هاهنا نجم جديد طلع بسطع فى عالم الأدب . لا نقول ذلك مجاملة ، ولا محاباة ، فإن حق الأدب أولى عندنا من كل مجاملة ومحاباة . ذاك هو الأستاذ عزيز أباظه باشا . كان ديوانه الرائع أول ما تقدم به فى هذه السنوات الأخيرة . ثم جاء بعد ذلك بتمثلياته ( قيس ولبنى ) و (المياسة) ثم (الناصر) . وهذه الأخيرة هى التى تعرضها الفرقة القومية فى هذه الأيام فى دار الأوبرا ، وهى موضوع حديثنا فى هذه الكلمة .
هى قصة تاريخية ، تمثل موقفا من عصر عبد الرحمن الناصر نابغة ملوك بنى أمية فى الأندلس ، اختارها المؤلف إطارا لفنه ، ونحب هنا أن نعرض رأيا فى القصص التاريخى ، وجدنا أن الكثيرين من الناس لا يفطنون إليه .
نسمع فى أحاديث الأدب أحيانا أن القصص التاريخى فن قائم بذاته ، يبعد فى أذهان الناس عن الفن عامة . ولسنا ندرى لذلك الرأى وجها ، إلا أن يكون محاولة لإخراج ذلك القصص من دائرة الفن . فالمتحدثون عن القصص التاريخى يشيرون إشارة خفية إلى أن الأديب إذا تحدث فى موضوع تاريخى كان له فضل العرض وفضل العلم ، وأما فضله الفنى فيكون فى المرتبة الثانية . وهذا الرأى فى نظرنا أبعد ما يكون عن الإنصاف ، بل إننا نذهب إلى أكثر من هذا . فنقول إن الأديب لا يمكن أن يتغلغل فى طبائع النفس البشرية إذا هو استمد وحيه من دائرة الحياة المحدودة التى تحيط به فى زمنه . فالنفس البشرية أبعد فورا من أن يستطيع الفنان أن يسيرها فى تلك الدائرة المحدودة . ولابد للفنان إذا أراد أن يطلع على أسرارها من توسيع نظرته إلى الأجيال
المتعاقبة ، ولابد له من تأمل أحوالها على بعد القرون ، لكى يطلع عليها خالية من المؤثرات التى تؤثر فيه وفى أهل زمانه . فنحن فى هذا الزمان الذى نعيش فيه عرضة لتنازع الأهواء ، ولتأثير العادات المتبعة والعقائد المتأصلة فى النفوس . فأحكامنا على النفس البشرية لا تخلو من التحيز والضآلة إذا نحن اقتصرنا على تأمل ما يحيط بنا فى زمننا . ولقد كان أكبر الأدباء هم أولئك الذين استوحوا فى فنهم روح الإنسان فى مختلف العصور والمواقف ، وخلصوا أحكامهم من قيود الظروف المحيطة بحياتهم .
هكذا كان شأن شكسبير . وهكذا كان شأن أنانول فرانس وهكذا كان شأن جوته . بل يمكن أن نقول إن هذا كان شأن كل نوابغ الأدب فى كل البلاد .
فالأديب الذى يعرض لحادث تاريخى إنما يريد التعبير بما فى نفسه من المعانى الإنسانية ، وهو يلبسها إطارا من حادثة معينة وقمت للانسان فى عصر من العصور ليصورها فى صورة مجسدة قريبة من قلوب البشر .
وعلى هذا فإننى أقول لهؤلاء الذين يتحدثون عن القصص التاريخى إن هناك فرقا عظيما بين الأدب الحقيقى الذى يتخذ من التاريخ موضوعا لتعبيره ، وبين ذاك الأديب المزيف الذى يمتطى حوادث التاريخ ، ولا يتغلغل فى بواطنها ، ولا يعبر عن نفسه فيها .
هناك من الأدباء من يسردون حوادث التاريخ ، كما قالها مسجل الحوادث ، وهؤلاء ليسوا من الأدب فى شىء ، إلا أن يكون زخرفا زائفا ينمقون أسلوبهم ، وهناك من الأدباء من يندسون إلى حوادث التاريخ لكى يتلبسوا بها ويعبروا عن النفس البشرية من خلالها . والأستاذ عزيز أباظة باشا من هؤلاء الذين استطاعوا أن يتخذوا حادثة تاريخية للتعبير عن أنفسهم ، لا لكى يزينوا الأدب بزخرف حادثة لا تمت إلى نفوسهم بسبب . هذه أول ميزة نستطيع أن نبعث من أجلها الثناء الخالص إلى
الأديب الكبير فى تمثيليته البديعة التى رأيناها .
لقد أبدع أباظه باشا فى تعبيره إبداعا لا نتردد إذا قلنا إنه فاق تعبير شوقى بك فى كل مسرحياته التى لا تزال نعجب بها .
