الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 628الرجوع إلى "الثقافة"

مستقبل الصين

Share

خرجت الصين من صراع الحرب العالمية الثانية ، وهي إحدي الدول الخمس العظمي التي لها العضوية الدائمة في  مجلس الأمن . والتي لها حق " الفيتو ، أى حق الاعتراض على قرارات المجلس وتعطيلها . ولم تكن قوة الصين العسكرية هي السبب في حصولها على هذه المكانة الملحوظة ، بل كانت هناك عوامل وأسباب اخرى ليس هنا مجال الحديث عنها .

كانت الصين أضعف زميلاتها جميعا يوم أن خرجت من الحرب ، ولكن مقوماتها كدولة وإمكانياتها المختلفة كانت مما ينظر إليه بعين الاعتبار ؛ ثم جرت الأمور بسرعة واستطاعت الصين في فترة وجيزة أن تظهر كفوة حربية بحسب حسابها . وليس ببعيد أن تسترد الصين مكانتها التاريخية الممتازة قبل نهاية القرن العشرين ، فتصبح ولها في الشرق الأقصى الزعامة والنفوذ . وليس هناك ما يحول دون وصولها إلى هذه الغاية إلا ما عرف عنها من اضطراب الأحوال الداخلية منذ بداية هذا القرن . فلو استقرت الحال وتوقفت الحروب الأهلية لاستطاعت الصين أن تلعب دورا خطيرا في السياسة العالمية ، ذلك لأن لها كل المميزات التي تجعل من دولة ما قوة سياسية ثابتة الأركان .

وتكون الدولة مثالية لو توافرت لها المساحة الواسعة . والحدود الطبيعية المنيعة ، وسهولة الاتصال بالخارج . والمظاهر الطبوغرافية التى لا تعرقل الاستغلال . والثروة المعدنية الكافية ، والمناخ الصالح للسكن وللانتاج الزراعي . والأيدي العاملة الموفورة ؛ هذا كله فضلا عن الوضع الجغرافي المناسب .

هذه العوامل وإن اختلفت في أهميتها النسبية إلا أن لكل منها دورا يلعبه في شئون الدولة الداخلية ، أو في علاقاتها الخارجية ، ولعل أهم هذه العوامل جميعا هي الوضع الجغرافي والموارد الاقتصادية ، ثم القوى البشرية ، فكلها لها اثرها في استراتيجية السلام والحرب معا . وهي عوامل تؤثر في السياسة القومية سواء بطريق مباشر أو غير مباشر

وقليل من الدول هي التي تكاملت فيها هذه العوامل أو قربت من التكامل ؛ والصين من هذا القليل . فهي دولة تبلغ مساحتها نحو أربعة ملايين وربع مليون من الأميال المربعة ، أى أكثر من مساحة القارة الأوربية كلها ، ولو لم تكن للصين هذه الضخامة في المساحة لما استطاعت أن تقف للغزو الباباني ، إذ أن المساحة الواسعة

تساعد على الدفاع " العميق " أى الدفاع باستدراج القوي الغازية لتتعمق في داخل البلاد ، وبذلك تطول خطوط إمداداتها ويصعب عليها حماية هذه الخطوط . وتشارك الروسيا الصين في هذه الميزة الفريدة وقد افادت منها قديما في حروبها مع نابليون . وأفادت منها أخيرا في حربها ضد هتلر ولو أننا أسقطنا من حسابنا الصين الخارجية  أي منغوليا وسنكيانج والثبت ، فإن الصين الأصلية تظل دولة شاسعة المساحة تصل مساحتها إلى مليونين من الأميال المربعة . ومع أن المساحة الواسعة ليست دائما مرادفة للكفاية الذاتية ، إلا أن الصين كانت حسنة الحظ من هذه الناحية ، فوجدت في بيئاتها المتعددة ، الأنواع المختلفة من الموارد الاقتصادية . غير أن اتساع الأراضي لم يخل من جانب سئ ، إذ ترتبط به مشاكل المواصل والربط بين السكان المختلفين في الدولة المترامية الأطراف .

ولقد أدت عزلة الصين النسبية قديما إلي خلق ثقافة موحدة إلى خدما ، ولكن هذه الثقافة لا يزال ينقصها الكثير من مظاهر التجانس ، وهذا يرجع في المقام الأول إلى الفروق البيئية الواسعة ، ثم إلى صعوبة الاتصال بين هذه البيئات ، ولا بد من العمل على تحسين وسائل المواصلات حتى تتكامل الصين وحدتها الثقافية .

وفي غير الصين تجد أن معظم مشاكل الدولة السياسية مما يرتبط بحدودها بشكل ما . كما هي الحال في وسط أوربا وشرقها ، ولكن الصين تتمتع بحدود طبيعية ممتازة ، واضحة المعالم ؟ فيفصلها عن الهند سلاسل من الجبال العالية ، ويفصلها عن أراضي الاتحاد السوفيتي صحراء ، جوبي المجدية . ولا تضعف هذه الحدود إلا في الشمال الشرقي ، حيث تبرز الأراضي المنشورية على شكل قطاع في أراضي الاتحاد السوفيتي في المنطقة بين بحيرة بيكال وفلاديفنك .

