الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 665الرجوع إلى "الثقافة"

مستوى الأسعار فى القرن الأول الهجرى

Share

لقد أدت الفتوحات الإسلامية إلى توحيد الشرق الأوسط تحت ظل امبراطورية واحدة كانت تتبع من حيث المبدا على الأقل ، سياسة حرية التجارة ، فأطلقت مبادلة السلع بين مختلف مقاطعات امبراطوريتها ، ولم تحتكر تجارة أية بضاعة أو تمنع مبادلتها ، لا بل سمحت حتى لتجارة السلع التي يحرمها الإسلام كالخمر (١) ، وجبت من بيعها الضرائب (٢( .

وقد أتاحت هذه السياسة لبعض الأشخاص فرصة احتكار بعض السلع (٣)، غير أن احتكاراتهم كانت في الغالب محلية موقنة فردية لاتدعمها امتيازات حكومية ؛ لذلك لم يكن لها تأثير دائمى على الأسعار أو شامل لكافة أنخاء الإمبراطورية . والحق أن الناس كانت تنظر لمثل هذه الاحتكارات الفردية بشيء من النفور ، كما يتجلى ذلك من الآحاديث الكثيرة المروية عن الرسول في ذم الاحتكار (١) والتي يمكن اعتبارها أيضا صدي لموقف المسلمين تجاه الاحتكار .

وكان من نتائج توحيد الشرق الأوسط أن أصبحت للامبراطورية الإسلامية في نظامها النقدي عملتان ، هما الدينار الذهي البيزنطينى الذي كان يزن مثقالا واحدا (٥) ، والدرهم الفضي الساساني الذي كان يزن ، قبل أن أنقص الحجاج عيار العملة ، مثقالا واحدا أيضا (٦) ، أى أنه كان يعادل

وزن الدينار الذهبي ويسعى وافيا . وكانت العملة(١) الذهبية                                                                                                                                                                                    سائدة في القسم الغربي من الإمبراطورية ، أما العملة الفضية ففى الشرق ، وبناء على سياسة حرية التجارة التي اتبعتها الدولة ، فقد أبيح نقل كل من العملتين إلى القسم الآخر الذي لم يكن يستخدمه من قبل ؛ ولم تقيد الدولة هذا النقل أو تفرض لتبادل المعدنيين سعرا رسميا ؛ لذلك لم تكن نسبة سعر الفضة إلى الذهب ثابتة ؛ فقد كانت نسبة سعرها إلى الذهب في زمن النبي في الحجاز ١٠-١ ثم نزلت في زمن عمر وعثمان إلى ١٢-١(١) ثم عاد سعرها منذ زمن على يرتفع . ومع أننا لا نستطيع أن نعين بالضبط التدرج الزمني لهذا الارتفاع(٣) ، إلا أنه يبدو أنه وصل في زمن الحجاج حدا خطيرا اضطر معه هذا الوالى الحازم إلى أن ينقص وزن

الدرهم للتعادل إلى ٧ % من المثقال(١) ويجبر الناس على قبول هذا ، أى أنه فرض سعرا رسميا للعملة . وربما اتخذ الحجاج هذه النسبة مستندا على سعر السوق للفضة بالنسبة إلى الذهب ، ولا ريب أن سعر العملة يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار عند دراسة مستوى الأسعار في مختلف أنحاء الإمبراطورية .

وليس هناك دليل واضح يثبت أن الدولة الإسلامية في القرن الأول الهجري كانت تفرض تسعيرة رسمية للسلع بصورة مباشرة ؛ وتروي عن النبي أحاديث تشير إلى أنه أبى أن يفرض تسعيرة إجبارية للمواد الغذائية الضرورية في فترة هدد فيها الغلاء المدينة وفقراءها(١) ، ولا ريب أن تأكيد الرواية على ذكر هذه الأحاديث يمكن أن يتخذ كمثل لموقف الدولة تجاه التسعيرة الإجبارية ،

