تفضل الاستاذ الدكتور طه حسين بك فأهدي إلي هدية ثمينة مشكورة ، هي كتابه الجديد " مستقبل الثقافة في مصر " ، وأول ما خطر لي حين تسلمته أن اتصفح قائمة محتوياته ، فوجدته لم يدع شاردة ولا واردة تتصل بالتعليم والحياة الفكرية إلا وتعرض لها ، فأيقنت ان مطالعته واجبة على كل معلم وكل مشتغل بتنظيم الحياة الفكرية وتوجيهما في مصر . فالدكتور طه حسين بك قد اجتذب بهذا الكتاب فريقا ثبرا جديدا من القراء ، فقد كان الأدباء والذين يتصلون باللغة والأدب فيها مضي يؤلفون اغلبية من يحرصون على قراءة كتاباته ، أما الآن وقد تصدي لعرض نظام التعليم عندنا في جميع مراحله ، فقد ضم إلي قرائه العديدين السابقين فريق رجال التعليم الذين لم يكونوا يتتبعون الحركة الأدبية بالعناية والدقة التي تدفعهم لقراءة كتابات الدكتور السابقة .
أقبلت على الكتاب أقرؤه بإمعان , ولم أكتف بمطالعة واحدة بل قرأته مرتين ، فقد كانت القراءة الأولى متقطعة بحكم ظروف العمل ، ثم سنحت لي فرصة عطلة عيد الأضحى فقراته مرة اخري قراءة متلاحقة ، وقد خرجت من قراءته تتنازعني عوامل مختلفة ، وإحساسات متباينة . واهم ما استرعي نظري وبهرني احتواء الكتاب على كثير من الآراء الجديدة ، تبدي في قوة ، وتبسط في جراة ، بل تلقي في اوجه الناس كالقنابل بغير أدنى حذر او مراعاة او تردد ، وهذه الصراحة وتلك الشجاعة ، لو توفرت في كثير من كتابنا لأثمرت أينع الثمرات ، ولآنت
بأحسن النتائج ، فالحقائق لا تتجلي ، والآراء لا تمحص إلا إذا عرضت في غاية الصراحة وبمنتهي الشجاعة
ولعل من أجل مظاهر هذه الصراحة وتلك القوة ، حملة المؤلف الصادقة الصائبة على ولاة الأمور في مصر ، لأنهم على الدوام لا ينظرون إلي أمور التعليم نظرة جدية ، وإذا حدثتهم فيها سخروا منها ، وأخذوا يبتسمون أو يتغاضرون ، على انك إذا حدثتهم عن شئون التجارة والزراعة والصناعة ، بدا عليهم الجد والاهتمام ، فيقول المؤلف : " إن أمور مصر كلها تضطرب حين تعرض للقطن آفة من الآفات ، وحين نكسد السوق وينخفض السعر ، هنالك تضطرب الحكومة والبرلمان وتقلق الصحف .. والقصور . أفان عرضت للتعليم آفة تفسده وتفسد النشء، الذين هم أبناؤنا وخلفاؤها على أرض الوطن ، لا تحفل بها ولا نهتم بإصلاحها كما تحفل بدودة القطن وكما تهتم لاضطراب الأسواق ؟ " وهذه حقيقة مؤلمة ، وعيب لا مناص لنا من اصلاحه قبل ان تؤمل في أي إصلاح تعليمي .
على الى أري أن حماسة الكاتب لآرائه التي يعتقدها ويناضل عنها ويدعو لها بتلك الصراحة والشجاعة والقوة يجب ان تسكون مقتصرة على بسط مترانا تلك الآراء وإيراد الحجج التي تؤدي إلي الإ كبار من شأنها ، وإقناع الناس المشاركة الكاتب في الاعتقاد بها ، دون ان يصل التحمس لتلك الآراء إلي حد بدفع الكاتب إلي ازدراء غيرها وتسخيفه بشدة وعنف . فما أكثر ما نجد في الكتاب
من عبارات (الخطأ الشنيع) و (السخف الذي ليس بعده سخف) (واجهل الجهل . . ) الخ. هذا إلي مهاجمة الطوائف بشدة وبشئ من القسوة والتعميم ، مع اننا نعرف ان كل طائفة فيها الخير والشر والصالح والطالح ، والمفكر المعتدل ، والمرائي الذي " يخدعك أو يخدع نفسه " وكنت أوثر أن يبرأ الكتاب من هذا كله .
