ينبغي ان نبحث حال المرأة الأوربية في الحرب الحاضرة حتى ندرك ما هي مقبلة عليه من التطور في المستقبل القريب . لقد تحدثنا إليك في مقال سابق عن الخطوات التى خطتها المرأة الإجليزية حتى كسبت من القوانين ما سمح لها بالانتخاب ، وما سمح لها بأن تتساوي مع الرجل في حق التوظف . وقد اتخذنا المرأة الإنجليزية مثلا لما بلغته المرأة الأوربية بوجه عام ، فلنبحث حالة المرأة الإنجليزية إذن لتري إلي أي حد أفاد منها المجتمع الإنجليزي ، ولندرك النظرة الحديثة لشئون المرأة .
منذ أن تساوت المرأة والرجل في حق التوظف في سنة ١٩١٩ قامت المرأة بكثير من الوظائف التي كانت قاصرة على الرجال فيما مضي . أما عن صناعة الطب فقد أقبلت عليها النساء ، حتى كان عدد طالبات الطب
أربعة آلاف كل عام في السنين التي سبقت الحرب الحاضرة . وقد اصبح عدد الطبيبات عشرة في المائة بالنسبة لمجموع الأطباء في بريطانيا . وساعد علي الإقبال علي احتراف الطب فتح عيادات قاصرة على الأمهات ومراكز لرعاية الطفل هذا إلي أن كثيرا من المستشفيات في إنجلترا قد أصبحت تديرها النساء فلا يدخلها إلا الطبيبات وكانت صناعة التعليم أوسع مجالا للمرأة ، فقد استمرت تقاليد المعلمات في إنجلترا ، وتفتحت أبواب الجامعات للمرأة ، واضطرت الجامعتان الكبيرتان أكسفورد وكمبردح إلي استقبال الفتيات ، إما طالبات وإما مدرسات وأستاذات . ولم تستطع المرأة الإنجليزية في ربع القرن الماضي أن تقتحم صناعة المحاماة ، لكن كثيرا من النساء الإنجليزيات قد مارسنها من غير تفوق ظاهر . ثم إن كثيرا منهن قد التحقن بمعاهد الصيارفة وبشركات الأراضى ، وأصبحن مديرات لبعض هذه الجماعات ، وبدا أن تجربة ربع القرن كانت ناجحة إلي أقصي حد .
وتفتحت للمرأة وظائف الحكومة فالتحقن بها . وسمح للنساء ان يكن موظفات ولكن لم يسمح لهن بعد أن يلتحقن بالسلك السياسي ؛ فليس للمرأة الإنجليزية أن تكون قنصلة ولا وزيرة مفوضة ولا سفيرة وقد حاولت جماعة من النساء في مبدأ هذه الحرب ان يتقدمن لهذه الوظائف ، ولكن منع ذلك تقاليد الحكومة الإنجليزية ، على الرغم من أن النساء في الروسيا يمثلن بلادهن تمثيلا سياسيا .
ومنذ أن سمح للمرأة أن تكون عضوة في مجلس العموم انتخبت نساء قليلات . ويمثل الجنس اللطيف اليوم ثلاث عشرة عضوة من بين ٦١٥ عضوا يكونون المجلس ؛ وهو عدد قليل إذا قسناه بالجهود التي بذلت في سبيل حق الانتخاب ، منذ قام جون ستيورت ميل يؤيده إلي أن أبيح للمرأة في سنة ١٩٢٨ . على أن التمثيل النيابي في الحكومات المحلية وفي المجالس البلدية أوسع من ذلك بكثير . فكثير من النساء ينتخبن اليوم في مجالس المقاطعات أو المدن ، وكثير منهن يفدن من ذلك كل الإفادة حينما يختلطن بالرجال ، وحينما يحاولن الدفاع عن وجهات النظر التي تراها المرأة دون الرجل
والحكومة الإنجليزية من جانبها تقدر كل ذلك ، لولا ان هناك موضعا أو موضعين يطالب النساء فيهما بمطلب أو مطلبين .
أما أول هذين الموضعين ، فهو أن المعلمات والموظفات في إنجلترا لا يتقاضين من المرتبات مثل ما يتقاضى الرجال ويري النساء ان هذا إجحاف بحقوقهن ، فهن يطالبن بأن يتقاضى النساء ما يتقاضاه الرجال تماما ، وان يعاملن معاملة عامة لا تفريق فيها بين النساء والرجال من حيث المرتب .
