الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الرسالة"

مستقبل الكتاب

Share

هذا موضوع يثير اليوم كثيراً من الجدل. ويتساءل أقطاب  التفكير الرفيع اليوم هل سيقضي على الكتاب في المستقبل القريب؟  لقد تناقض قراء الكتب القيمة إلى درجة تثير الجزع في جميع الدوائر  الأدبية، والإجماع على أن ذلك يرجع بنوع خاص إلى تأثير السينما  والراديو والمجلات المصورة، والمجلات الأسبوعية، وذيوع الأدب  الغث من القصص البوليسية وغيرها ذيوعا هائلا؛ بيد أنا قرأنا أخيراً  فصلا لكاتب فرنسي كبير يذهب فيه في تعليل هذه الأزمة الأدبية  مذهباً آخر؛ فهو يسلم بما للسينما والراديو من أثر في إحداثها،  ولكنه يقول إن هناك سببا آخر أثرا، وهو أن أقطاب الكتابة  في عصرنا لم يفلحوا في الوصول إلى العاطفة الشعبية، ففي القرن  الماضي مثلا كان كتاب مثل بلزاك وفيتكور هوجو وأميل زولا

وفرانسو كوبيه، وغيرهم يصلون بسرعة إلى أعماق قلوب الشعب،  ولكن هذه الطبقات الشعبية تكتفي اليوم بقراءة الرواية البوليسية  أو مشاهدة السينما؛ وكيف لا يكون ذلك وأكابر كتاب العصر،  مثل جيد وبروست وفاليري وغيرهم يقصدون بما يكتبون طبقة أو  طبقات معينة من الخاصة؟ فالشعب يقرأ في الواقع ما يكتب له،  فإذا نأى عنه عظماء المفكرين فهو بدوره ينأى عنهم.

وهكذا يغدو الميدان حرا لرواج الأدب الغث الرخيص، ويفقد  الجمهور شيئا فشيئا الرغبة في تذوق الأدب القيم، ولا يطلب إلا نوعا  للتسلية وتمضية أوقات الفراغ في المكتب أو المصنع أو قبيل النوم،  ويقضي على كل مجهود يبذل لترويج الكتاب القيم بالفشل لأنه  لا يلائم ذوق الجمهور ولا يرضي عواطفه.

ونحن نوافق الكاتب في أهمية هذا التعليل النفسي الذي يقدمه  شرحا لازمة الكتاب؛ بيد إننا لا نعتقد أنه بتعليل حاسم، وهناك  بلا ريب عوامل كثيرة أخرى لها قيمتها؛ ومن المحقق أن الكتاب  فقد كثيرا من نفوذه وسحره القديم بفعل التطورات الفكرية  والاجتماعية المعاصرة.

اشترك في نشرتنا البريدية