الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 115الرجوع إلى "الرسالة"

مستعرب عظيم

Share

يلومني بعضهم لتنويهي في كل مناسبة بفضل علماء المشرقيات  في الغرب على حضارتنا وآدابنا، ولقولي إننا كنا نجهل كثيراً  من علم أمتنا ومدنيتها لو لم يقم الغربيون يحيون كتب العرب  منذ القرن السادس عشر من الميلاد؛ حتى طبعوا منها خزانة  عظيمة بإتقان وضبط، مل برحت الدارسين والباحثين،  وإذا أشرت إلى علماء أمتي بالجري في طريقة أولئك العاملين،  فهناك الامتعاض، وهناك الغمز واللمز، وهناك الأعذار التي  لا مبرر لها.

أنا لا أجادل إلا بإيراد مثال واحد على صحة مدعاي، والأمثلة  متوفرة كثيرة. هذا الأستاذ كرنكو الألماني لم يجد منشطاً من  دولة، ولا من جامعة، ولا من جماعة؛ ومع هذا طبع نيفاً  وعشرين كتاباً من كتبنا لخدمة العلم والحضارة العربية. وترجمة  الرجل طريفة عسى أن يكون في نشر طرف منها بعض العبرة  لقومي، وألا يثقل عليهم إذا قلنا إنهم مقصرون عن اللحاق بغيرهم

 ولد   (فريتس كرنكو)  أو   (سالم الكرينكوي) ، كما  سمى نفسه بعد في قرية شونبرغ في شمال ألمانيا، وتعلم مع لغته  الألمانية، وكان شاعراً، اللغات الإنجليزية والفرنسية  واللاتينية واليونانية، فأتقنها اتقاناً جيداً، ثم بدأ وهو صبي  يافع يتعلم اللغات الأوربية الأخرى واللغة الفارسية، وتعلم طرفاً  صالحاً من الحميرية والعبرية والآرامية والتركية، ثم رحل إلى  إنجلترا واشتغل بالتجارة حتى أسس مصنعاً للأقمشة في   (لستر)   كان يشغل فيه أكثر من ألف عامل وعاملة، ولم تفته مع كثرة  أشغاله العقلية ساعة إلا طالع فيها الكتب العلمية، وسما له شوق  إلى درس آداب العربية والحضارة الإسلامية، ولا سيما ما كان له  علاقة بأوائل الإسلام والقرون التي سبقته، فتعلمها وأتقنها حتى  أصبح يكتب فيها ويؤلف مثل أبناء العرب.

وفي الحرب نكب بفقد وحيده، ثم بخسارة كبرى في تجارته  حدث به إلى تركها في سنة ١٩٢٧. وتفرغ بعد ذلك للعلم،  وهو اليوم يعرف لغات أوربا وثلاث لغات من لغات الشرق:  العربية والفارسية والهندية معرفة جيدة، ودروس اللغات الأخيرة  في الكتب من أستاذ، وهو اليوم لا منصف له يعيش  براتبه، وماله مال أمثاله ممن يحترف الأدب، ولما اشتدت به  الضائقة كتب إليه أحد أصدقائه من مسلمي الهند أن ينسخ له  من الكتب العربية ما يراه جديراً بالطبع من خزانة المتحف  البريطاني في لندرا، وجعل له جعلاً سنوياً مناسباً. وقال لي  الأستاذ: إني الآن أعيش بفضل لغتكم.

هذه جملة حاله، أما إنتاجه فكثير جداً، لا تكاد تقوم  بمثله المجامع العلمية الكبرى، ورجائي أن يقتدي بسيرته رجالنا،  فهي غريبة في بابها.

طبع الأستاذ كرنكو مجموعة من كتب العرب أعرف منها  الكتب التالية: (١)  قصيدة طفيل الغنوي البائية مع ترجمة إنجليزية (٢)  قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير مع مقدمة ألمانية (٣)  شعر أبي ذهبل الجمحي رواية الزبيري بكار مع زيادة  وحواش وملاحظات (٤)  طبقات النحاة لأبي بكر الزُّبيدي مع مقدمة وشروح  عليها باللغة الإيطالية (٥)  ديوان مزاحم العُقيلي بترجمة إنجليزية (٦)  كتاب المجتبي لأبي بكر بن دريد (٧)  ديوان النعمان بن بشير الأنصاري وفي ذيله ديوان بكر  بن العزيز العجلي (٨)  حماسة هبة الله بن الشجري (٩)  ديوان طفيل الغنوي وديوان الطُّرماح بن حكيم  مع مقدمة وترجمة وشروح وفهارس مطولة بالإنجليزية

(١٠)  الكتاب المأثور لأبي العميْثل الأعرابي عن نسخة  قديمة كتبت سنة ٢٨٠ مع مقدمة ألمانية وفهارس

(١١)  جمهرة ابن دريد في ثلاثة مجلدات مع فهارس له في  مجلد كبير

(١٢)  تنقيح المناظر لكمال الدين الشيرازي شرح كتاب  المناظر لأبي الهيثم البصري

(١٣)  كتاب التيجان في تواريخ ملوك حمير لعبد الملك  ابن هشام عن وهب بن منبَّه التابعي وفي ذيله ما بقي من رواية  عبيد بن سَنْرِيةَ عن الأمم البائدة، وقد كتب في مجلة   (مدنية  الإسلام)  الألمانية أن هذين الكتابين من أقدم الآثار المدونة  باللغة العربية

       (١٤)    (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)  لابن حجر  العسقلاني في أربعة مجلدات. ويطبع الآن ويصحح كتاب    (معاني الشعر الكبير)  لأبن قتيبة، وهو في ألف صفحة  و(إعراب ثلاثين سورة لأبن خالوية) والمجلدات الثلاثة الأخيرة  من   (التاريخ المنتظم)  لأبن الجوزي، و   (المؤتلف والمختلف)   للآمدي، وكتاب   (نجاة البصرة)  للسيرافي، و   (الجماهر في  معرفة الجواهر)  لأبي الرَّيحْان البيروني، إلى غير ذلك  مما يطبعه من كتبنا في الهند ومصر والشام والجزائر وأوربا. وبعد هذا ألا نرى من الواجب أن نرسل من هذه الأقطار  العربية تحيتنا إلى هذا العالم العامل الكامل في الديار الغربية،  وندعو بطول بقائه ليخدمنا بعقله ونبوغه، وندعو أن يهيئ الله  لأمتنا أمثلة من العلماء العاملين.

اشترك في نشرتنا البريدية