسد ما بين المسلمين والمسبحين . فأما السلطان عبد الحميد " فيظهر أنه تأول تلك المسألة تأويلا آخر : خشي أنه إذا اعتنقت انجلترا الإسلام ، فسيصبح الحاكم الإنجليزى أقوى شخصية في المسلمين ، وتؤول الخلافة بالطبع إلي الملكة فكتوريا ، وتخرج من آل عثمان . من أجل هذا أسرع السلطان بمخاطبة والى بيروت ، وخاطب أيضا الغازي " مختار باشا " في مصر . وزار الغازى لهذا الغرض الخديو توفيقا ، ولم يخرج من حضرته حتى صدر أمره بالسماح للشيخ محمد عبده بالعودة إلي مصر . وأرسل السلطان إلي بيروت لتسهيل ترحيل الشيخ المصري ، فلما تم ذلك بعث إلي الملكة يخبرها أنه سأل عن الرجل الذي خاطبته بشأنه ، فعلم أنه غير موجود في بيروت ، إنما هو الآن في عرض البحر .

وهكذا ، في رواية الشيخ النجار ، صدر العفو عن

أحد قادة الثورة العرابية ، فعاد  من منفاه في ظروف طريفة ، تصلح أن تكون " فلما " من أفلام السينما .

يحدثنا الأستاذ الإمام في أخريات حياته انه بدأ يتعلم اللغة الفرنساوية وهو قاض في المحاكم الأهلية ، وكانت سنه أربعا وأربعين سنة . ولكن ميله إلي تعلم تلك اللغة ابتدأ في أثناء الحوادث العرابية : فتعلم الهجاء ثم تركه ونسنيه تقريبا ، وفي ستة ١٨٨٤ ، عندما سافر إلي فرنسا أول مرة ، اقام هناك عشرة اشهر دون ان يتعلم شيئا من الفرنساوية : لأن اجتماعه بالسيد جمال الدين الأفغاني وبكثير من العرب والشرقيين ، واشتغاله بتحرير جريدة " العروة الوثقى " ، ما كان يسمح له بوقت كاف للتعلم بدراسة منتظمة . لكنه بعد عودته من النفي إلي مصر اشتغل بالقضاء في المحاكم الأهلية ، ووجد الحكم بها ، خصوصا في الجنايات ، على أصول القوانين الفرنساوية وكان جلوسه بين قضاة يغلب عليهم العلم بتلك القوانين في لغتها ؛ فكان ذلك كلة مما قوي عنده الميل إلي تعلم اللغة الفرنساوية ، حتى لا يكون في معرفة القوانين اضعف ممن يجلس معهم مجلس القضاء

وحانت الفرصة الملائمة للإقبال على تعلم الفرنساوية بجد ومثابرة ، حين جاء الشيخ إلي القاهرة ، مشتغلا بالقضاء في إحدي محاكمها . ووجد الشيخ القاضي معلما ، فدعاه ، فجاءه حاملا في يده كتاب نحو ) جرامير ( فسأله " ما هذا ؟ " فقال المعلم : " كتاب نحو " . فقال الشيخ : " لا وقت عندي لأن أبتدىء ، وإنما عندي زمن لأن انتهى " . ثم يحدثنا الشيخ محمد عبده انه ناول المعلم قصة من تأليف " الكسندر دوما " وقال له : " أنا اقرا وانت تصلح في النطق ، وتفسر لي الكلم وما عدا ذلك فهو على . والنحو يأتي في اثناء العمل " ويقول بعد ذلك وهكذا اتممت الكتاب ، وكتابا بعده وثالثا عقبه وكنت أطالع وحدي بصوت مرتفع ، كلما وجدت نفسي في بيتي

خاليا . فتعلمت مبادئ اللغة الفرنساوية ، وحصلت منها ما كان يمكنني من القراءة والفهم ، ولكن ما كنت استطيع الكلام " .

وسافر الأستاذ الإمام بعد ذلك إلي فرنسا وسويسرا عدة مرات في شهور الصيف . وكان يحضر في " جامعة جنيف دروس العطلة في الآداب وتاريخ الحضارة . وبهذه الطريقة تعلم اللغة الفرنساوية في اوقات الفراغ ، مع اشتغاله بالقصاء في المحاكم الابتدائية ، ومحاكم الاستئناف .

ونضيف إلي ما ذكرنا أن أصحاب الأستاذ الإمام وخاصته قد أجمعوا على أنه أتقن اللغة الفرنساوية تحدثا وقراءة وفهما ، على الرغم من حداثة عهده بتعلمها . وهذا ما شهد به أخيرا الأستاذ لطفي السيد باشا حين ذكر أن الشيخ محمد عبده هو الذي كان يجلو لإخوانه المصريين ما غمض من عبارات الفيلسوف الفرنساوي " تين " في كتابه " الذكاء " . ونحن نعلم من جهة اخري ان الأستاذ الإمام قد أملي في مرض مونه فصلا بالفرنساوية نشره المسيو " دى جرفيل "فى كتابة  مصر الحديثة " بعنوان : " وصية سياسية للمرحوم المفتي الشيخ محمد عبده " كما نعلم أنه ترجم عن الفرنساوية كتاب " التربية " للفيلسوف الإنجليزي " هربرت سينسر " ترجمة تدل على تمكنه من تلك اللغة .

ونحب أن نختم هذا الحديث بما قاله الأستاذ الإمام نفسه مستخلصا العبرة من تعلم اللغات الأجنبية : " ثم إن الذي زادني تعلقا بتعلم لغة أوروبية هو أني وجدت أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه على شيء من العلم يتمكن به من خدمة امنه ، وبقتدر به " على الدفاع عن مصالحها كما ينبغي ، إلا إذا كان يعرف لغة اوروبية . كيف لا وقد أصبحت مصالح المسلمين مشتبكة مع مصالح الأوربيين في جميع أقطار الأرض . وهل يمكن مع ذلك لمن لا يعرف لغتهم أن يشتغل للاستفادة من خيرهم أو للخلاص من شر الشرار منهم ؟ "

اشترك في نشرتنا البريدية