قرأت مقالا للفيلسوف البريطانى برتراند رسل كتبه حديثا فى مستقبل العالم ، فأحببت أن أستوحى كتابته للقراء ولنفسى .
إن عالم اليوم فى هلع وفزع ، وهرج ومرج ، وحيرة واضطراب ، من جراء ما اخترعه العلم الحديث من أسلحة نارية وقنابل ذرية تتكاثر على مدى الزمان . ومتى تكاثرت فستنفجر يوما ما إن عاجلا وإن أجلا ، ويزيد في هذاالخطر خلو العالم الإنسانى من الضمير الحى ، ورغبة بعض الناس فى وقوع الحرب ، لأنها مظهر من مظاهر البطولة وحب التضحية ، وقد شغف بهما بعض الناس , فأحبوا آلهة الحرب بأشكالها المختلفة . وما لم يحدث ما ليس فى الحسبان ( كالاتفاق على إلغاء الحرب وموت بعض الزعماء اللذين يدعون إليها ونحو ذلك ) فسيواجه العالم مشاكل عديدة ، وتكون النتيجة أحد أمور ثلاثة :
أولا : فناء البشرية . ثانيا : عودة العالم إلى البربرية . ثالثا : توحيد العالم وخضوعه لحكومة واحدة .
فأما فناء البشرية ، فيكون - إن حدث - نتيجة للأبحاث التى يقوم بها العلماء فى القنابل الذرية وتحسينها والإكثار منها ، وربما كان حدوثها سببا فى انفجار الطاقة البشرية ف كل الكائنات ، حتى يصل ذلك إلى الشمس فتفجر أيضا ، وتكون نتيجة ذلك إنهاء هذا العالم . وقد لا يحدث هذا فى الحرب القادمة ، ولكنه يحدث إذا تقدم العلم فى هذا الطريق . وكل الدلائل تدل على الوصول إلى هذه الغاية ، واحتمال وقوعها . والله تعالى يقول : (( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس )) . وهذا ما هو حادث اليوم . فقد
ازينت الأرض بالمخترعات الحديثة ، وظن أهلها أنهم يستطيعون التغلب على القوانين الطبيعية ، وأصبح من خلق العلم الحديث إخضاع القوى الطبيعية واستعبادها بعد أن كانت النفوس البشرية تصادقها ولكن لا تخضعها .
أما الاحتمال الثانى ، وهو عودة العالم إلى البربرية ، وبدؤه من جديد بناء الحضارة وتهجيه ألف باء بعد أن وصل إلى الياء ، فيأتى من احتمال أن الحروب القادمة تزيل الأمم المتحضرة ولا يبقى على وجه الأرض إلا المتبربرون سكان الصحارى وأمثالهم , فيبدأون من جديد في تعمير ما خرب ، وتمر عليهم أعوام يكتشفون فيها المعادن ، ثم آلاف السنين يكتشفون فيها الآلات ، وهكذا يعيد التاريخ نفسه .
وأما الاحتمال الثالث ، وهو إنشاء حكومة واحدة تحكم العالم ، فقد يحدث ، كما حدث لتطور الفرد ، فقد كان الفرد إذا غصب حقه استرده بالقوة ، وذلك قبل إنشاء المحاكم ، فلما رقى وجدت المحاكم للفصل في المنازعات وحرم أخذ الحق بالقوة ، ودعمت المحاكم بالبوليس والقوى التنفيذية ؛ فلماذا لا تصل الأمم إلى ما وصلت إليه الأفراد ، فلا يكون هنالك حرب لدفع الظالم ، ولكن إذا اعتدت أمة على أمة ، فصلت محاكم كمحاكم الأفراد فيها ، وكان لها من القوة التنفيذية ما تستطيع أن تنفذ به حكمها ، وقد أدرك هذا المقترحون لانشاء محكمة العدل الدولية ، وعصبة الأمم ، وهيئة الأم المتحدة ، ولكنهم مع الأسف قد فشلوا ، لأنهم أنشأوها محكمات أو هيئات أفلاطونية ، لا تملك وسائل التنفيذ ، فهى محكمة ليس لها بوليس ، وذلك الاحتمال يحدث عند نشوب حرب عالية تكون من نتيجتها اكتساح روسيا لبريطانيا وفرنسا ، ويبقى العالم أمام قوتين : روسيا وأمريكا . وهما الدولتان العظيمتان فى العالم
اليوم . فإن انتصرت أمريكا الرأسمالية ففى ذلك مزاياه وعيوبه ، فمن أكبر عيوب أمريكا ، هذه الرأسمالية والفروق الكبيرة بين الطبقات ، ومن مزاياه حرية الرأي وحرية القول وحرية الصحافة وحرية العلم وحرية الأدب والفن . وهى مزايا لا يستهان بها . يقول برتراند رسل : إنه شخصيا يفضلها على كل ما عداها ، ويأمل نجاح أمريكا لهذه الغاية . وإن انتصرت روسيا فلها كذلك مزاياها وعيوبها : فمن أهم عيوبها الحجر على حرية الرأي والبحث والعلم واستخدام الأدب والفن في خدمة السياسة ، ومن مزاياها - كما يقال عنها - المكافأة على العمل لا على رأس المال . وقد يقول قائل : من أين عرفنا هذا وروسيا مغلقة الأبواب ، فنقول : إن روسيا لما استولت على بولندا طبقت عليها نظامها ، وبولندا مفتحة الأبواب تحت أعين من يراها ، وقد كان فيها طائفة مثقفة شردت وأهينت وكبتت . ومن استطاع
البقاء منها جارى نظام السوفيت ، وأصبح أدبها أدبأ فى خدمة الشيوعية ، ومن المعقول أنه إذا انتصرت روسيا كانت حكومنها هى الحكومة العالمية واكتسحت ما عداها ، ونفذت آراءها بالقوة ، وكان شأن العام كله شأن بولندا الآن . ومن غير شك ، إذا كانت هناك حكومة عالمية موحدة ، لم يخل نظامها من ثورات تحدث بين حين وآخر ، كالذي يحدث في كل أمة . خصوصا في أول أمرها ، ولكن مصير تلك الثورات إلى فناء ، وستتسكع الدولة الجديدة فى سيرها ، كما تسكعت محاكم الأفراد فى أول أمرها حتى تستقر على مدى الزمان . فأى هذه الاحتمالات الثلاثة هو الذى سيحدث ؟ أم لايحدث هذا ولا ذلك ، بل ما يحدث ما قال أبو العلاء : ( وتقدرون فتضحك الأقدار ) ؟ علم ذلك عند الله .