وأما الموضع الثاني ، فهو أن هذه الحرب قد قلبت بعض الأوضاع ، وان حقوق المرأة لم تصبح قاصرة على ما كان
يفهمه الناس منها قبل الحرب الماضية ، بل لقد انقلبت " حقوق المرأة " فلم تعد شيئا يختص بالحقوق السياسية ولا بالحقوق المدنية ، بل تلونت بألوان اخرى ، واصطبغت في أساسها بالحياة المنزلية . وصيحة اليوم تكاد تكون رد فعل للصيحة التي دوت في القرن التاسع عشر . " فالعودة إلي المنزل " هي اليوم الصيحة التي ترددها نساء ) انجلترا بعد أن كسبن حقوقهن السياسية والمدنية جميعا ! ولكن ينبغي أن يبسط لك ذلك بعض البسط .
حين قامت الحركة النسائية في إنجلترا كانت تنظر شزرا إلي المنزل ، وكان أنصار النساء يعتبرون أنه وكر التقاليد . ذلك لأن خصوم المرأة كانوا من جانبهم يذكرون المرأة دائما بأن المنزل هو مكانها الأصلي ، وانه لا منجاة لها من أن تتقيد بالمنزل . وحينما كان يجاهد النساء في سبيل كسب حقوق الرجال كانوا يزورون من ذلك المنزل الذي وقف دهورا طويلة في سبيل حريتهن . كن لا يردن أن يرتبط مصيرهن بمصير المنازل ، بل خرجن إلي الحياة العامة كما رأينا ، وقمن بواجباتهن من حيث الكسب والعمل . ثم جاءت هذه الحرب الحاضرة ، فاستخدمت النساء في مختلف وحدات الجيش ، وأصبحت قوة النساء مما يعتمد عليه الدفاع الوطني كل الاعتماد . ولكن نقول ! إن هناك رد فعل لهذا كله . وبعد هذه الحرب ستتجه الحركة النسائية في إنجلترا إلي العودة للمنزل ثانية ، فقد برهنت الحوادث أن الجيل الجديد الناشئ في حاجة إلي تربية منزلية يتخصص النساء فيها ويتوفرن عليها .
حين نالت المرأة الإنجليزية حقوقها ، وحينما اقتحمت الجامعات ، لم تصبح هذه الحقوق اغراضا في نفسها ، بل لقد أصبحت وسائل . فلم يكن غرض الحركة النسائية أن يمنح النساء هذه الحقوق ثم يقفن عند حدها ، وإنما كان الغرض من هذه الحركة ان يتخذ النساء حقوقهن
وسيلة للقيام بأعمال خطيرة . وقد برهنت أكثر المتعلمات من حاملات الدرجات الجامعية انهن يصلحن للحياة المنزلية ، وأن تعليمهن لم يزدهن إلا شغفا بهذه الحياة وإلا تعلقا بأزواجهن واولادهن . ثم إنه قامت حركة بين الشعب البريطاني في السنتين الأخيرتين تدعو إلى العناية التامة بالأطفال ، وذلك لأن هذه الحرب المدمرة قد اطاحت بكثير من الشباب ؛ وهذا الجيل الناشئ من الاطفال هو أمل إنجلترا في تعمير ما دمرته الحرب . لذلك يعني أفراد الشعب الآن بتنشئة أطفالهن على خير الاصول ، ولذلك تساعدهم الدولة ما أمكن ذلك . فللأطفال الأسبقية في تناول الغذاء الكافي ، ولهم الاسبقية عند توزيع الملابس ، ولهم نظم خاصة تشرف عليها الدولة تتناولهم من المهد حتى سن البلوغ
وحركة تنشئة الجيل الجديد هي التي لفتت المرأة الإنجليزية إلي وكر التقاليد ثانية ، وأصبحت تربية الجيل الجديد هو ذلك العمل الخطير الذي ينتظر المرأة بعد هذه الحرب . والنساء اللائي تشغلهن الحرب الآن ينظرن إلي إلي بيوتهن المنشودة فيما بعد الحرب بشغف شديد . وقد عقد استفتاء بين عدد كبير منهن فأجمعن على انهن يفضلن حياة المنزل .