على أن بعض التدابير التي اتخذتها الدولة كان من شأنها أن تؤثر في تحديد الأسعار بطريقة غير مباشرة ؛ فقد كانت مثلا تجبى ضرائبها من الزراع بالنقد والعين ، أى أنها كانت تأخذ مع النقود منتوجاتهم العينية ، وبذلك تخفف على الفلاحين بعض الأعباء فلا يضطرون إلى بيعها بأسعار رخصة لدفع الضريبة ، ولما كانت ضرائب الدولة ثابتة فقد كان هذا يؤدي إلي ثبات الأسعار بعض الشئ . ثم إن الدولة كانت تدفع إلى المقاتلة وعيالانهم وهم لا يقلون عن المليون بأي حال ، مقدارا معينا ثابتا من العطاء مما حدد قوة اشراء لهؤلاء المقاتلة العرب المستهلكين . ثم إنها كانت توزع عليهم القمح والزيت مجانا . الأمر الذي ضيق مجال التلاعب في أسعار هذه المواد الضرورية للعيشة والتي كانت أهم منتوجات الشرق الأوسط(٣) . والواقع اننا لا نسمع بحدوث تغييرات كبيرة في الأسعار حتى زمن عمر بن عبد العزيز . على أن هذا لا يعني عدم وجود تغيرات موسمية أو محلية موقتة في الأسعار .

ومن الملاحظ أن الإمبراطورية الإسلامية الواسعة كانت تضم مدنا تخصص بعضها في صناعات معينة أو منتوجات خاصة ، ولا بد أن أسعار هذه المنتوجات كانت أرخص في البلاد التي تنتجها . غير أنه لسوء الحظ ليست لدينا معلومات مفصلة عن الأسعار في هذه البلاد المنتجة ، المهم ما عدا مصر التي لدينا عنها معلومات طيبة بفضل أوراق البردي . ويتضح من أوراق البردي المعروفة بمجموعة افروديتي والتي درسها ادريس بيل أن سعر رأس الغنم كان نصف دينار ، والبصل ١٢ اردبا بدينار ، والخضراوات ٦٠٠ باقة بدينار ، والزبيب اردبان بدينار . أما الحبوب فكانت أسعارها تتراوح بين ١٠-١٣ أردبا بدينار (١) .

أما البلاد العربية والأمصار التي سكنها العرب والتي كانت مراكز استهلاكية تستورد البضائع والسلع من المراكز الإنتاجية ؛ فإنه توجد عن الأسعار فيها معلومات غير قليلة مبعثرة في ثنايا الكتب العربية ، وقد حاولت في مقالي هذا أن أنظم قائمة لأسعار المواد آنذاك ، ولا بد لي أن أقرر أن هذه الاسعار كانت في الأمصار الإسلامية ، ولابد أن تكون أغلى قليلا من أسعار المناطق الإنتاجية .

أما أسعار الحنطة في القرن الأول فمن الغريب أنه لم يذكر سعرها في الأحوال الاعتيادية ، ولم يرد عنها إلا خبران يذكران سعرها في حالات غلاء شاذة ، أحدهما ما ذكره الواقدي من أن الحنطة ارتفعت أسعارها عند حصار الحجاج لمكة ( سنة ٧٠ ه ) حتى بلغ سعر المد درهمين (٢) ؛ والآخر ما رواه ابن عياش عن سعر الحنطة في العراق زمن خالد القسري حوالى ( ١٢٣ ه ) حيث بلغت الكيلجة درهما بنتيجة تلاعب الخليفة هشام في الأسعار(٣) ، ولعل سكوت المؤرخين عن ذكر أسعار الحبوب برغم أهميتها في المعاش يرجع إلى أن الدولة كانت توزعها على العرب بالمجان ، الأمر الذي جعلها لا تلعب دورا في الحياة الاقتصادية في الأمصار . ولذلك أغفل الرواة ذكر أسعارها .

