الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 811 الرجوع إلى "الرسالة"

مستقبل الشعر:،

Share

تساءل الأستاذ   (توفيق الحكيم)  في عدد أخير من    (أخبار اليوم)  عن مستقبل الشعر والشعراء. وهل آن لدولة  الشامخة أن تودع العالم بين صخب التطور وجلبة الاندفاع إلى  المستقبل الذي تهرول نحوه الشعوب في سرعة لا تعرف البطء،  وعزم لا يدركه الكلال.

والذي رفع الأستاذ     (الحكيم)   إلى هذا التساؤل هو ما يراه  من أفول يصيب نجم تلك الدولة الهرمة، ثم حاول أن يعلل له بما  كان من أمر هذه الديمقراطية التي جعلت الآداب موجهة إلى  الطبقات الوسطى والدنيا قبل أن تكون موجهة إلى الخاصة،  وهذه الطبقات في رأي الأستاذ غير موجهة لتلقي هذه الرسالة  الرفيعة، وأخيراً هذه السرعة المجنونة التي تلوذ بالسطح وتنفر من  الغوص إلى القرار. والشعر فن يعتمد على التركيز والإيجاز،  فهو في حاجة إلى شيء من الذكاء وشيء من الاستقرار يهيئان

لفهمه والاستمتاع به.

والأستاذ     (الحكيم)   بعد هذا العرض وذلك التدليل  متشائم، ينظر إلى مستقبل الفن الجميل نظرة الأسف  المتحسر. فهل لهذه النظرة من أساس؟ وهل منطق الحوادث  وأدلة الماضي والمستقبل تقف إلى جانبه؟

يخيل إلي أن الحق بجانب هذه النظرة التشاؤمية. فما هي  الدعائم التي ينهض عليها الشعر؟ وما هي الروح التي تنفخ في  جذوته المقدسة فتشعلها وتذكي لهيبها؟ وهل آن الدعائم أن  تتقوض، أو لتلك الروح أن تلفظ الأنفاس في المستقبل  الغريب أو البعيد؟

إذا استطعنا إذا نجيب على هذا السؤال كان لنا في الإجابة  غناء عن تشاؤم الأستاذ أو تفاؤل غيره.

دعائم الشعر في نظري تنقسم قسمين:

قسماً يخص الشاعر الذي ينشئ الشعر. وقسماً يتصل  بالقارئ. أما فيما يخص الشاعر فأن الدوافع التي تدفعه إلى قول  الشعر لن ينضب معينها إلا إذا نضب معين الحياة، واستجابة  الأحياء لما تلقاهم به من ألوان الحوادث والتجارب التي تمتنع على  العد، وتستعلي على الإحصاء؛ فدوافع الشعر ستظل خالدة خلود  الطبيعة والإنسان. وعلى هذا فالشاعر ضرورة إنسانية باقية،  وحاجة روحية خالدة. وإن أقفرت بعض الفترات من وجود  العبقريون من الشعراء، فليس معنى ذلك أن الزمن سيظل  بأمثالهم عقيماً.

وفي التاريخ الإنساني لجميع الأمم شواهد ناصعة على ذلك،  وهي شواهد لا تقبل الجدل ولا اللجاج.

ففي الأدب العربي والإنجليزي والفرنسي وسائر الآداب  ما يقيم الدليل على أن الشعر لم يمت وإن مرت به عصور أوشكت  فيها روحه أن تفيض، وأنفاسه أن تخنق.

وهنا تتراءى لنا مشكلة لا بد من أثارتها في هذا المجال.  فقد كان الأسلوب الشعري هو الغالب في العصور القديمة، وكان  النثر تقعد به مكانته دون التعبير عن العواطف الجائشة،  والإحساس المتدفق الفوار. أما في العصر الحديث فقد نهض  النثر نهضة عظيمة، وراح يزاحم الشعر مزاحمة ظاهرة في هذا  المجال. فأدب المقالة اليوم هو في الذروة من حيث استيفاء

أغراضه؛ وهي أغراض تشترك في كثير من الأحيان مع الشعر

وما يقال عن المقالة يقال عن القصة في هذا الباب. فالأدب  التمثيلي عند   (شكسبير)  قد حلت محله مسرحيات    (برناردشو)  النثرية، ومسرحيات   (شوقي)  حلت محلها  مسرحيات   (توفيق الحكيم)

وهناك شيء آخر له خطورته على تضييق دائرة التعبير الشعري  وهو ما شاع في العصر الحديث من وسائل الثقافة الفنية المختلفة  التي زاحمت الكتاب سواء ما كان منه شعراً أم نثراً، وأخطر  هذه الوسائل هي السينما والصحافة والمذياع.

وهكذا نلاحظ أن مجال الشعر قد أخذ يضيق ويضيق حتى  أصبحت دائرته لا تكاد تجاوز التعبير عن الحالات التي لا يغنى  فيها التعبير الموزون تعبير سواه.

أما دعامة الشعر الثانية وهي التي تتصل بالقارئ فيبدو أنها  الظاهرة التي أخافت الأستاذ   (الحكيم)  وجعلته يتساءل هذا  التساؤل الوجل في   (أخبار اليوم) ، فنسى أن يذهب بالتعليل  إلى أصوله القريبة والبعيدة

فالقراء اليوم مدبرون عن الشعر منصرفون إلى أدب السطوح  لا الأعماق - إن صح هذا التعبير -.

وهذا حق. . ولكن هذا لا يعود باللائمة على القراء    (الأغبياء!) ، لأن المسالة راجعة في أصولها إلى الظروف  الاجتماعية والسياسية التي يحياها العالم اليوم، فنحن نجوز فترة المخاض التي يضطرب لها كيان البشرية، وتميد معها دعائمها  وأركانها. فالمشاكل الاقتصادية اليوم تحتل المكان الأول في  نفس الإنسانية المعاصرة، وحتى يجيء اليوم الذي تحل فيه هذه  المشاكل على نحو يرضي سنة التقدم، ويشبع رغبة التطور،  فستظل مشاكل الفن وحاجات الروح مسائل ثانوية في    (جدول الأعمال) .

إن الإنسان في هذه الحقبة من الزمن محتاج ليكسب عيشه  إلى ساعات لا تقل عن الثمان، هذا في الطبقة الوسطى، أما في  الطبقات الدنيا فهو في حاجة إلى أكثر من هذا القدر بكثير  أو قليل. فكيف نطلب إلى أمثال هؤلاء أن يخلوا إلى ديوان  ليتذوقوا فيه قصيدة عصماء؟ وهم مازالوا يكافحون من اجل رغيف    (أغر) ؟! إننا نطالبهم بالمستحيل. فهل من أمل في تغيير هذه  الحال؟ يخيل إلى أن الجواب هنا يجب أن يكون بالإيجاب، فنحن  مقبلون - على رغم العوائق - على العصر الاشتراكي ما في ذلك

شك. والاشتراكية هي الأمل المرموق الذي نتطلع إليه شعوب  العالم، وتتنزى شوقاً إلى تحقيقه.

ويوم يعم العالم النظام الاشتراكي، فأن هذا الصراع من أجل  العيش سينتهي إلى قرار، وعندئذ تنطلق القوى الروحية المطمئنة  لتعمل في كل أفق من الآفاق، وإنها لرحيبة بعيدة الأغوار.

فنحن نستطيع بعد هذا كله أن نطمئن الأستاذ   (الحكيم)   على مستقبل الشعر، لأن الرجاء في مستقبل روحي باهر هو رائد ا لإنسانية المكافحة في هذا الجيل الذي نعاصره، وإن كنا إلى  جانب ذلك نعتقد أن الشعر سيضيق مجاله عند الحد الذي لا يغنى  فيه إلا القول الموزون. ولا خسارة هناك من هذا الأمر، فأن  النقصان في هذا الفن سيزيده في ذاك، وسيظل الشعر مشعلاً من  مشاعل الفن المضيئة الملألئة التي يبهر بريقها الأنظار، وإن  علاه في هذه الحقبة شيء من الغبار.

اشترك في نشرتنا البريدية