يخيل إلي قارئ هذا الكتاب أن هناك فكرة أساسية اقتنع بها المؤلف ، ورأيا تمكن من نفسه وتملكها فكون روح الكتاب ، وأملي علي الأستاذ العميد الخطة التي رسمها فيه ، والطريق الذي رأي أن تسلكه مصر في تعليمها ، والاتجاه الذي يجب في نظره أن تسير فيه الثقافة بالبلاد . وهذا الرأي الذي بسطه المؤلف في تفصيل ، وبني عليه رسمة لمستقبل الثقافة في مصر ، هو أن العقل المصري من حيث التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء ليس شرقيا بل غربيا ، وأن حياتنا في هذا العصر الحديث سواء أكان مادية أم معنوية أم سياسية حياة أوربية ، اصطفيناها لأنفسنا غير متخيرين ولا محتاطين ولا مميزين بين ما يحسن منها وما لا يحسن ، وما يلائم وما لا يلائم ، مدفوعين إليها بعقولنا وطبائعنا وأمزجتنا التي لا تختلف في جوهرها قليلا ولا كثيرا - منذ العهود القديمة عن عقول الأوربيين وطبائعهم وأمزجتهم . وقد استشهد الدكتور علي رأيه هذا باستشهادات تاريخية عديدة استنبطها من علاقات مصر بالحضارة الإريجية القديمة ، ثم بالحضارة اليونانية في عصور ازدهارها ، ومن علاقاتها بالفرس وبالإسلام ، وقد تحلل بسطه لهذا الرأي بحوث شائقة فيما إذا كانت وحدة الدين ووحدة اللغة تصلحان أساسا للوحدة السياسية ، وقواما لتكوين الدول ، وفيما إذا كانت الحضارة الأوربية مادية والحضارة الشرقية روحية . وإني لا أشاطر المؤلف هذا الرأي ، لكني أدع مناقشته فيه وفيما
تخلل عرضه له من مباحث فرعية لرجال التاريخ الذين هم اقدر مني علي تأييد مثل هذا الرأي أو معارضته .
وبعد ان أكد المؤلف هذا الرأي انتقل إلي ما بعده فذكر انه كما اننا الآن نسعي في حياتنا الداخلية لأن نقر مبدأ المساواة بين افراد الشعب جميعا في الحقوق والواجبات ، فهذا المبدأ نفسه يجب ان نقره في حياتنا الخارجية ، فتمحو من انفسنا أن في الأرض شعوبا قد خلقت لتسودنا أو شعوبا قد خلقت لتسودها ، والسبيل إلي ذلك في رأيه واضحة بينة مستقيمة وواحدة ليس لها تعدد ، وهي ان نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لتكون لهم اندادا ، ولكن لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها ، حلوها ومرها ، ما يحب منها وما يكره ، وما يحمد منها وما يعاب . ومن ذلك يري القارئ أن الفكرة التي تملكت نفس المؤلف ، والخطة التي اقتنع بها ودعا إليها في صراحة وقوة هي ان مصر يجب ان تترسم خطي أوربا حرفا بحرف .
وهذا رأي جريء لا نظن أن الكثيرين من قادة الرأي في مصر يقرون الأستاذ المؤلف عليه ، بل إني اذهب إلي ابعد من هذا فأقول إن الدكتور طه بك ربما يكون قد تورط فيه إلي حد ما ، فقد دفعه حرصه الشديد على دعوة الأمة المصرية لتتبع النهضة الحديثة في أوربا وتقليدها حرفيا ، إلي الدعوة لمشاركة اوربا حتى في شر الحضارة ومرها وما يكره منها وما يعاب ، فالحضارة الأوربية لها سيئات لا نزاع في ان قادة الرأي في أوربا يعملون جاهدين على التخلص منها واستبدال ما هو خير منها بها ، والأستاذ المؤلف يدعونا إلي أن تحرص على التهامها دون أن نحسب لشرها أو مرارتها أو مكارهها أو معايبها حسابا .
