الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 189 الرجوع إلى "الثقافة"

مستقبل المدنية

Share

أذاع المستر جود c.E.M.Joad أستاذ الفلسفة وعلم النفس في كلية بركيك Burkbeek بجامعة لندن اربع محاضرات عن مستقبل المدنية شخص في المحاضرتين الاوليين ما اصابها من علل ودواء ، وحاول في المحاضرتين الآخرتين يصف لها الدواء وسنلخص هذه المحاضرات الأربع في هذا المقال وفي المقال الذي يليه . قال المستر جود ؛

ماذا أصاب مدينتنا ، هذه المدنية العجيبة التي ظل أباؤنا طوال القرن التاسع عشر يمجدونها ولا يخالجهم شك في عظمتها ؟ لقد كان هؤلاء الآباء من قرن من الزمان يؤمنون بما يسمونه ) قانون الرقي ، الذي يقول إن كل جيل من الناس يرقي علي أكتاف الجيل السابق له ، ويسمو عليه في العقل والثقافة والعلم والصحة والسعادة

والثروة ووسائل الراحة . نعم إن هذا الرقي قد تعترية من حين إلى حين فترات ركود أو انتكاس قصيرة الامد ، يقف في أثنائها تياره أو يرتد إلي الوراء ، ولكنه لا يلبث أن يبدأ سيره من جديد . وكان العالم في نظر أهل تلك الأيام عالما طبيبا جميلا جديرا أن يعيش فيه الانسان أرقي خلق الله . هذا ما كانوا يقوله من قرن واحد ، فانظر الآن ما يقوله المستر إبدن Eden وزير الخارجية البريطانية في وصف أيامنا هذه قبل ان تشب نار الحرب الحاضرة :

" إذا ظلت الأمور سائرة كما تسير اليوم انحط الجنس البشري وعاد إلى حالته التي كان عليها في الازمنة الغابرة ، حين كان يعيش في الكهوف لا فرق بينه وبين الحيوان المتوحش . ولست أدري ماذا عسي أن يقول عنا إنسان اطل علينا من أحد الكواكب ورآنا منهمكين في إعداد وسائل التقتيل والتدمير والبحث عن خير الوسائل التي

تعيننا على الوصول إلي هذا الغرض " .

والحق أننا قد بعدنا كل البعد عن تفاؤل القرن التاسع عشر ، واخذت الكثرة الغالبة من المفكرين تؤمن بنظرية الدورة في الحضارة ، وهي النظرية التي تقول إن المجتمعات تمر خلال دورات أو مراحل محددة واضحة المعالم ، شأنها في ذلك شأن الأفراد سواء بسواء ؛ فكما أن الأفراد ينتقلون من مرحلة الطفولة إلى الكهولة ، وينتجون خير أعمالهم ، متي كمل نموهم الجسمي والعقلي ، ثم يأخذون في الهرم والانحطاط حتى ينتهي أمرهم بالموت ، كذلك يحدث المجتمعات .

وقد شرح أوزول اشبنجلر Oawaid Spenglerهذه النظرية شرحا وافيا في كتابه " اضمحلال الغرب " The Decline Of t West فقسم حياة المدنيات إلي  عدة مراحل أهمها مرحلة الشباب والفتوة ، وفيها تكون العقيدة الدينية حية قوية ، ويري الناس ان العالم كله يسير على نظام موضوع ويعمل لغرض معين ، وان الحياة ثمينة

جديرة بأن يحتفظ بها الانسان . وتلك مرحلة الحكومة القوية والتوسع الحربي ، وهي ايضا مرحلة الإلهام القوي في الآداب والفنون وقد يكون الفن فيها ساذجا خشنا ولكنه مع ذلك قوي فني ، وفي آخرها تصل الفنون والاداب إلى ذروة مجدها ، وفي وسع الحكومة في هذه الرحلة ان تكون متسامحة واسعة الصدر بعد أن ثبتت دعائمها من عهد طويل ، وتصبح حياة الطبقات الوسطي والعليا في المجتمع الانساني راقية منعمة . وينطبق هذا الوصف علي اثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ، وعلى رومة في عهد

أغسطس ، وعلي فرنسا في القرن الثامن عشر ، وعلى انجلترا في عهد الملكة فكتوريا

ثم يبدأ بعد ذلك عهد الاضمحلال ، ويكون في أول أمره خفيا لا يتنبه إليه الناس ، فيختفي عهد الالهام الجياش القوي في الأدب والفن ، وتري الحكومة التي أصبحت