غير أنه يمكن أخذ فكرة تقريبية لأسعار الحنطة في هذا القرن من الإطلاع على أسعارها في القرن الثاني الهجري حيث كان سعر الحنطة في الموصل زمن الرشيد يبلغ ٣٠ درهما للجريب  (٨٠ كيلو ) وسعر الشعير ٢٠ د هما (١) ؛ وكانت أسعارها في بغداد زمن المأمون ( سنة ٢٠٤ ه ) ٣٥ درهما للجريب (٢) ، وهذا السعر يقارب معدل سعر الحنطة في الإمبراطورية البيزنطينية طيلة العصور الوسطى (٣)

أما الزيت فكان سعر القسط منه يساوي ٩ دراهم في الجزيرة زمن معاوية (٤) .

أما أسعار الحيوانات فيمكن استنتاجها من الدية التي حددها عمر بالف دينار أو اثنى عشر ألف درهم أو مائة من الإبل أو مائتين من البقر أو ألفين من الشاة (٥) . ومعنى هذا ان سعر البعير كان ١٢٠ درهما ، والبقرة ٦٠ درهما ، والشاة ستة دراهم . ويؤيد ما تذكره كتب الفقه والحديث في الزكاة أسعار الغنم ، إذ يقولون إن أهل الغنم يمكنهم أن يدفعوا للصدق شاة أو خمسة دراهم(٦) .

ويروي الشافعي في الأم أن جملا بيع زمن عمر بمائة وعشرين درهما (٧) ؛ ولا ريب أن هذه الأسعار يجب أن ينظر إليها كمعدل ، إذ أن أسعار الحيوانات تختلف باختلاف أعمارها وتربيتها وقوتها ، ويمكننا أن نستتج من التفاصيل الواردة في ضريبة الزكاة على الماشية ، أن الإبل يزداد سعرها عشرة دراهم كلما زاد عمرها سنة(٨) .

أما الخيل فلما كانت ضريبة الزكاة الفروضة عليها عشرة دراهم(١)، وهي تعادل واحدا من أربعين من سعرها الأصلي ، لذلك يمكن اعتبار سعرها ٤٠٠ درهم ، ولاشك أن الخيول الأصيلة كانت أسعارها أعلى من هذا بكثير .

أما العبيد العاديون فكانت أسعارهم تبلغ في الجزيرة العربية زمن النبي وبعيده حوالى ٤٠٠ درهم ، كما يدل على هذا الغرامة التي فرضها النبي على إسقاط الجنين(٢( ، والفدية التي حددها عمر لتحرير المسترقين من العرب(٣) على أن هناك إشارات غير قليلة إلى عبيد بلغت أسعارهم في المدينة ٨٠٠ درهم آنذاك(٤) ، ولا ريب أن أسعار العبيد تختلف باختلاف أصلهم وجنسهم وسنهم وتربيتهم ومدى العرض والطلب عليهم ؛ وقد نقل الأغاني نصا يبين اختلاف أسعار العبيد بإختلاف مواهبهم ، فهو يقول إن الشاعر نصيب ، وكان عبدا نوبيا ، أدخل على عبد العزيز بن مروان (( قدمها للقومين فقال : قوموا غلاما أسود ليس به عيب . قالوا : مائة دينار قال : إنه راع للأبل يبصرها ويحسن القيام عليها . قالوا حينئذ : مائة دينار ؛ قال : إنه يبري العصى ويثفقها ويرمي النبل ويريشها ، قالوا : أربعمائة دينار . قال : إنه راوية للشعر يصير به ، قالوا : ستمائة دينار ، قال : إنه شاعر لا يلحق حذفا ، قالوا : ألف دينار ، قال : ادفعوها إليه (٥) . وقد بيع عكرمة مولى ابن عباس بأربعة آلاف درهم(٦) ، وبيع عبد لعبد الله ابن جعفر بعشرة آلاف درهم (٧) . أما سلامة فقد اشتراها الوليد الثاني بعشرين ألف درهم (٨) وحبابة بألف دينار (٩)  .

