في مقالي الماضي ، الذي تحدثت فيه عن ظاهرة " الرفق بإيطاليا " حاولت أن أتناول هذه الظاهرة بالتحليل وان أوضح ما قد يقال لها أو عليها . كما تعرضت لذكر طائفة من قادة الرأي العام البريطاني ، وحبهم التقليدي لإيطاليا ، التى يعدها كثير منهم وطنا ثانيا لهم . وبعد نشر هذا المقال بأيام ، حملت إلينا البرقيات نبأين لهما اتصال كبير بهذا الموضوع : أولهما نبأ من فرنسا ، تشكو فيه جماعة من الفرنسيين أن فرنسا لا تلقي من المعاملة - على الأقل من جهة الأمريكيين - ما تجده إيطاليا ؛ فبينما الحكومة الإيطالية قد اعترف بها ، لا تزال حكومة أمريكا ممتنعة عن الاعتراف بحكومة فرنسا الحالية ، إلى لأن يتاح للشعب الفرنسي بواسطة التصويت والانتخاب ان يعبر عن رايه وميوله في وضوح وجلاء . أما في إيطاليا فليس هنالك داع لا لتصويت ولا لانتخاب .
وهكذا جاءنا تأييد جديد لظاهرة الرفق بإيطاليا
ولو توسعنا في المقارنة بين معاملة الحلفاء لإيطاليا ، ومعاملتهم لبعض الدول الصديقة ، ولبعض الشعوب التي خدمت قضية الحلفاء خدمة صادقة ، مثل شعب فلسطين ، لأدهشتنا المقارنة ، وحرنا في تأويل هذه الظاهرة العجيبة ، التى يصبح من الممكن معها أن يعامل العدو برأفة ورفق ومودة لا ينال الصديق منها شيئا !
ولكن ليس جميع قادة الرأي في الأمم المتحدة مسرفين في عواطفهم نحو إيطاليا إلى هذا الحد . فقد جاءنا نبأ آخر بأن وزير خارجية بريطانيا ، قد أعلن في صراحة لا يشوبها أدني غموض ، بأن مستعمرات إيطاليا لن ترد إليها ؟ وأيا كان مصير هذه " الممتلكات " فإنها لن تعود إلى الإيطاليين بحال من الأحوال . كان تصريحا قويا - لا لبس فيه ولا إبهام - وكان مثل الرياح الهابة التي قضت على كل شك وعبث . فان وزير الخارجية البريطانية لا يفضي بمثل هذا الرأي إلا أن يكون ذلك التصريح صادرا عن
روية وتفكير وتمحيص ، وبعد محاورات طويلة بين عشاق إيطاليا من جهة ، وبين المعتدلين في حبها من جهة أخرى . وقد أثر هذا التصريح الخطير أثرا عميقا في نفوس قادة إيطاليا ، وتدل عباراتهم التي أدلوا بها علي أن هذا البيان كان صدمة قوية لأمانيهم ومخيبا لظنونهم ؛ فقد غرتهم تصريحات من قبل صدرت من بعض قادة الحلفاء ،تنم عن العطف والحب لإيطاليا . بل من الجائز أن يكون بعض الساسة من محبى إيطاليا قد أطمع بعض رجالها بأن من المحتمل - بل من الراجح جدا - أن ترد إلي ايطاليا مستعمراتها جميعا ، ما عدا الحبشة وبعض الجزر في بحر اليونان . لذلك كانت دهشة الساسة الإيطاليين عظيمة ، عندما علموا بأن إيطاليا ستحرم استرداد ممتلكاتها ونسي هؤلاء الساسة أن إيطاليا هذه هي التي انتظرت حتى أوشكت فرنسا أن تنهزم فطعنتها من الخلف تلك الطعنة التعسة ، في تلك الساعة المحزنة ، فكأن إيطاليا لم ترد أن تدخل الحرب إلى جانب ألمانيا فقط ، بل رأت من الضروري أن تدخلها في ظروف وفي صورة تثير في النفوس إحساس المقت والاشمئزاز .