دمقراطية من عهد طويل أن لا سبيل لها إلى الاحتفاظ بسلطانها إلا باسترضاء الشعب ليظل هادئا خاضعا لها مطيعا لامرها ؛ فكانت رومة تسترضية بالطعام وحفلات الصراع ، وتسترضية الحكومة الانجليزية اليوم بحفلات كرة القدم وإعانات العجزة والمتعطلين . وفي هذه المرحلة يبدو العالم للكثيرين من الناس نظاما لا معنى له ولا يسير إلي غاية مقصودة ، ويعتنق العدد الجم من الناس الفلسفة الوحيدة

التي يفهمونها في تلك الظروف ، فلسفة كل واشرب فانك ميت في الغد ، وهي الفلسفة التى يؤمن بها عدد كبير من الشبان في بلاد الغرب المتعدية في هذه الأيام ثم لا تلبث هذه المدنية ان تنهار إذا ما مسها عدو خارجي أو غلبت عليها عوامل الفساد الداخلي الكامن فيها .ثم

بعدئذ تبدأ الدورة من جديد ، ويقول اشبنجلر إن هذا او ما يشبهه هو النظام الذي مرت ، جميع المدنيات العظيمة ، مدنيات أشور وبابل ومصر واليونان ورومة وإيطاليا في عهد النهضة وفرنسا في القرن الثامن عشر

وهذه النظرة المتشائمة تؤيدها أدلة كثيرة ، ومن أهمها ما أورده السبر فلندرزبتري Flenders Petrie العالم الأثري الشهير الذي قضي معظم سني حياته ينقب في رمال العراق وإيران ، وهو يقول في كتاب له نشر أخيرا إنه كشف في خرائب هذه البلاد ما لا يقل عن سبع حضارات مختلفة بلغت كل واحدة منها درجة من الرقي لا تقل كثيرا عن حضارة هذه الأيام

وإذا نحن قلبنا الفكر في نظرية اشبنجلر وأبحاث بتري فلا بد ان يواجهنا هذا السؤال ، وهو : " إذا كانت نظرية اشبنجلر صحيحة اليس معني هذا ان هناك عيبا أساسيا في طبيعة الجنس البشري بجعل من المستحيل عليه بعد أن يصل إلى مستوي خاص في الحياة ان يحتفظ بل يبدأ عاجلا أو آجلا في الانحدار عنه ؟ وإذا فرض ان هناك حقا ذلك القانون قانون الفناء والاضمحلال

الذي تتأثر به الجماعات كما يتأثر به الأفراد ، فلم تفرض أن مدنيتنا الحاضرة لا ينطبق عليها هذا القانون نفسه ؟ وماذا يمنع أنت تكون الحرب الحاضرة بداية نهاية هذه المدنية ؟

وإذا صح قانون التطور الذي يقول إن الانسان إذا لم يكيف نفسه حسب العالم الذي يعيش فيه فقد حق عليه الفناء ، فالى أي حد قد استطعنا أن نكيف انفسنا للحياة في هذا العالم الجديد الذي خلفه لنا العلم في هذه الآيام ؟ وإلي أي حد كانت محنتنا الحاضرة راجعة إلي عجزنا من الملاءمة بين أنفسنا وبين ظروف هذا العالم ؟ . لا شك في ان الصفة الغالبة على مدنيتنا الحاضرة هي انعدام الموازية بين قدرتنا وحكمتنا او إذا شئت بين سيطرتنا على الوسائل

المؤدية إلى الحياة الطبية النافعة وبين علمنا بكيفية التمتع بهذه الحياة ، أو بتعبير آخر بين العلم من جهة وبين الأخلاق التي تعني بالحياة الطيبة الصالحة للأفراد ، والسياسة التي تعني بتوفير الحياة الطيبة للجماعات والافراد من جهة اخري . فأما من ناحية القدرة أي القوة التي حيانا بها العلم واستطعنا بها أن نكشف الأسرار الكامنة في الطبيعة ونسخرها لمصلحتنا ، فأما من هذه الناحية فقد

سبقنا كل من تقدمنا من الأجيال . وأما من ناحية حكمتنا أي من ناحية علمنا بكيفية استخدام هذه القوي فإننا لم نرق عن كثير من أجدادنا الأسبقين ، بل إننا من بعض الوجوه أحط من الاثينيين الأقدمين .