ولعل هذه النزعة القوية وهذه الدعوة الشاملة تفسر ما يحس به الإنسان عند قراءة الكتاب من أنه لا يرسم صورة واضحة دقيقة لمستقبل الثقافة في مصر ، فالؤلف قد اعتمد علي ان هذا المستقبل هو بعينه مستقبل الثقافة في أوربا ،
مع أننا لا نشك في أنه لو نصدي كتاب عديدون من أجناس أوربية مختلفة لرسم مستقبل الثقافة في بلادهم ، لكانت الصورة التى يرسمها الكاتب الإنكليزي مخالفة للصورة التي يرسمها الكاتب الفرنسي ، وهذه وتلك مغايرة للصورة التي يرسمها الكاتب الإيطالي أو الكاتب اليوناني وكلها مخالفة للصورة التي يرسمها الكاتب التركي .
شارحه المؤلف في كتابه بتفصيل دقيق هو النظام الذي يري ان يسير عليه التعليم الاولي والتعليم العام . وهنا ايضا نجد فكرة قوية متغلغلة في نفس الأستاذ العميد ومسلطة على كل ما ثبته في هذا الصدد ، وهذه الفكرة هي اقتناعه بأن وزارة المعارف والقائمين عليها لا يستطيعون النهوض بمهمتهم وتسيير دفة التعليم في الاتجاه المنتج ، بل قد يقيمون العقبات في سبيل إصلاح التعليم في كل ناحية من نواحيه ، هذا من جهة ، ومن جهة اخري إيمانه القوي بمقدرة الجامعة ويأبه لا سبيل للإصلاح التعليمي بغير إشرافها على التعليم إشرافا تاما والاشتراك الفعلي في إدارته .
وقد كان المنتظر أن نقرأ للدكتور طه بك بعض آراء فيما ينتظر ان يتجه إليه التعليم في مصر من اتجاهات عملية متصلة بالزراعة او الصناعة أو التجارة ، دون الدخول في تفاصيل تتصل بهذا التعليم الفني العملي الذي تحاشي المؤلف الدخول فيه . فالمؤلف قد دعا إلي التوسع في الدراسة الجامعية إلي اقصي حد . فهل اراد ان يكون هذا التوسع على حساب هذه الناحية الفنية العملية ؟ او هو يري ان يكون هناك توسع في هذ يناظر التوسع في تلك ؟ أو بعبارة اخري : هل العقل المصري مدفوع بطبيعته في الاتجاه العملي او في الاتجاه النظري ؟ وإذا كانت الأولى فهل سيكون هذا النشاط العملي موجها فى الاتجاه الزراعي أو الصناعي او التجاري ، أو في ناحية جديدة من نواحي الحياة الحديثة تتطلب إعدادا خاصا من نوع جديد ؟ . ذلك ما لا يتبينه القارئ من الكتاب .
وليس في استطاعة أي إنسان ان يتناول كل هذا الكتاب بالبحث في مقال او مقالات كهذه ، وذلك لكثرة الموضوعات التي تناولها وتشعبها وتعقد بعضها ، ولذا سأكتفي فيما يلي بالإشارة إلى بعض تلك الموضوعات ، كما أني سأفرد للموضوعات المهمة كراي الأستاذ العميد في التعليم العام ( الابتدائي والثانوي ) ورأيه في إعداد المعلم ، بحوثا خاصة أنشرها في فرصة أخري .
تناول الدكتور طه بك التعليم الأولي ودافع عنه دفاعا مجيدا ، وصاح صبحة قوية في وجه من يقولون بأن هذا التعليم يجب ان يقصد إلى مجرد محو الامية ، وتعليم الشعب قواعد الحساب البسيطة مع القراءة والكتابة ، وأهاب بالدولة أن تعنى بهذا التعليم أكبر عناية ، وأن تجعل أموره إلي صفوة الامة والنابهين من علمائها الذين يفهمون التطور العام الذي يخضع له الحضارة الانسانية ، وان تبذل جهدها في رغم مستوي معلمية إلي حد يمكنهم من ان يهيئوا للشعب بواسطة هذا التعليم ثقافة معقولة نافعة ترفعه إلى مستوى الأمم الناهضة . وإني اؤيد الدكتور في هذا الرأي واعتقد معه ان واجب الدولة في هذه الناحية من التعليم يجب ان يكون في المقام الاول من واجباتها التعليمية .
