الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 298الرجوع إلى "الثقافة"

مستقبل العالم

Share

دارت عجلة الزمن ، وأخذت الأمور تعود من حيث بدأت ، وتبدلت الأحوال وانقلبت الأوضاع ، فإذا قوي الأمس يدركه الوهن ، ويخرج سريعا عن مغانمه كما ظفر بها سريعا ، ويدب الضعف في أوصاله ، فتفلت من قبضته المتخاذلة المتراخية فرائسه التي كان يمسك بها بيد من حديد . وإذا خصومه الذين أخذهم على غرة ، وباغتهم بالحرب قبل أن يعدوا لها العدة ، قد صمدوا لحملاته وثبتوا لضرباته ، ولم يستكينوا لجبروته ، بل استعانوا عليه بالصبر والجلد ، وراحوا يستكملون الاستعداد ويجمعون له الرجال والعتاد ، ويتدربون على أساليب النزال والجلاد ، ويرتبون الخطط الدقيقة لمنازلته ، وتركوه يدل بقوته ، ويتيه برجاله وعدته ، ومدوا له في غروره بما أحرزه من نصر ، وما أنزله بالأمم الضعيفة من بطش وطغيان .

حتى إذا اطمأنوا لا كتمال أهبتهم ، ورجحان كفتهم ، وسلامة خطتهم ، أتوه من كل جانب ، وضيقوا عليه المسالك وطاردوه إلى عقر داره بعد أن دكوا معاقله وقطعوا عليه السبل ، وأخذوا يخرجونه من البلاد التي اجتاحها وسلبها حريتها وخيراتها ، ويفتكون بقواته  ومعداته ، فريقا يقتلون ويأسرون فريقا . وإذا سارت الأمور في مجراها الحالي ، واستمرت التطورات الأخيرة التى حدثت بميادين القتال ، ولم تجد أمور ليست في الحسبان ، جاز لنا أن نتوقع انتهاء الحرب وعودة السلام في أمد قريب .

وإن العالم ليتطلع بشوق ولهفة إلي ذلك اليوم الذي تنزاح فيه عن الناس تلك الغمة التي ظلت جاثمة على صدورهم خمس سنوات طوال ، ذاقوا فيها مرارة الألم ولوعة الأحزان ، وقاسوا فيها ألوان الشقاء ، وتجرعوا غصص

الحرمان ، واحتملوا فيها الشدة والضيق ، وصبروا على ما لاقوا من أذى ، وما فرض عليه من تكاليف شديدة ، وما قيدت به حرياتهم من قيود ثقيلة . روعوا في كل ساعة من ساعاتها بالفزع يأتيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن بين أيديهم ، وابتلوا فيها بنقص في الأنفس والثمرات . وامتحن فيها من امتحن منهم بالخروج عن الأوطان ، وفقد الأهل والمال ، وخربت فيها كثير من الديار ، ودمرت في لحظات ما شادته الأجيال في سنوات .

وسيطلع السلام حين يطلع على عالم مخرب محطم القوى ، ممزق الأوصال ، تسوده الكآبة والحزن ، ويشيع فيه البؤس واليأس ، ويعمه اليتم والثكل ، ويخترمه المرض والجوع واختلال الأعصاب . وسيمتزج شعور الفرح بعودة السلام بعبرات الحسرة على ما أحدثته الحرب من فجائع ، وما خلفته من هموم .

والمهمة التي تنتظر أقطاب العالم وقادته مهمة ثقيلة ، فإن عليهم أن يبادروا بعد أن تضع الحرب أوزارها بتضميد ما أحدثته من جراح ، وتعمير ما تركته من خراب ، وتدارك من تركتهم على أبواب الفناء ، يتولونهم بالإسعاف السريع الذي ينقذ حياتهم

وسيجتمع هؤلاء ، الأقطاب حين يجتمعون حول مائدة الصلح وتسوية الأمور مع المعتدى المغلوب أيسر الخطوب ، وإنما المشكلة الحقيقية التي سيواجهونها هي أن يصلوا لحل يكفل للعالم سلاما دائما ، ويحول دون تكرر وقوع حرب كتلك الحرب الهوجاء التي اتت على الأخضر واليابس ، واكلت في بعض سنوات ما كدت الإنسانية في جمعه وتحصيله أجيالا ، ولم يسلم من ويلاتها غالب ولا مغلوب ، ولا قريب أو بعيد ، ولا محارب أو محايد . والمشكلة الحقيقية أن يعيدوا بناء العالم على تلك الأنقاض المتهدمة ، وينفخوا الروح في تلك الشعوب المنهوكة المضعضعة ، ويبعثوا الحياة في أمم قد استنزفت دماءها ،

وقطعت أوصالها ، وكادت تفقد كل أسباب البقاء والمشكلة الحقيقية أن يكفلوا للناس الأمن والطمأنينة ، ويقيموا الروابط بينهم على أسس المودة والتفاهم ، ويزيلوا من طريق تقاربهم العوائق والأشواك ، ويعيدوا بينهم الثقة المفقودة .

ولسنا ندري إلى أي حد يوفق مؤتمر الصلح في حل تلك المشاكل ، ولا أي الطرق سيسلك في معالجتها ، ولكنا نعلم أن هناك أقوالا كثيرة قد أذيعت ، ومواثيق قطعت ، وعهودات نشرت ، وأن الناس قد منوا الآماني ، وباتوا يحلمون بعالم الغد السعيد ، ويتخيلونه فردوسا حقيقية ينعم فيها الناس بالدعة والوفرة ، ويأمنون فيها الجوع والخوف ، ويتمتعون فيها بالحريات جمعاء ، وتمتنع بينهم الخصومات وتسود المحبة والوئام ؟ فهل يتحقق ذلك الحلم ، أم يصيب تلك المواثيق والعهود ما أصاب شروط ولسن في الحرب العالمية الماضية ؟ وهل يكون المؤتمر عبرة فيما كان من معاهدة فرساي وما جرته على العالم من ويلات ، أم تنسيه نشوة الظفر عظات التاريخ ويقع في نفس الأخطاء ؟ وهل تعالج تلك المشاكل بروح إنسانية واسعة الأفق ، أم تتغلب الأنانية القصيرة النظر وتسود النزعات القومية الضيقة ، فتبذر في النفوس بذور الأحقاد والفتن ، وتهيأ الأسباب لحروب جديدة أشد هولا وفتكا وأفظع تدميرا ؟

إن الأمر يتوقف إلى حد كبير على ساسة الأمم الكبيره التي ستحتفظ بقوتها بعد الحرب ، وتكون لها الكلمة العليا في تقرير مصير العالم ووضع الأسس التي ستقوم عليها من جديد . فإذا كان هؤلاء الساسة يقدرون التبعة الكبرى التي يلقيها التاريخ على عاتقهم ، ويسمون بأنفسهم فوق منزلتهم القومية إلى مكانة الزعامة العالمية ، وينظرون للإنسانية جمعاء على أنها وحدة متماسكة لا يطيب فيها العيش في جانب إذا شقي جانب ، ولا يسود الأمن

ناحية إذا اختل في أخري ، ولا ينعم أهلها جميعا ، حتى يتوزع الخير بينهم ، ويتقاسموا ثمرات الأرض بالعدل والإنصاف ؛ إذا دخل هؤلاء الزعماء مؤتمر الصلح بتلك العقلية الواسعة ، وطرحوا وراء ظهورهم أنهم يمثلون أمة يريدون أن يمكنوا لها في الأرض ، ويوطئوها أكناف الأمم الأخرى ، ويقوونها على حساب غيرها ؛ إذا أقبلوا على معالجة المشاكل العالية بتلك الروح الكريمة البعيدة النظر أنقذوا الإنسانية ، وخلدوا لأنفسهم المجد الدائم ، وحفظوا أممهم وأمم الأرض كلها من ويلات الحرب  أما إذا تغلبت الاعتبارات الخاصة ، وعالج المؤتمرون تلك المشاكل العالمية بالعقلية القديمة وأساليب السياسة التقليدية ، فان الأمر لا يعدو أن يكون تهادنا مؤقتا ، وسيكون السكون الذي يعقب العاصفة سكونا خادعا ، وستعمل في الخفاء نفس العوامل التي ولدت الحرب الماضية ، ولن تجدي في منع الكارثة كل الاحتياطات والضمانات التي تتخذها الأمم القوية لمنعها