ثم ما هذه المستعمرات التي يحزن ساسة إيطاليا اليوم على فقدها ، وبأي الوسائل حصلوا عليها ؟
لقد دخلت إيطاليا الميدان الاستعماري متأخرة ، لأن تكوينها السياسي لم يتم إلا في الثلث الأخير من القرن الماضي ؛ ولكنها لم تكد تتم وحدتها ، وتؤسس مملكتها حتى أخذت تتطلع إلى التملك والاستعمار فيما وراء البحار ، وهي بعد في حاجة لأن تصلح من شئونها الداخلية ، ولأن تنشر الثقافة والإصلاح الاجتماعي في داخل بلادها . فكانها أرادت أن تجري قبل أن تتعلم المشي . ونحن لا نقول هذا متحاملين على إيطاليا ؛ وحسبنا أن نذكر هنا ما قاله المؤرخ الإنجليزي الكبير جوتش ، وهو ممن يعطفون على إيطاليا ، في كتابه عن تاريخ عصرنا هذا :
" كانت إيطاليا في ذلك الوقت - أي الوقت الذي كانت تطمع فيه بالاستيلاء ، على الحبشة في أواخر القرن الماضي - في أشد الحاجة لأن تكرس كل جهودها لإصلاح منزلها الذي تعيش فيه ؛ فلقد كان الشعب يرزح تحت عبء الضرائب الثقيلة والغلاء المنتشر ؛ وقد أخذ الناس يفقدون إيمانهم بحكامهم ، واشتدت الأزمة في عام ١٨٩٨ فانتشرت الثورات في المدن . وكانت مدينة ميلانو مسرحا لحرب أهلية دامت ثلاثة أيام ، وقد استولى الذعر على الملاك وأصحاب الثروات ، وساد الاضطراب والفوضى واختل الأمن . وقتل الملك أميرتو في عام ١٩٠٠ مع أنه من خيرة ملوك إيطاليا . ثم يقول المؤرخ نفسه في مكان آخر : " ومما يدل على أن إيطاليا فقيرة في الرءوس ، التي تستطيع أن تعالج المشاكل الإدارية المعقدة ، ما حدث من سوء التصرف في مشكلة إغاثة السكان بعد زلزال سنة ١٨٩٨ .
وهكذا يمضي الأستاذ جوتش في تحليل الحالة السياسية التي كانت تسود إيطاليا في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي ، بما لا يدع مجالا للشك في ان إيطاليا كان يعوزها النضج السياسي والاجتماعي ، وكانت سنة التطور الطبيعي تقضي بأن تعني رجالها بإصلاح شئونهم الداخلية ، قبل أن يتطلعوا إلي امتلاك الممتلكات وإنشاء المستعمرات
ومع ذلك فإن الحكومة الإيطالية صممت - ولما يمضى على تأسيس إيطاليا المتحدة عشرة اعوام - ان تدخل الميدان الاستعماري ، لكي تكون في مصاف الدول الكبرى . فإن الوهم الذي يملأ كثيرا من الرءوس ، ويخالط كثيرا من النفوس ، بأن العظمة الدولية لاتتم إلي بإحراز الممتلكات والمستعمرات ، كان متمكنا في عقول ساسة إيطاليا الجديدة .
ولكن إيطاليا - كما قدمنا - دخلت الميدان
الاستعماري متأخرة . وفوق هذا فإن الدول الاستعمارية العريقة كانت من غير شك تنظر إليها وإلى مطامعها الاستعارية نظرة امتهان وازدراء . ولئن كانت الأقوال لا تدل على تلك النظرة ، فإن افعال تلك الدول تنطق في وضوح وجلاء .
كان الزمن الذي حدثت فيه إيطاليا نفسها بإمتلاك المستعمرات فرصة جيدة لإحراز شئ جيد . ففي ذلك الوقت كانت تجري المفاوضات والمداولات بين الساسة في مختلف الحكومات من أجل اقتسام القارة الإفريقية فلو أن لإيطاليا أدنى مكانة في نفوس أولئك الساسة لعطفوا عليها وعلى مطامعها ، ومنحوها مستعمرة تستحق الذكر . ولئن كانت بلجيكا - تلك الدولة الصغيرة - تمنح حوض نهر الكونجو العظيم بخيراته ومعادنه وغاباته ومزارعه ، فإن من المعقول أن تمنح إيطاليا أيضا شيئا له قيمة . ولكن شيئا من ذلك لم يكن . ولو أن إيطاليا أهملت تماما لكان ذلك أشرف لها من أن تأخذ ما سمح لها بأخذه ؛ فقد تركت لها الدول الاستعمارية - بناء على شبه تفاهم بينها - ساحلين من أقفر وأفقر سواحل إفريقية ، وليس وراءهما سوى ارض صحراوية قليلة الزرع والنبات ، شديدة الحرارة ، كثيرة الأوبئة ؛ هذان الساحلان هما : ساحل ارتريا في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر ؛ وساحل السومال الإيطالي المقفر ، وهو أشد سواحل المحيط الهندي جدبا وفقرا ، ثم سمح لإيطاليا أن تتوسع فيما وراء السواحل على شرط ألا تجور على الأقاليم التي احتفظت بها الدول الاستعمارية الكبرى لنفسها .
وقد حاولت إيطاليا ان تتوسع من سواحل إرتريا إلي بلاد الحبشة واعالي النيل ، ودارت بينها وبين منليك الثاني ملك الحبشة تلك الحرب المشهورة التي انتهت بمعركة عدوه ، حيث هزم الإيطاليون ونكل بهم اشنع تنكيل . ولم تكن
هزيمتهم سبة لإيطاليا وحدها ، بل قد اساءت ايضا إلي سمعة الدول الاستعمارية عامة .
وهكذا قنعت إيطاليا وهي كغيرها إذا ردت إلى القليل تقنع - بأن تظل إرتريا كما نعرفها اليوم مساحة تمتد على الساحل من السودان إلي قرب بوغاز باب المندب ؛ وفيها مدينة مصوع ، التي اغتصبت من المصريين . كما أنها تشتمل في الداخل على مساحة من الهضبة الحبشية ، حيث توجد المدن الشهيرة : اسمره وكبرين وغيرهما . وأصبح لإيطاليا - إذن - مستعمرتان ، تغلب عليهما الطبيعة الصحراوية والهواء الحار ، فيما عدا الهضبة الإرترية وبذلك تنتهي الفترة الاولى من تاريخ إيطاليا الاستعماري .
ثم بدأت الفترة الثانية في عام ١٩١١ بالإغارة الصريحة والإعتداء السافر علي طرابلس الغرب ؛ وهي ) أيضا بلاد تغلب عليها الطبيعة الصحراوية . فكأنه قد كتب على إيطاليا الاستعمارية أن يكون إحراز الصحاري من خصائصها ومميزاتها التي انفردت بها من دون الدول . ومع ذلك فإن امتلاك ليبيا " قد كلف إيطاليا ثمنا باهظا ، لأن مقاومة القبائل العربية استمرت بضعة عشر عاما . ولم يتم إخضاع ليبيا للنفوذ الإيطالي إلا في عهد الزعيم موسوليني . ولكن نستطيع أن نعتبر ان الفترة الثانية من الاستعمار الإيطالي قد ختمت بمعاهدة أوشي بين إيطاليا وتركيا . وقد تنازلت الدولة العثمانية فيها عن كل حق في برقة وطرابلس ؛ وتعهدت ان تسحب جميع قواتها من ليبيا ؛ وسمحت لإيطاليا بأن تحتل جزيرة رودس ، وجزر دودبكانيز ضمانا لقيام تركيا بتعهداتها . وقد ضمت هذه الجزر نهائيا لإيطاليا ، مع أن سكانها لا يمتون إلي الإيطاليين بأدنى صلة
ثم جاءت الفترة الثالثة من تاريخ الاستعمار الإيطالي ، بعد ان تبوأ الزعيم الإيطالي منصب السلطة والجبروت في المملكة الإيطالية - وكانت إيطاليا قد وعدت من دول
الحلفاء بمكافآت استعمارية مختلفة تحريضا لها على دخول الحرب الكبرى ضد ألمانيا ؛ ولكن لم يتحقق من هذه الوعود إلا القليل . فقد حصلت إيطاليا علي تعديل للحدود بينها وبين مصر ، استولت بمقتضاه على واحة جغبوب ، وانكمشت بناء على ذلك حدود مصر الغربية انكماشا واضحا . وكذلك عدلت حدود السومال الإيطالي لمصلحة إيطاليا ، و كذلك حدود تونس وقد تمت هذه الأعمال كلها في عهد الزعيم موسوليني ، وإليه يرجع الفضل في الإلحاح المستمر من أجل الحصول على هذه التعديلات ، ولو انها لم تكن عظيمة القيمة .