غير أني أخالف المؤلف فيما انتهي إليه من حيث ما يجب ان يتعلمه كل مصري في تلك المدارس الأولية ، فهو يضع في المقام الاول المواد الاجتماعية ، كتاريخ مصر وتقويمها ونظامها السياسي والمدني والاجتماعي ، ويضيف إليها تعليم الطفل المقدار اليسير الذي يمكن الفرد من ان يعمل بعقله ويده إلي حد ما . وأنا أري أن ينعكس هذا الترتيب ، بحيث بوضع في المقام الاول تعليم المواد التي تمكن الفرد من ان بعمل بعقله ويده إلي حد كبير ، مع العناية بتعليمه لغة بلاده ، وتاريخها ، وتقويمها ، ونظمها ، بصورة تمكنه من الإستزادة من هذه المعلومات الأخيرة ، وحبسه في موالاة المطالعة فيها . فالاتجاه الحديث في تربية الصغار يرمي إلي استغلال فاعليتهم ، حتى يكونوا في أثناء الدراسة في حركة
مستمرة يشتغلون اشغالا يدوية ، ويرسمون رسوما إيضاحية ، ويجمعون الزهور والحبوب ، والصور الحديثة والقديمة ، وما إلي ذلك كله من نشاط يستغل الفاعلية ، ويحمي التلميذ من مجرد التلقين والاستماع .
هذا وفي اعتقادي ان التعليم الأولى ، يجب ان يأخذ اتجاها جديدا ، فيبنى علي حاجات الفلاح ، بحيث يلائم طبيعة الحياة في الريف ، فتكون الأشغال اليدوية فيه كلها متصلة بالأرض وفلاحتها ، والزراعة وخدمتها . وإذا كانت بعض بلاد اوربا نفسها التي بها بعض زراعات بسيطة عنيت بفكرة المدرسة الريفية وإنشائها ، واجرت فيها تجارب متعددة ، وكتب علماؤها كثيرا في بحث الفكرة من اساسها والتجارب التي اجريت بشأنها ، ونظم المدارس التى تطبقها ، والاقتراحات الجديدة لتحسبها ، وجعلها اكثر مطابقة للحياة ، إذا كان هذا شأن بعض البلاد الأوربية ، فما أولنا نحن بسلوك هذه السبيل ، والحرص على إنشاء المدرسة الأولية الريفية
كذلك كانت للدكتور طه بك حولات موفقة في حديثه عن المجانية ، ونظم الامتحانات في مصر ، انتهي فيها إلي ضرورة تنظيم فوضي المجانية ، حتى يتمكن النابهون من الفقراء من دخول مدارس التعليم العام . وذلك يستلزم إعادة تنظيم التعليم العام ، والتعليم الاولى ، بحيث يكون الانتقال من الثاني إلي الأول ميسورا لمن ثبتت كفايته وحسن استعداده للانتظام في هذا التعليم العام ، وكذلك نقل التلميذ منه إلي التعليم الأولى ، إذا ثبتت عدم صلاحيته للتعليم العام . وهذا يستلزم بالطبع تأجيل تعليم اللغة الأجنبية بمدارس التعليم العام ، وهو ما أوافق الدكتور عليه كل الموافقة أما الامتحانات فبعد أن أفاض الدكتور في بيان عيوبها ومضارها العلمية والخلقية ، انتهي إلي أنها شر لابد منه ، علينا ان نتخفف منها ونردها إلي أصلها ، فنجعلها وسيلة لا غاية ، ونرد إلي المعلمين ما هم اهل له من الثقة ، فنقدر آراءهم في تلاميذهم ، ومعنى ذلك إلغاء
امتحان النقل في مدارس التعليم العام ، إلا ان تقضي به ضرورة تقررها المدرسة وحدها . وإني أشاطر المؤلف هذا الرأي أيضا .
هذا ويري المؤلف أنه إلي الدولة وحدها ، يجب ان توكل شؤون التعليم كلها في مصر إلي امد بعيد ، حتى توحد العقلية المصرية ، لتكون الوحدة الوطنية على النظام الحديث ، فقد خضعت البلاد في رأيه للالوان مختلفة من التعليم ، ونظم متبابنة ، ومناهج ويرامج ، ينكر بعضها بعضا ، ويصدم بعضها بعضا ، فهناك التعليم الرسمي المدني بمدارس الحكومة ، وهناك التعليم الديني او المدني بالمدارس الاجنبية ، وهناك التعليم المصري الحر ، وهناك التعليم الديني بالأزهر الشريف . وقد نشأ عن ذلك في نظره اضطراب له اثاره الخطيرة في حياتنا المصرية على اختلاف فروعها وألوانها .
والمؤلف يري أن هناك مقدارا من مناهج التعليم العام وبرامجه ، يجب ان يكون مشتركا بين المصريين ، ويجب ان تشرف الدولة بالملاحظة والتفتيش والامتحان ، على ان المصريين جميعا مشتركون فيه شركة عادلة ، سواء اتعلموا في المدارس الرسمية ، أم في الدارس الحرة ، أم في المدارس الأجنبية ، أم في الأزهر ومعاهده .
وإني لا أشاطر المؤلف رأيه في الدعوة إلي هذا التوحيد ، وتلك المركزية ، ونعجب من صدورها من عميد حرية الراي . وما اظن ان اختلاف انواع التعليم وتباين نظمه ، بل وتصادم بعض برامجه او مناهجه ببعض ، كما يقول المؤلف ، من الشر إلي الحد الذي يصوره . بل لعل الباحث المدقق يجد فيه بعض الخير ، ويرجع إليه بعض عوامل نهضتنا الحديثة في مصر . ولا نزاع في ان التعليم طبقا لأي نظام من تلك النظم المختلفة كان يوصل الطالب المصري إلي المستوي الذي يرمي إليه المؤلف ، ويري فيه النهاية الصغري لما يجب ان يتعلمه المواطن المصري ، ولا نزاع في ان التعليم في اغلب المدارس الاجنبية كان بفضل
التعليم في مدارس الوزارة التي يري المؤلف وجوب تسلطها على التعليم كله بغير استثناء ، بل إن حساس خريجي تلك المدارس الأجنبية بالقومية المصرية كان في اغلب الأحيان إحساسا بينا عنيفا يفوق احساس نظرائهم المتعلمين بمدارس الحكومة . وكان الكثير من هؤلاء الخريجين ممن تزعموا الحركة الوطنية ، وحملوا لواء الدعوة إلي التمسك بالقومية المصرية .
ولعل استقلال هذه المدارس الأجنبية عن الحكومة ، وعدم وقوعها تحت إشراف وزارة المعارف أفاد مصر فائدتين. الأولى وضع نماذج من المدارس الأوربية تحت أنظار المصريين ، محفزهم إلي الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة ، ودلهم على تطور التربية والتعليم عند غيرنا من الامم الراقية والثانية أن هذا الاستقلال كانت فيه حماية لتلك المدارس الأجنبية من ان تنترب إليها عيوب المدارس المصرية .
وملاحظه اخري أبديها على ما اظهر المؤلف في صدد الكلام عن ضرورة انفراد الدولة بالإشراف على شؤون التعليم كلها في مصر ، هي اكباره العظيم لشأن الملاحظة والتفتيش والامتحان ، مع أنه في مواطن اخري يدعو إلي الثقة بالمعلم وإلي التخفيف من أضرار الإمتحانات والإقلال من شأنها ، والذي حدا به إلي الوقوع في هذا التناقض الظاهري هو تلك الدعوة إلي التوحيد والمركزية ، فهي التي تتطلب تلك الإجراءات الشديدة وتلك المراقبة الدقيقة التي تكاد تشبه بعض ما تنزع إليه الهيئات الرجعية ، ولهذا فإني لا اتفق معه في هذا الاتجاه .
ولعل خير ما أختتم به القول في هذا المقال هو الإشارة إلي وجوه إصلاح التعليم كما بينها المؤلف في الباب السادس والعشرين ، وهي تتلخص في ثلاثة وجوه :
أولها : إنشاء مجلس أعلي تمثل فيه فروع التعليم كلها ، (ومنها الجامعة) وتمثل فيه عناصر من غير وزارة المعارف تتصل بالتعليم من قرب او من بعد ، وتستطيع ان نشير في أمره بالقيم من الآراء ، يكون من أهم اختصاصاته أن يشير
على الوزير في كل امر خطيري التعليم ، وان تؤلف من بين أعضائه لحنة دانعة تهي له أعماله من جهة ، وتشير على الوزير في الحياة التعليمية اليوم اليومية من جهة اخري ، وعلي أن يكون هذا انجلس وحده المختص بتأديب المعلمين .
والثاني : أن يعاد تنظيم مراقبات التعليم بحيث لا يستقل المراقب بأمر مراقبته ، وإنما ينشأ له مجلس صغير تكون له رياسته يخفف عنه بعض التبعات ، ويشير عليه وعلى الوزارة عن بصيرة وعلم بما ينبغي الاقدام عليه او الاحجام عنه . على ان يؤلف هذا المجلس من اربعة غير المراقب اثنين بمثلان الجامعة ، ومفتش من مفتشي الوزارة ، وناظر أو معلم .
