كلما أدمنت التأمل وانعمت النظر في مستقبل مصر ازددت يقينا بعلو شأنها ، وتبوئها مكانة رفيعة ومركزا مرموقا بين بلاد العالم العربي . فقد اصبحت هذه الحرب بمثابة حاجز بين الماضي والحاضر ، وقنطرة يعبر عليها الجيل الجديد للنهوض بمستوي الشعب الاجتماعي والثقافي ، وسوف يعبد الطريق أمامنا إلى عهد استقرار ، يحدد شخصيتنا ، ويحول نشاطنا الذهني من ميدان الكفاح السياسي إلي مضمار الإصلاح الاجتماعي ، والعمل على استثمار الثروة القومية ونموها واطرادها ، فيسهل علينا الاندماج في الوحدة العالمية ، وتتسرب إلينا النظم والتشريعات الحديثة .
ومما لا شك فيه أنه سيتبع استمتاعنا بسيادتنا ، وظفرنا بحقوقنا كاملة غير منقوصة ، قيام جماعة او تأليف حزب يعني بالإصلاح الاجتماعي ، ويدعو إلى التجديد
والخروج على بعض الأوضاع الجامدة ، والتقاليد التافهة الغثة . فإن هذا الإصلاح وشعورنا العميق بضرورته سيتجه مباشرة نحو الرقي بأحوالنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية : فيمنح الفلاح قسطه من الحياة ، ويثقف ثقافة تليق به كعضو نافع في الجمعية البشرية ، ويرفع عن كاهله اعباء الفاقة والحهل والشقاء ؛ ويحرر العامل من الظلم ومن الانحطاط الذهني والمادي ؛ ويزود الطالب من المعرفة الإنسانية ، ومن ضروب الثقافة المختلفة ما يكفل له النجاح في الحياة العملية الصحيحة ، أو الانقطاع للأبحاث العلمية
وقد باتت الحاجة إلي تكوين حزب اجتماعي يكون أساس الإصلاح فيه فلاح مصر - باعتبار أنه يكون الأغلبية العظمي ، وإلى أنه منبع الثروة الاقتصادية - من الضرورة بمكان .
ومن المقرر أن مستقبل مصر الثقافي لن يقوم على الأدب العربي وحده ، ولا يتطلع إلي النماذج الأوربية ليحذو حذوها ، وإنما سينهض على إحياء التراث القومي ، ويستند إلى ما يصلنا بتاريخ الاسلام من دين وعلم وأدب ، وإلي لغة وسط بين الفصحى والعامية ، فيكون بعث ذلك كله من اسباب إيقاظ الوعي الشعبي ، فتنفض مصر عنها رمال الزمن ، وتمسى عصورها الذهبية الماضية المفعمة بآيات المجد والعظمة مثار وحي وإلهام لاقلام الروائيين وريش الفنانين .
وسوف يتسم العصر الجديد بسمة التفكير المستقيم ، والإنتاج الخصب المنظم ، والأخذ بتوسع في حرية الرأي ) ويقترن بظهور طائفة من الكتاب يسايرون اغراض النهضة ، ويصهرون عاطفتهم في بوتقة الوطنية ، فيطالعون العالم بأعمال باهرة تخلد أسماءهم في سجل الفكر الإنساني .