ومع أن الفتوحات الإسلامية قد أدت إلى ازدياد العبيد المأخوذين من أسري الحروب ، غير أنه ليس هناك دليل على أن أسعارهم امتحضت بازدياد عددهم ؛ وأمل هذا يرجع إلى أن هذه الفتوحات رافقها رخاء اقتصادي وازدياد الطلب على العيد لاستخدامهم للخدمة في البيوت أو في الزراعة والصناعة والتجارة . والواقع أن العبيد لعبوا دورا كبيرا في الحياة الاقتصادية في صدر العصر الإسلامي نرجو أن تشرحه في مقال آخر . ويكفى أن نقول هنا إن مهارة بعض العبيد ونشاطهم وما كانوا يجنونه لأسيادهم من أرباح قد أدى إلي ارتفاع أسعارهم ارتفاعا كبيرا ، ويتبين ذلك من المبالع الطائلة التي كانوا يدفعونها في مكاتباتهم للحصول على حرياتهم .

وقد ذكر ابن حبيب السكري أسماء عدد من هؤلاء العبيد وما دفعوه في المكالات ؟ قفى الكوفة ذكر أسماء ثلاثة دفع كل منهم سبعين ألف درهم للحصول على حريته ، وستة آخرين دفع كل منهم خمسين ألف درهم ، واثنين دفع كل منهم أربعين ألف درهم وخمسة دفع كل منهم ثلاثين ألف درهم ، وعبدين دفع كل منهما عشرين ألف درهم مكاتبة للحصول على حرياتهم . أما في البصرة فقد ذكر اسم عبدين دفع كل منهما مائة ألف درهم مكاتبة ، وثلاثة آخرين دفع كل منهم خمسين ألف درهم ، وعبد اخر دفع أربعين ألف درهم مكاتبة للحصول على حريته ، وذكر أيضا عبدا آخر دفع ثلاثين ألف درهم لمكاتبه ) ١ ( ولدينا من الحجاز أخبار عن أبي سعيد المقبري وأفلح اللذين كوتب كل منهما على أربعين ألف درهم ) ٢ ( .

ولا شك أن هذه الأرقام العالية لمكاتبات لا تدل على الأسعار الأصلية للعبيد عند شرائهم ؛ إذ أن القوانين

الإسلامية أباحث للأسياد أن يقرضوا ما يشاءون من المبالغ على عبيدهم في المكتبة صرف النظر عن أسعارهم الأصلية أو الحالة الاقتصادية أو قدرة هؤلاء العبيد على الدفع ، وكثيراُ ما كان هؤلاء العبيد يضطرون إلى استجداء الناس للحصول على مبالغ المكاتية ( ١ ) . ثم إنه من المحتمل أن الارقام العالية المذكورة آنفا للمكاتبات هي أرقام شاذة ، وأن أغلبية المكاتبين لم يكونوا ليدفعوا مثل هذه المبالغ الضخمة .

أما الألبسة والمنسوجات فكانت أسعارها تختلف اختلافاً كبيراً تبعاً للمواد المصنوعة منها والمهارة الفنية في صنعها وتطريزها ؛ فسعر القميص العادي من القطن في زمن على بن أبي طالب كان يتراوح بين ٣-٤دراهم ( ٢ ) , وقد قدر ثمن قميص الحسن البصري بستة دراهم ( ٣ ) ، وقميص عمر بن عبد العزيز بأربعة عشر درهما ( ٤ ) ، وكلها ولا ريب مصنوعة من منسوجات اعتيادية رخيصة .

أما الألبسة المترفة ، وخاصة الصناعة من الخز والحرير ، فقد كانت أسعارها أغلى من ذلك بكثير ، فالبرد اليماني ( ٥ ( والطيلسان الكردي ( ٦ ) كان يسوي كل منهما مائة درهم ، أما مطرف الخز فيبلغ سعره عادة خمسمائة درهم ( ٧ ) ، وإن كانت لدينا أخبار عن بعض ثياب يبلغ ثمنها سبعمائة أو يزيد ( ٥ (

اشترك في نشرتنا البريدية