والثالث : هو اصلاح التفتيش بحيث يقيم المفتشون بالقرب من المدارس التي يكلفون تفتيشها .
فالقارئ يري أن المؤلف متأثر في اقتراحاته هذه بما أشرنا إليه سابقا من فكرته عن الوزارة ورأيه في الجامعة ، وقد وجد أن الظروف لا تسمح بالاستغناء الآن عن المكاتب الرئيسية بالوزارة وعن المشرفين على التعليم في الوقت الحاضر ، فلجأ إلي طريق وسط يحقق غرضه بعض التحقيق ، وذلك يايجاد مجلس أعلي بجانب الوزير تمثل فيه الجامعة ، ولا تقتصر مهمته على توجيه السياسة العامة للوزارة ، شأن المجالس العليا في مثل هذه الحالات ، بل تؤلف من هذا المجلس لجنة لتشير على الوزير في تصرفاته فيما يعرض له من الأمور اليومية ، ثم ألف لكل مراقبة مجلسها الخاص الذي تمثل فيه الجامعة لتضمن تنفيذ آرائها في جميع فروع التعليم وجميع المراقبات في الوزارة ، والدليل على ذلك قول المؤلف في صفحة ١٩٤ : إن الجامعة تشعر شعورا واضحا في جميع كلياتها بضعف الطلبة الذين ترسلهم إليها المدارس الثانوية ، وهي تستطيع أن تدل على هذا الضعف ، ولعلها تستطيع أن تدل على أسبابه ، ولعلها تستطيع أن تعين على إزالة هذه الأسباب لو أن لها في إدارة التعليم الثانوي رأيا مطاعا . وقوله في صفحة ٢٣٥ : وإذا فلا ينبغي أن تكون أمور التعليم العام إلي جماعة من الموظفين قد حدث
مقدرتهم العلمية ، وضافت ملكاتهم عن فهم حاجات العلم ووسائله . وإنما يجب ان تكون امور التعليم إلي رجال التعليم العالي انفسهم . فهم الذين يحسنونه ، وهم الذين يعرفون حاجاته ويعرفون الوسائل إليه .
وإني ألاحظ بوجه عام أن تنفيذ نظام كهذا غير عملي . ففكرة المجلس الأعلي جيدة على شرط أن يكون الفرض منها بحث المشروعات العامة الجديدة أو الإصلاحات الرئيسية . اما ان يختص مثل هذه الهيئة ( أو لجنة صغيرة بها ) والبحث في المسائل اليومية وتشير على الوزير بتصريفها فأمر غير عملي ولا يتفق مع منطق الأشياء . وأما أن يسكن المفتش بالقرب من المدارس التي يفتشها فغير عملي ايضا لأن سكناء في الزقازيق لا تختلف عن سكناء في مصر من وجهة نظر المؤلف ، وإن كان فيها بعض اقتصاد من ناحية اخري. أما الصعوبات التعليمية والنفسية التي يذكرها المؤلف فلا تذللها سكنى المفتش بمدينة غير القاهرة .
وبعد فإني أفهم أن تسيطر الجامعة على التعليم في البلاد كلها ، ولكني لا أفهم أن يتم هذا بوضع ممثلين لها في كل إدارة من إدارات التعليم في البلاد ، فذلك ما ليس من شأنها من جهة ، وما يصرفها عن عملها الأساسي من جهة اخري . وإنما افهم أن تسيطر الجامعة على التعليم في البلاد كلها بما تبثه فيها من ثقافة عامة تنشرها بين المتعلمين كافة ، وبما تنشره من آراء يجعل لها مدارس خاصة في أنواع التفكير المختلفة ، وبما يظهره رجالها من نظريات ومناح جديدة من مناحي التفكير ، وبالجملة بما تبثه من تعاليم تحول الناس إلي أفكارها وتوجههم الوجهات التي تراها وترتضيها ، وذلك عن طريق الاقناع ، حتى يحس الناس أنهم يسلكون السبيل الذي يعتقدون أن فيه المصلحة . أما الدعوة إلي قيام هيئة بالإشراف على اخري والوصاية عليها ، وفرض الأفكار على الناس والدولة وإكراههم على اتباع مشورة أفراد هيئة ما ، فهذا لا ينتج الخير الذي يبتغيه الدكتور ولا يحقق الإصلاح الذي يرجوه .