ولسنا ننكر أن لمصر رسالة أدبية خاصة تذيعها في
جوانب العالم العربي ، مما ساعد علي خلق جديد من الشباب ، وهيأ الجو لظهور مواهب فذة تعمل على التخلص من العيش في كنف الأدب القديم ، وتميل إلى القيام بنهضة وثابة لتقتلع الجذور الفاسدة التي أضرت بالحياة الأدبية . بيد أننا نطمع في المزيد ، فينبغي أن نتحدث عن هذا العالم العربي ، كما نتحدث عن أسرة واحدة ؟ ومن أجل ذلك نطالب بمحو الفوارق الجنسية والطائفية ، ورفع الحواجز الجمركية ، وضرب نقد مشترك بين أمم الشرق ، وتوحيد مناهج التعليم ، والخضوع للغة الفصحى وحدها ، وإنشاء عصبة أمم شرقية من الشباب تتولى فض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية
ونطالب فوق هذا وذاك بخلق لون من التعاون الثقافي يقوم بين مصر وبين الذين تجمعهم بها وحدة اللغة والدم والتاريخ ، فتكفل مصر لهذه البلاد حياة راقية ، وتأخذ على عاتقها صيانة التراث العربي المشترك ، وترتبط بوشيجة تآلف قوية ، سداها التفكير في الرقي بأحوال العرب ، وإحكام الروابط التي تجمعهم معا .
وقد بلغنا طورا من الحضارة يدعونا إلى توثيق الصلة بيننا وبين غيرنا من الامم ، وإلى ان نترابط معهم برباط ثقافة واحدة تعمل لصالح البشرية . ولن تكون للكاتب المصري مكانة ملحوظة ، ونزعة كونية شاملة ، إلا إذا تجاوزت همومه تخوم وطنه إلى التفكير في اخيه الإنسان تفكيرا نبيلا حرا ، فيساهم في حل المشكلات الدولية ، ويشترك في معالجة الأزمات الاقتصادية ، ويعمل على مكافحة الأمراض الاجتماعية ، ويدلى برأيه في تنقيح الدين ، أو القضاء علي الاستعمار ؛ فإن الحضارة الأوربية التي تسود العالم اليوم جعلت مصالح الأمم متشابكة ، بحيث تتوقف صحتها ، ورواج علومها وسلامها ، على التضامن والتفاهم ، والخضوع لنظام واحد شبه مشترك .
ولا ريب في أن رجال التربية سينجحون إلي حد ما في محو الأمية وضمان المساواة بين الطبقات ، وتقريب الشعور بين أبناء الأمة ، وذلك بفضل ارتقاء الحالة الاقتصادية العامة مع انتشار التعليم الإجباري وتعميم المجانية ، فترتفع نسبة المتعلمين ، وتزكو ملكة الذوق والفهم في نفوس النشء ، فتستفيض المذاهب ، وتتنوع الاساليب ، ويربح الكاتب والمؤلف قراء جددا يكونون الصفوة المثقفة الممتازة التي هي ظهير الأدب .
ولا يمكن أن يتفهم الشاب المصري روح الوطن وعبقريته ما لم تفرض الامة رقابة قوية على التعليم الأجنببي ، وتشرف إشرافا فعليا على ضروب الثقافة ، وأن تعتبر العربية لغة أساسية يخضع لها الأجنببي كما يخضع لها المصري في جميع مناحي الحياة ، فإن كل ثقافة لا تستند إلي نتاج عقول أبنائها ليست سوي ثقافة مستعارة لا تشرف الأمة التي تنتسب إليها ؛ وكل أمة لا تتصل بماضيها وتفخر بعبقرية جدودها لا تثق بحاضرها ، وان تقوم لها حياة شريفة ، او تنمو في نفوس أبنائها نزعة قاهرة للسمو .