لكن حياة المنزل هذه سوف تستدعي حقوقا أخري غير الحقوق التي نالتها المرأة . كانت تطالب المرأة إلي ما قبل هذه الحرب بمساواتها مع الرجل ، لكنها ستطالب بعد الحرب بمطالب أخري أكثر مما طالب به الرجل . ذلك بأن المرأة بما لها من مركز في المنزل ، وما يتطلبه منها الجيل الجديد ، سوف تطالب بحقوقها في الولادة والحمل ورضاعة الطفل ورعايته والقيام على صحته وتربيته . وكل هذه الاعتبارات قد دخلت فعلا في مشاريع بعد الحرب .
وقد يسر المرأة الإنجليزية أن تقوم بذلك كله ، أو قل إنه قد اعترف المشرعون والمصلحون ان كل ذلك من شأن الدولة ، وأنه ينبغي أن يعترف للمرأة بحقوق خاصة من حيث الولادة ورعاية الطفل . ففي مشروع بفردج بنود تمنح المرأة وهي في حالة الوضع معاشا خاصا ، وتحدد للارملة معاشا خاصا ، وتفرض للشيخوخة معاشا خاصة ، هذا إلي ان فكرة مشروع بفردج وغيره من مشاريع بعد الحرب ترمي إلي أن يحيا الطفل ويتعلم في كنف الحكومة لا بين جدران المنزل فقط .
ولكن ، لعل الانقلاب الذي يتوقعه الجميع بعد هذه الحرب ، هو أن الإصلاح سوف يتناول أفقر النساء وأدناهن لقد تحدث الكثيرون عن حقوق المرأة ، وملأوا الدنيا وشغلوا الناس دهرا طويلا بما ينبغي من المساواة بينها وبين الرجل ، ولكن في حياة المجتمع الإنجليزي كثيرا من نساء الطبقات الدنيا اللواتي لم يفدهن تحرير المرأة ولا مساواتها إلا قليلا . أولئك نساء يسكن أقذر المواضع في البيئات الصناعية المكتظة : يعيش أغلبهن علي الكفاف ولا تزيد مرتبات أزواجهن عن بضع شلنات في الأسبوع لا تكاد تكفي لسد الرمق ؛ ثم إنهن يشتغلن في المنزل من الصباح الباكر إلي المساء لا يكدن يرين شعاع الشمس ، ولا يزرون متنزهات المدينة إلا قليلا ، ولا يرفهن عن أنفسهن إلا في بعض المواسم والأعياد ؛ ثم تدب إليهن الشيخوخة وهن بعد في سن الصبا ، وتزمن في أجسادهن الأدواء ، ويصبهن النقرس والإمساك والصداع . أولئك نساء الطبقة الدنيا ممن يسموهن ربات البيوت ! فهل تري أن حقوق الانتخاب قد أفادت هؤلاء ؟ وهل تري أن حق الملكية ، قد غير من حياتهن ، وهن لا يملكن شيئا ؟ كلا ! لم يستفد هؤلاء ولن يستفيدن من مساواتهن بالرجال . وهذه الحياة التي وصفت هي الكشف
الجديد الذي يحاول المصلحون في إنجلترا ان ينشروه على الملأ حتى يكون ذلك مبدأ لإصلاح حال المرأة في الطبقات الدنيا ، لأن في ذلك اصلاحا للاسر الإنجليزية التي تكون سواد الشعب .
بعثت هيئة من نساء إنجلترا حياة ٢٢٥٠ لمرأة من ربات المنازل في الطبقات الدنيا ، فوجدت أنهن بهذا الوصف الذي أسلفت ، وكتبت بعض ربات المنازل أوصافا مروعة لحياتهن ، حتى ليكاد يتصور القارئ انه لا يقرأ لنساء في بلد متحضر كإنجلترا . فليست حياتهن إلا سلسلة من الضنك والفقر والإملاق والمرض . فالإصلاح الاجتماعي في إنجلترا يتجه إلي التخفيف عن هذه الطبقات . وستصبح الديمقراطية جديرة باسمها حينما تمنح ربة المنزل من الفرص ما يهييء لها الحياة السعيدة . أما الحقوق السياسية التي منحتها إلي الآن ، فلم تكن إلا خطوة أولى في سبيل هذا الإصلاح المقبل
) المنصورة (