لقد وهبنا العلم قوي لم يكن يحلم بها أجدادنا السابقون ، ولكننا نستخدمها بعقول الأطفال أو المتوحشين . ولأضرب لذلك المذياع مثلا ، لقد أجهد عشرات بل مئات من العباقرة أنفسهم حتى أوجدوا هذا الجهاز العجيب ، فماذا كانت نتيجة هذه الجهود ؟ لقد استخدم المذياع في إذاعة أحاديث المسرح ونتائج سباق الخيل والدعاية المزيفة والأعلانات الكاذبة عن السلع ونحو ذلك وهاكم مثلا

آخر : تصوروا الجهود الجبارة التي بذلت لاختراع مركب أثقل من الهواء ، ولكنه قادر على ان يسبح في الهواء ، تصوروا ما استخدم لاختراع هذه الآلهة العجيبة من علم بقوانين الميكانيكا والكهرباء والاحتراق الداخلي وغيرها . تصوروا ما أظهر هؤلاء الطيارون الأولون الذين خاطروا بأرواحهم وهلكوا بالمئات في تجربة هذه الآلات من آيات البطولة وصدق العزيمة والتضحية في سبيل المنفعة العامة

فما هي الأغراض التي استخدمت فيها الطيارة في الماضي والتي يبدو انها ستظل نستخدم فيها في المستقبل ؟ إن اهم هذه الأغراض هو إلقاء القنابل التي تمزق الأجسام وتدك المباني وتهلك السكان الأمنين الدين لا يستطيعون أن يتقوا شرها

هذان مثلان من القوي التي حيانا بها العلم ومن الأغراض التي استخدامنا فيها هذه القوى ، وهناك عشرات اخري من هذه الأمثلة تذكر فيها السما الناطقة والأشعة السينية والكهرباء بأنواعها .

كل هذا يؤدي بنا إلى التفكير في قيمة العلم بوجه عام وما افادته منه مدنيتنا الحاضرة . لقد أفادت الحياة الإنسانية من العلم الشئ الكثير ؛ فهو الذي خفف متاعبها وزاد بهجتها ، وهو الذي وهبنا الدفء ، والضوء واللباس الرخيص والطرق الممهدة ، وأراحنا من كثير من الألم والعناء ، حتى كدنا ننسي سيئاته ونعده خيرا محضا ؟ ولكن العلم ليس خيرا ولا شرا في ذاته ، وكل ما يفعله انه يشبع

الرغبات البشرية ويزيد الانسان قدرة على تحقيق أغراضه ، فإذا كانت عدة الرغبات والأغراض طيبة بوجه عام ، وإذا كانت تعمل خير الناس ، كانت هذه القوة التي تأتي عن طريق العلم خيرا لا شرا . أما إذا كانت الرغبات والأغراض سيئة شريرة ، تعمل لشقاء الانسان وتعاسته ، فان هذه القوي التي يهبها العلم للانسان تكون شرا من أخبث الشرور .

وما شأن هذه المجتمعات البشرية التي نسميها الدول ؟ وهل هي خيرة او شريرة ؟ إن الأفراد من الرجال والنساء ليسوا خبيثين كل الخبث أو طيبين كل الطيبة بل فيهم الخبيث وفيهم الطيب . اما الدول فيخيل إلينا ان الشر غالب عليها ؛ ونقصد بذلك أن الرغبات التي توحي إليها بأعمالها والأغراض التي تسمى لتحقيقها ترمي بوجه عام إلي تعاسة البشر وشقائهم . إن هذه الرغبات تدفعها إلي قتال غيرها من الدول ، وإلى إذلال الشعوب الضعيفة

واستبعادها ، ثم استغلال هذه الشعوب وتسخيرها لمنفعتها ، وكلها رغبات يوحي بها الشره والنهب وحب السلطان ؛ فكان كل ما فعله العلم انه اختار نوعا من الكائنات الحية ، هو النوع البشري الذي تسيره هذه الرغبات ، ثم وهبه من القوة ما لم يكن يحلم به من قبل ، فاستخدمه في اسوا الأغراض ؛ وكانت النتيجة ان اشرفت مدنيتنا الحاضرة على الانهيار ، لعجزها عن السيطرة على القوي الى وضعها العلم تحت تصرفنا . لقد استطعنا أن نسبح في الهواء كما يسبح الطير في السماء ، وكما يسبح السمك في الماء ،

ولكننا لم نعرف بعد كيف نسير على الأرض آمنين مطمئنين ؛ وعلة هذا كله هي الهوة السحيفة التي بين قوانا وحكمتنا . لقد وهبنا العلم مفاتيح الحياة الطيبة ، ولكننا عجزنا عن استخدامها ، أي أننا سيطرنا على وسائل الحياة الطيبة ، ولكننا جهلنا أغراض هذه الحياة ، ومن أجل هذا التفاوت بين قدرتنا وحكمتنا كانت مدنيتنا مدنية عرجاء ذلك هو الداء الوبيل الذي تشكو منه هذه المدنية ،

والذي يعمل على تفويض أركانها ؛ وعلاج هذا الداء ينحصر في العمل على تقليل الفرق بين قدرتنا وحكمتنا ، وسد الثغرة التي بين العلم والاخلاق . اما السبيل إلى ذلك فهو موضوع المحاضرتين الثالثة والرابعة من محاضرات المستر جود اللتين سنلخصهما في مقالنا الاتي إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية