الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 275الرجوع إلى "الثقافة"

مستقبل الأدب العربى

Share

يكاد يعم الناس شعور بأن هذه الحرب - التي لم يكن لها مثيل في التاريخ - خاتمة مرحلة من مراحل العالم ، تبدأ بعدها مرحلة جديدة تخالف الأولى في نظمها وعقليتها وما إلى ذلك .

ومن أجل هذا أخذت كل شعبة تفكر في شأنها ومصيرها وتضع الخطط لمستقبلها ، في السياسة والمال والنظم الاجتماعية ، وعلاقات الأمم ؛ وغيرها .

فلتنظر  - على نمطهم وعلى بدع العصر-  في أدبنا العربي ما مستقبله ، وكيف ينبغي أن يكون ، وأي طريق ينبغي أن يسلك ؟

سؤال عسير ينبغي ان تتعاون في الإجابة عنه أفلام مفكري العرب وأدبائهم حتى يصلوا إلى منهج واضح ينفع الأدب في اتجاهه .

فأول واجب على الأدب العربي - في نظري - هو أن يتعرف الحياة الجديدة للامم العربية ويقودها ، ويجد في إصلاح عيوبها ، ويرسم لها مثلها الأعلي ، ويستحثها للسير إليه .

وبعبارة أوضح ، إن الأدب العربي إلي الآن تغلب عليه النزعة الفردية لا النزعة الاجتماعية ، فالغزل والمديح  والعتاب والرثاء والفخر والهجاء ونحوها كلها في الأدب القديم نزعات فردية طغت على الأدب العربي ولونته اللون الذي نراء ، بل وكذلك في العصور الحديثة تراجم الأفراد أو ترجمة الكاتب لنفسه أو تحليل الأديب لبعض الشخصيات أو روايات الغرام او نحو ذلك كلها في نظري - أيضا - من قبيل النزعات الفردية . وأري أن الأدب العربي يجب أن يتجه من جديد - بقوة ووفرة - إلي النزعة الاجتماعية حتى يعوض ما فاته منها في عصوره المختلفة حتى عصره الحاضر - للأدب منزعان ومنبعان : أدب يتبع

من النزعة الفردية والأدب العربي فيها غني قوي ، وأدب يتبع من النزعة الاجتماعية والأدب العربي فيها فقير ضعيف ؛ ومستقبل الأمم العربية وحاضرها في أشد الاحتياج إلى الأدب الاجتماعي ينهض مها ، ولكن ماذا أعني بالأدب الاجتماعي ؟

أعني به في الأدب العربي - نظر الأدباء إلي مجتمعهم الحاضر يشتقون منه رواياتهم ، وأقاصيصهم ، وشعرهم ، ومقالاتهم الأدبية ؛ ويصوغون منه قنوتهم الأدبية . إن مجتمعاتنا مملوءة بالشرور الاجتماعية من عيشة أكثر الناس عيشة تافهة سخيفة ، وليس الناس هم المسئولين عن سوء وضعهم وسوء حياتهم بقدر ما هو مسئول عنها أولو أمرهم والقابضون علي زمام التصرف في شئونهم ؛ فلاح بائس ، وصانع مسكين ، وزوجية تعيسة ، وفقر ومرض ، واستعدادات ضائعة ، وكفايات لا تجسد من يوجهها ، وأطفال لا تجد من يربيها ، وأغلبية لا تجد ضرورات العيش ، ونفوس مستعدة لا تجد من يرقبها ، وعقول صالحة لا تجد من يفتحها ، ومئات ومئات من أمثال هذه المآسي تنتظر من الأدب أن يعالجها ويشرحها ويحللها ، ولا يقتصر على إعادة وصف ما هو كائن بل يرسم ما ينبغي أن يكون ، في روايته التي يضعها ، وشعره الذي يصوغه ، وقصصه الذي يحكيه ، ومقالاته الفنية التي يحررها ؛ ولا يكون ذلك حتى يخرج الأديب عن عزلته وينغمس في الحياة الواقعية ويلمسها ويكتوي بنارها ، وعلي الجملة يصبح عندنا أدباء هم قادة للرأي العام يبصرونه بموقفه ويطلعونه على مزاياه وعيوبه ويحركونه لغرض نبيل يتسامي إليه - بل هم إذ ذاك يكونون خيرا من المصلحين الاجتماعيين العلميين لأن هؤلاء علماء يبحثون عن الحقائق ، والأدباء فوق ذلك يلهبون بفنهم العواطف ، ففائدتهم أقوي وأثرهم أبلغ بما يبعثون من حرارة الفن ، وتهيج النفوس للخلاص الشر والوصول السريع إلي الخير . إنهم يثيرون

الكراهية للموجود ، وعاطقة الطموح للكمال ، وهم بذلك يضئون للناس حياتهم التعيسة التي يعيشونها ، ويغيرون السبيل لحياة أسمى يعملون للوصول إليها

وهذا النوع من الأدب - ما دام الغرض منه الإصلاح الاجتماعي ، وقيادة الرأي العام وتنبيهه - يجب أن يكون أسلوبه سهلا واضحا جميلا جهد الطاقة ؛ لأنه لا يؤدي رسالته حتى يصل إلى أذان اكبر عدد ممكن في الهيئة الاجتماعية ، فإذا تأنقنا في أسلوبه وملأناه بالمحسنات الفنية ، وعلونا في التعبير ، انقلب الغرض من إصلاح شعوب وأمم إلي إصلاح عدد قليل من الطبقات الممتازة فقط . على أن القطعة الفنية في الأدب مني كان لها موضوع ، وكان لها قضية تكشفها وتؤيدها وتدعو إليها استعنت عن كثير من التجميل الأدبى ، والغلو في الاستعارات والكنايات والمجازات ؟ فان هذه أشد ما يحتاج إليها عند خلو الكلام من موضوع قيم ، أو أفكار قويمة سليمة .

ولست أريد أن أقول إن كل أدب عربي سيتجه في المستقبل هذا الاتجاه ، أو أنه ينبغي ان يتجهه فقط ، فلست أنكر قيمة أنواع الأدب الآخر من شعر غناني أو قصص تحليلى أو فن للفن أو نحو ذلك ؛ وإنما أريد أن أقول إن الأدب الاجتماعي يجب أن يكمل في الأدب العربي بقوة وغزارة  لأن موقف الأمم العربية في الحاضر والمستقبل أشد حاجة إليه من أنواع الآداب الآخري .

أطمح ان يكون لنا في الأدب العربي أمثال برناردشو في الأدب الإنجليزي وأناتول فرنس في الأدب الفرنسي وتولستوي في الأدب الروسي ؛ وأمثالهم ، ممن وقفوا أدبهم على خدمة المجتمع وإشعاره بعيوبه واستشارته إلي التسامي .

وهذا هو الأدب الأمريكي يحمل لواءه اليوم رجال مارسوا الحياة العملية في شتي شئونها ، ثم لم يكتبوا في خيال وأوهام بلام ، إنما يكتبون أكثر ما يكتبون في مشكلاتهم ومسائلهم اليومية وحياتهم الاجتماعية ، وأكثر

هؤلاء لا يستوحون أساطير اليونان والرومان وإنما يستوحون مجتمعهم وما فيه وما يصبو إليه . فللأديب العربي أن يستوحى امرأ القيس ، أو شهر زاد ؛ ولكن يجب أن يكون ذلك نوعا من الأدب لا كل نوع ولا هو النوع الغالب ولا هو الأرقى .

والذي أوقع الأدب العربي في هذا النقص أن الأدب ظل من ظلال الحالة الاجتماعية ، وللبيئة أثر كبير في تكوينه ، والأمم العربية قضت عهدا طويلا في دور قوى فيه الوعي الفردي ، ولم يقو فيه الوعي الاجتماعي ، شأن الأمم كلها . ولكن الأمم الحية قطعت هذه الدور ، وتعلمت الوعي الاجتماعي ، والأمم العربية لا يزال الوعي الاجتماعي فيها في حالة التكون لم يتم ولم يقو ، ومظهر الوعي الاجتماعي نجاح الجمعيات والنقابات والشركات والمؤسسات التي تنشأ من التبرعات ونحو ذلك ؛ فالوعي الاجتماعي يكون حيث يكون شعور أفراد الأمة بعلاقاتهم وخيرهم  واتجاه تفكيرهم وإراداتهم لخير المجتمع بجانب الشعور والتفكير والإرادة في أشخاصهم ، فإذ بدأ هذا الوعي الاجتماعي رأيت الأمة عادات وتقاليد وعرفا تراعي فيها مصلحة المجموع أكثر مما تراعي مصلحة الفرد ، ورأيت للفرد عواطف نحو أمته كعواطفه نحو ذاته ، فهو يسر للخير يأتيه ، ويتحمس للعمل بنفسه ، ويتألم من الشر يحيق به ، فكذلك تكون عواطفه نحو أمته ؛ وإذ ذاك يكون في الأمة قانون غير مكتوب ، ولكنه يراعي أشد المراعاة : في الاحتفالات والاجتماعات وفي مآسي الأمة ومسراتها ، وفي حروبها ، وفي شدائدها . وإذا نما الوعي الاجتماعي ظهر أثره في نجاح المشروعات الاقتصادية في الأمة ، وفي نظم الأحزاب السياسية ، وفي النقابات الزراعية ، والهيئات التعليمية ، وما إلي ذلك .

وتاريخ الوعي الاجتماعي في الأمة يرجع إلي وجود أفراد سبقوا زمنهم وكانوا قدوة لأمتهم ، فشعروا بمجتمعهم

شعورهم بذاتهم ، وكانوا المثل الذي قلد ، والقدوة التي اتبعت ، ثم انتشر تقليدهم حتى كان من ذلك رأي عام واع وعيا اجتماعيا ، بغضب للظلم ، وبتحمس للعدالة ، ويتغني بالحرية ، ويألم للفقر ، ويغار على كل ما يمس أمته ، ويخصص كل فرد جزءا من حياته لعمل اجتماعي وهكذا ، ويقوم الرأي العام في المحافظة على العارات الطيبة ، والعواطف النبيلة مقام الجيش والبوليس للحكومة .

وفي طبيعة كل إنسان وعي بدانه وشخصه ، ووعي لمحتيمة ، ولكنه في الامم البدائية ينمو الاول ويضعف الثاني ، لأسباب كثيرة - في الأمم البدائية تصدر حتى الأعمال الخيرية ملاحظا فيه الفرد نفسه ؛ فالإحسان لدفع ألمه ، أو لشهرته أو لذكر اسمه في الجرائد ، أو لتكفير سيئاته ، وفي الأمم الراقية الإحسان لإنهاض الفقير ، وتخفيف الويل عن المجتمع ، وفي الأمم الحية يشعر الماشي في الشارع أن الشارع له وللناس ، والسينما له وللناس ، وخيرات البلد له وللناس ، والأعباء لا بد أن يحمل منها ما يستطيع كما يحمل الناس ، ويلون بذلك تصرف فاته وأعماله

لست أريد الدخول في تفضيل الوعي الفردي والوعي الاجتماعي ، وإنما يكفيني هذا القدر لبيان ان الأدب ظل الحياة الأمة في هذا الباب ، فإذا طغا الوعي الفردي في أمة كان الأدباء من هذا القبيل ، هم صدى للنزعات الفردية والوعي الفردي فقط إلا القليل النادر ، فنتاجهم الادبى غزل وحب وغرام وروايات  لتحليل أنفسهم أو لتحليل بعض الشخصيات ، أو قطع فنية لإثارة الشهوة الجنسية وحتي باب الأدب نفسه يرجع في الأغلب إلي نصح الإنسان بصلاحيته كفرد لا كعضو في مجتمع - وهذا مع الأسف هو الأدب العربي في عصور طويلة إلي الآن تقريبا .

بل أبو العلاء المعري نفسه وهو أكبر شاعر عربي نظر في شعره إلى المجتمع وأبان سيئاته قد أفلح في مقدماته ولكنه لم يوفق إلي النتيجة كما ترجو الآن . فقد نجح في وصف سيئات المجتمع من ظلم الحكام ، وفساد المرأة ، وفساد رجال الدين ونحو ذلك ؛ ولكنه شرح ذلك

ليخلص منه إلي أن المجتمع لا يصلح للبقاء ولا يصلح لأبي العلاء لأن ينغمس فيه . يقول أبو العلاء :

يسوسون الأمور بغير عقل         فينفذ أمرهم ، ويقال ساسه

فأف من الحياة وأف مني        ومن زمن رباسته حساسه

فالمقدمة بديعة لطيفة وإن كانت في حاجة إلي البسط والنتيجة ليست هي التي نريد فهي نتيجة يائسة وإنما الذي نريده أن يشرح هذه العيوب للدعوة إلي إصلاحها ، وإنارة النفوس للتخلص منها وإحلال المثل الطيبة محلها . نريد من الأديب إذا ألف مأساة  " تراجيديا " ألا يقصد إلى شرحها وتحليلها فقط ولكنه يبين مسئولية المجتمع فيها ويثير النفوس للثورة على الخلاص منها ، وإذا ألف ملهاة " كوميديا " ألا يقصد إلي استخراج الضحك فقط من الممثل ولكن ليستثير السخرية على من كانوا السبب فيها حتى لا تعود إلي الحياة ، وهكذا - وهناك أدباء من هذا القبيل تقرؤهم فتشعر ان عقلك اتسع ، وعواطفك سمت ، ومشاعرك بالإعجاب من الحسن أو الكراهية للقبح حميت وتحمست ، وهذا ما نحن في حاجة إليه .

إن الأمم الشرقية في بدء عهدها بالوعي الاجتماعي ، فيجب أن يكون لها أدباء يدفعون هذا الوعي إلي الأمام حتى يكمل وينضح ، وهذا ما أتوقعه في الأدب العربي القريب ، إن الأديب من هذا الطراز رسول أمته وهاديها إلى الخير ، وراسم أغراضها في الحياة ، يدرك الحقائق قبل ان يدركها الناس ، ويشعر بها قبل أن يشعر بها الناس ، ثم يحرك عقولهم لإدراكها ، وعواطفهم للتحمس للعمل بها ، يشعر من أعماق نفسه ان له رسالة ان يرفع مستوي الناس ويدفعهم إلي حياة أسعد وعيش أصلح ، يجمع بين السمو الخلقي ، والسمو الفني ، ثم يسخر فنة لخدمة ما يصبو إليه لقومه .

إذا تحقق هذا في مستقبل الأدب العربي اعتدل مزاجه وكمل نقصه ، وجاوب ما في الطبيعة البشرية من حب الذات وحب النوع معا .

وهنالك آمال أخري في الأدب العربي أعرض لها  في حديث قال .

اشترك في نشرتنا البريدية