وستقتضي سياسة التوسع في نشر المدارس والتطور في التعليم ، ضرورة إنشاء جامعات اخري في اسيوط والمنصورة والأقصر تشبع رغبات المتعلمين . وإذا كانت بعض الأمم التي تبلغ ميزانيتها خمس ميزانيتنا ولا تختلف هنا في درجة الرقي ، بها نحو خمس جامعات ، فقمين ان يكون لدينا اكثر من جامعتين تمد البلاد بطائفة من الشبان الذين ينشرون الثقافة ، ويكونون قوام الحياة الجديدة وزينتها
أما الأزهر فسيظل مصدر حياة روحية للمسلمين ولن يتسني ذلك إلا بتحويله إلى كلية لدراسة العلوم المتصلة بالدين فقط ، فتؤدي هذه الجامعة القديمة أجل
الخدمات للعالم الإسلامي ، وتخرج طائفة من العلماء النابهين الذين يجمعون بين القديم الطريف وبين روح العصر الحديث . وليس ثمة ما يمنع من ان يسمح للفتاة بالانخراط في سلك طلابه ، على نحو ما هو متبع في الجامعة ، فقد آن الأوان لأن ينتهز الازهر فرصة النهضة الحاضرة فيخرج نساء صالحات لحفظ ابناء الوطن ، وتربية الروح الدينية والخلقية الصحيحة في نفوسهم
ومن المرجح أن يستبدل نظام المجمع اللغوي بأكاديمية تسودها النزعة العلمية الشاملة ، ويكون من حق الكتاب والروائيين والشعراء ورجال العلم والسياسة ان يرشحوا أعضاء فيها ؟ وان تكون لهذه الاكاديمية من النفوذ بحيث تؤيدها الدولة وتدعمها بقواها ، والا يقبل النقض في المسائل العلمية التي تصدرها ، وان تبسط هذه الا كاديمية نفوذها على معاجم اللغة ، فتنقحها وتدخل عليها ألفاظا جديدة تشمل العلوم والفنون والمخترعات ، وتضيف إلي العربية الألفاظ التي تقتضيها حضارة العصر الجديد ، لأن هذه الألفاظ أصبحت في حوزة الإنسانية ، بغض النظر عن الأمة التي ابتدعتها .
وسيؤدي منح المرأة حقوقها ، وإنصافها من الغبن الذي حاق بها ، وتخلصها من صنوف الذل او الهوان او الجهل الذي نزل بها خلال القرون الغابرة ، إلى أن تكون منشئة الجيل وعماده ، فتزود في ثقافتها النسوية بما يسهل لها تأدية هذه المهمة على اكمل وجه ؛ وإلى ان تساهم في الحياة الاجتماعية والعلمية مساهمة تتفق وتطور عقليتها ، فتبث روح البر والخير في النفوس ، وإنقاذ الناس من البؤس والفاقة ، وإرشادهم إلى سبيل الهناء ؛ وسيكون ميدان الخدمة الاجتماعية هو المضمار الذي تبرز فيه كفايتها ونشاطها ، سواء في اتصالها بالريف وعمال الزراعة ، أو رعاية الطفل ودور اللقطاء واليتامي ، أو مد
يد المعونة إلى الأسرات المعوزة ، وتخفيف آلام الغير ، وحل مشكلات الفقراء .
وستشمل الرسالة الأدبية التي يحملها الجيل الجديد تصوير الحياة ونقد المجتمع ، بدلا من الاعتماد على بطون الكتب . ومن أجل ذلك لن يعاد طبع المؤلفات التي توفر أصحابها على صناعة التصنيف ورص الكلمات ، ولا الأشعار السقيمة ، ولا الأوصاف الفاقدة الحس والروح ؟ لأن معنى الأدب سيتطور ويكون عماده التعمق والشمول ، ومحوره الابتكار وغزو عوالم جديدة ، فيعمل الكتاب على أن يقربوا الحياة إلي عقلية القارئ كما يجدها الذين يعيشون بينها ، وليس كما كان يتخيلها السلف .
وستكون نزعة التخصص هي طابع العصر الجديد ولن يكون الأديب كمعلم القرية يدرس الفقه والجغرافيا والتاريخ ؛ بل سيكون لكل كاتب ميدان خاص يبرز في محيطه نشاطه وكفايته ؛ وسيقوم الجدال بين الأدباء حول الكشف عن مساويء الصناعة ، أو تحديد الخلاف بين العلم والدين ، بدلا من ان يقوم حول تحديد لفظ أو معني ، أو التعرض لكرامات الأدباء وشخصياتهم