وكان موسوليني يدرك أن هذه الإضافات كلها لا تشفي غلته الاستعمارية ، وان لا بد له من دخول الميدان الاستعماري بقوة وعنف . ولكنه كان أعقل وأحزم من ساسة إيطاليا الذين سبقوه . فلم يبدأ حملته الاستعمارية الجدية وبلاده تشكو الشقاق والفوضي . وقد امكنه بلا شك ان يكسب إيطاليا مظهرا من الوحدة ، وان يكتسب الانصار ، ويسكت الخصوم او يطاردهم ؛ كما امكنه ان يزيل الفوضي التي كانت تسود جزيرتي سردنيا وصقلية ، حيث كانت العصابات أشد صولة وأعظم سلطانا من الدولة والقانون .
ويود عشاق إيطاليا اليوم لو ان موسولينى وقف عند هذا الحد ، ولم يسقه الطمع الأشعبي إلي الزج بأمته في مهالك السياسة الاستعمارية المقيمة . ولكن عقلية الزعيم الإيطالي لم تكن تستطيع أن تتصور أن تكون دولة هو زعيمها قائمة بهذا العدد القليل من المستعمرات الصحراوية ، وكان يري انه لابد له ان يحتل مكانا رفيعا بين قادة العالم ، وان لابد له بوجه خاص أن يمحو ما توهم انه عار لحق الشرف الإيطالي في معركة " عدوه لذلك أخذ ينادي ويصيح صيحاته المعروفة ، بأن إيطاليا لن ترضي أن تظل " محبوسة " في داخل البحر المتوسط ، وانه لا بد لها ان تساهم في الأعمال الإنسانية ) يريد بالطبع المشروعات الاستعمارية ( . وتمهيدا للخطة التى يريد انتهاجها
أعد قوة حربية لا بأس بها ، وأقدم في عام ١٩٣٥ على ذلك الحدث الخطير ، الذي اعتدي فيه على دولة بينها وبينه عهود ومواثيق ، وهي الحبشة . وشن عليها تلك الحرب التعسة التي انتهت بالاستيلاء على " إثيوبيا " وطرد حكومتها الشرعية منها ، وتأسيس ما سمي فيها بعد الإمبراطورية الإيطالية . فان هذا الفتح الحديد قد جعل إثيوبيا متصلة اتصالا مباشرا بالسومال الإيطالي وإرتريا فتألف منها جميعا كتلة واحدة يصح ان تسمى إمبراطورية . كما صح ايضا أن يسمى الملك نفسه ، ملكا وإمبراطورا ، تقليدا لملك بريطانيا
ولم يكد الزعيم الإيطالي أن يظفر بهذا النصر ، حتى حدثته نفسه بنصر جديد من نوع مبتكر طريف ، فزج في سنة ١٩٣٦ بالجيوش الإيطالية في الحرب الاهلية الأسبانية ، فنصر فريقا على فريق ، لكي تكون لإيطاليا حظوة في أسبانيا
وفي ربيع سنة ١٩٣٩ اعتدت الحكومة الإيطالية عدانها المعروف على البانيا ، إذ عز عليها ان تنال المانيا كل تلك المغانم في النمسا وتشيكوسلوفا كيا . ثم انتهت هذه الفترة الثالثة من تاريخ ) إيطاليا الاستعماري بدخولها الحرب لأغراض استعمارية خالصة . ولها مطامع واضحة في اليونان وتونس ومصر .
هذه خلاصة مجملة لتاريخ إيطاليا الاستعماري . وهي تعطينا صورة لا تنطوي على كثير من النبل ، ولئن كان التاريخ الاستعماري مليئا بالمخازي بوجه عام ، فليس من شك في أن لإيطاليا نصيبا أكبر مما لغيرها . ولا بد لمحبي إيطاليا والمترفقين بها من التسليم بأن تاريخها الحديث لا يبرر هذا التسامح الكثير الذي يطلبه ساستها وقادتها في الوقت الحاضر