وللصين ساحل طويل يمتد لمسافة أربعة آلاف ميل أى نحو ٣٠ % من طول حدودها البرية والبحرية معا ، وهو ساحل وإن يكن قليل الفجوات الصالحة لقيام المواني وخاصة في الأجزاء الدلتاوية منه ، إلا أنه لم يخل من موان ممتازة . وللصين تاريخ مذكور في الحركات البحرية القديمة حيث كانت مراكبهم في القرن الأول الميلادي تصل حتى جزيرة سيلان . ولكن مع هذا ظلت العقلية البرية هي

المتغلبة علي الصين في كل العصور ، خصوصا وهناك عوامل جغرافية يجعل توجيهها البحري أمرا ليس سهلا ولا ميسورا ، إذ تمتد على طول سواحل الصين مجموعات من الجزر تتحكم في الميناء الإقليمية للسواحل الصيفية كجزر الفليبين في الجنوب الشرقي وجزيرة فرموزا التي تتحكم في ساحل فوكين ثم جزر ربوكيو " لنشو " وقد كانت من الممتلكات الصينية ثم الت إلي اليابان في أواخر القرن التاسع عشر ، كذلك تحول شبه جزيرة كوريا والولايات البحرية من الاتحاد السوفييتي دون الاتصال ببحر اليابان . ومن ثم فلكي تكون الصين دولة بحرية قوية لابد لها من السيطرة على هذه الخطوط الخارجية من خطوط الحماية والدفاع .

والصين بلاد جبلية في جزء كبير من أراضيها . ولمثل هذا المظهر من مظاهر السطح أهميته من الناحية العسكرية ، وقد أفادت الصين منه كثيرا أثناء الحرب الصيفية اليابانية فكانت مظاهر السطح المتضرس مما يعوق حركات الغزو . ولكن هذا المظهر من ناحية اخري يعطل قوي الإنتاج الداخلية ، ويضعف من الاقتصاد القومي في ناحيتيه الرعوية والزراعية .

ومناخ الصين من طراز يلائم النشاط البشري وبشجع عليه ؛ فهي ليست شديدة الحرارة في الصيف ، ومعظمها مما لا تشتد برودته في الشتاء ، وهو مناخ يصلح لإنتاج كثير من الغلات الزراعية ؟ ومن ثم كانت بلاد الصين من أقاليم الغني والوفرة ، لولا أنها مزدحمة السكان إلي حد يلتهم كل ما ينتجه الفلاح الصيني المثابر من غلات .

ولا تزال الصين معدودة من البلاد الزراعية ، ولكن لها من مواردها المعدنية ما يجعل من السهل تصنيعها لو وجهت هذا الاتجاه . فهي وإن تكن فقيرة في زيت البترول ، إلا أنها غنية بالفحم غنى فائقا ، ومعادنها وإن تكن قليلة في كميتها ، إلا أنها كثيرة التنوع ، وهي على العموم مما يكفي قيام الصناعة ، وليس هناك ما يحول دون أن تصبح الصين شبهة بغرب أوربا أو بالولايات المتحدة الأمريكية .

وثروة الصين من الأيدي العاملة ثروة هائلة ، حتى إنها لتمثل أغنى جهات العالم من هذه الناحية ، ولكن هذه الثروة تنقصها الروح الصناعية ، غير أن خلق مثل هذا الروح أمر ليس مستحيلا . ومن قبل خلقت هذه الروح في

اليابان ، وكان ذلك أساس نهضتها الحديثة ، وليس ببعيد أن تبذل الصين الجديدة جهدها في هذا المضمار ، خصوصا وأن أمامها الكثير من الأعمال الضخمة ، كبناء الطرق وضبط الانهار وتحسين الإنتاج الزراعي والتوسع في الميدان الصناعي . وستجد الصين في ملايينها العديدة معينا لا ينضب يمدها بالقوي البشرية اللازمة لكل أعمال الإنشاء والتعمير .

وليس موقع الصين في الدرجة الأولى فيما يتصل بالتجارة الدولية ، ولكنه موقع ممتاز بالنسبة إلى الأسواق التجارية الواسعة المحيطة بها ، إذ لا يوجد في الإقليم الواسع الممتد بين الهند وأستراليا وسيريا السوفيتية دولة تستطيع أن تنافس الصين سوى اليابان ، وهي وإن تكن قد سبقت الصين في نهضتها ، إلا أنها خرجت مضمضمة من الحرب ولا تزال أمريكا تحول دون استعادتها لمركزها .

ولقد حدثت تغيرات واضحة في تجارة الصين الخارجية ، فبعد أن كانت دولة تعمل على أن تكفي نفسها بنفسها حتى إن

التجار لم يكن لديهم ما يمكن أن يزودوا به الصين من البضائع مقابل ما يأخذونه منها من الشاي والحرير . أصبحت الصين سوقا نافقة للمنسوجات القطنية وتجارة الغزل وللكروسين والسكر والكبريت والارز وكثير من المصنوعات . غير أن الصين في الفترة بين الحربين عملت على أن تنسج لنفسها الكثير مما تلبس ، وعلي أن نزود مصانعها بالكثير مما تحتاج ، ونظرا لرخص الأيدي العاملة وجدت هذه المصنوعات سوقها في جهات جنوب شرقي آسيا ، واستطاعت أن تنافس المنتجات اليابانية منافسة ناجحة .

هذه هي العوامل التي تجعلنا نؤمن بأن الصين دولة لها مستقبل باهر لو احسن توجيهها ، وتمكنت من استغلال الفرص الكثيرة السانحة أمامها . وأيا كان نوع الحكومة المسيطرة عليها ، فسوف تلعب الصين في يوم ما دورا ربما كان خطيرا .

اشترك في نشرتنا البريدية