لقد سئمت الإنسانية تلك الحال المضطربة ، وآن أن يقوم في العالم نظام سليم يماشي الخطوات الواسعة التي خطاها العقل الإنساني والتقدم العلمي الذي احرزه ، ولا يصح أن يتعرض العالم لمثل تلك الامتحانات القاسية بسبب أخطاء من يتولون أمور السياسة في بلادهم . ويجب أن يقوم في الوجود رأي عالمي عام يوجه أولئك الساسة في الطريق الصحيح . وأولى الناس بأن يقودوا هذا الرأي العام هم العلماء والحكماء الذين ، يستطيعون ان يبصروا الناس بما يتهدد الإنسانية من اخطار بسبب تطاحن اممها وتنازعها ، وما يمكن ان يتوافر لها جميعا من الخير إذا نظمت امورها على قواعد العلم ، وتقاسمت ثمرات الأرض على أسس العدل والإنصاف .

وإذا كنا نطمع أن تتغلب الاعتبارات الإنسانية ، وان تسود الحكمة قرارات مؤتمر الصلح ، ثقة بأعلام الأمم الديمقراطية ، واطمئنانا لما يملأ قلوبهم من الإيمان بالعدالة وحب الحرية ، فإن هذا لا يمنعنا من الحذر والاستعداد لأسوأ الاحتمالات .

إن مصر لم تشترك في الحرب اشتراكا مباشرا ، ولكنها كانت مركزا هاما من مراكزها ، وكان وجودها في صف الحلفاء ، وإن لم تدخل الحرب بالفعل عاملا هاما في تطورها لمصلحتهم . وهي وإن لم يصبها ما اصاب غيرها من الأمم المشتركة بالفعل في الحرب ، فإنها لم تنج من إذاها ، وقد ساهمت بنصيب مادي كبير في خدمة قضية الحلفاء

وسيكون لتلك الاعتبارات بلا شك قيمة حين تعالج المشاكل العالمية ، وتقرر مصائر الشعوب ، ولكننا مع اطمئناننا لذلك يجب أن نحتاط للأمور ونرقبها بكل حذر . ولن نسئ الظن بأحد ، ولكن يجب أن يتبين الجميع بجلاء أننا قوم لا نتسامح قيد أنملة في حق من حقوقنا ، ولا نقبل أن تمس كرامتنا على أية صورة ؛ وأننا أصبحنا نتطلع إلى زوال القيود الصغيرة الباقية التي تقيد استقلالنا وتحد من سيادتنا في بلادنا ؛ وأن التقلبات السياسية التي تمخضت عنها الحرب خليقة أن تطمئن حليفتنا إلي أنها لم يعد لها من تخشاه ممن يجاورنا ، وانها حرية أن توفر ما كانت تتحمله من متاعب في سبيل الاحتياط والمحافظة على طريق مواصلاتها للشرق . ويجب أن نكون يقظين متأهبين للعمل ، وان  ننسي الخلافات الصغيرة التي تفرق بيننا أفرادا وجماعات ، وأن نستعد من الآن لعهد عالمي جديد ، لا يصح أن نكون فيه كما مهملا ، تقضي الأمور ولا يسمع لنا صوت ، وتسير من غير أن يؤخذ لنا رأي .

اشترك في نشرتنا البريدية