وتمثيلية الناصر كما يعرف الجميع قصة شعرية . وقد كان الشعر دائما قيدا ثقيلا على الأديب ، يقف بينه وبين التعبير الطبيعى السلس ، ويحجب كثيرا من المعانى فى التمثيل ، لأنه يجعل حركة الأشخاص جامدة متكلفة . ولكن أباظه باشا مع ذلك استطاع أن يسخر الشعر ، ويلينه ، ويجعل منه أداة قوية فى تعبيره ، حتى لقد كاد ينسى النظارة أنه يعبر عن معانيه شعرا . لقد أنقل الشعر قصص راسين وكورنيل وموليير ، ولكنهم مع ذلك لينوا شعرهم حتى جعلوا من تمثيلياتهم روائع خالدة . وقد أحس شكسبير وكثير من أدباء القصة التمثيلية الإنجليزية ثقل وطأة الشعر ، فاختاروا لقصصهم الشعر المرسل الذى لا تقيده القافية . وقد استطاع عزيز أباظه باشا أن يأتى بشىء كثير يعدل فن راسين وكورنيل وشكسبير . فإن الشعر لم يمنعه من أن يطلق الحياة قوية فى المواقف الرائعة من قصته ، مثل موقف الفتاة (شفق) وهى تتردد بين حبها وبين وطنيتها . ومثل موقف الفتاة (منى) وهى تظهر ابتسامة المودة ، وتخفى غل الحقد والثورة .
ولكنا نطمع من الباشا الأديب فى خطوة أخرى ، نطمع منه فى أن يسمو فوق قيود القافية ، لعله يحسن أسلوبه وطلاوة ألفاظه وحرارة مشاعره ، لعله يعوض عن رنين القافية بغزارة المعانى وانطلاقها . نطمع فى أن يكون لنا فيه شكسبير عربى ، يحمل الذوق العام على تذوق الأسلوب الشعرى ، وإن خلا من رنين القوافى .
ولقد كان الأديب الباشا موفقا كل التوفيق فى تأليفه وفى تعبيره وفى تصويره ، وفى حبك مواقف مسرحيته ، وإنا لنهنىء اللغة العربية إذ نبغ فيها هذا الوجه الجديد
الذى نأمل فيه للغة والفكر غنى واسعا .
ولكنا مع كل إعجابنا بالأديب الكبير وفنه ، مرت بنا أوقات عند بعض مواقف فى المسرحية تمنينا لو كان أكثر توفيقا فى تصويره . فولى العهد المحب عند ما اطلع على أن حبيبته قد خانت وطنه لم يتردد لحظة فى طرحها ، كأن لم يكن لها من قبل فى قلبه مكان . فلم تبد منه كلمة تدل على يأسه ، ولم تسمع منه أنة تم عن خيبة أمله أو شكه . هذا مثل نضربه وإن كان لا يؤثر فى روعة القصة فى مجموعها .
ولسنا نجد هنا قدحا من التصريح بمعنى كان دائما يجول فى نفوسنا . فها هو ذا المسرح يطلع علينا بين حين وآخر بروائع من الفكر والفن ، لأنه يعترف بالأديب ويتعاون مع الأديب . فأى فرق بين ذلك المسرح وبين صناعة السينما التى لا تزال تخرج علينا بين كل حين وحين بكل سخيف سمج قبيح ! إن صناعة السينما لم تعترف إلى اليوم بالأديب ، ووكلت كل التأليف إلى طائفة ممن لا يمتون إلى الفن ولا إلى الأدب بسهب ؛ فإذا ما لجأت إلى الأدب مسخت آثار الأدباء ، حتى أصارتها إلى ما يقرب من الهراء . وهذا يدعونا إلى أن نتمسك بهذا المسرح الذى قل رواده من منافسة السينما الشديدة ، فلا بأس على المسرح مع قلة المقبلين عليه إذا كان يتحفنا بروائع الأدب . لا بأس عليه أن يكون رواده قلائل لأنه يساعد على الخلق والسمو وإحياء الفن الصحيح . ولتبق السينما فى سخريتها لا هم لها إلا كسب دراهم الدهماء ، إلى أن تفطن إلى أنها تنتحر وتعمل على انتحار الفن الصحيح .
ولا يفوتنا فى هذه الكلمة أن نسجل أجمل الثناء على الفرقة القومية التى كان لها الفضل الأعظم فى إبراز تعبير المؤلف أحسن إبراز وتأديته أحسن الأداء . لقد أجاد كل أفراد الفرقة فى أدوارهم إجادة تدعو إلى الإعجاب ؛ فالناصر وولى العهد وابنه الثانى والفتيات منى وشفق
والحاجب والأغا ووقود الفرنجة قد أجادوا جميعا فى الأداء ، وإن كان لا يفوتنا أن نسجل الثناء الأكبر لعلام (ولى العهد) وأمينة رزق ( شفق ) وفردوس حسن ( منى ) وحسين رياض ( الناصر ) فقد كانوا على طول المسرحية حياة دائمة وقوة رائعة وفهما صحيحا لكل خلجة من خلجات المؤلف . وعلينا كذلك أن نرسل أطيب الثناء على الأستاذ طليمات الذى ما زال يجاهد فى سبيل إحياء الفن الصحيح منذ تولى الإدارة الفنية فى الفرقة القومية
