الإذاعة ورسالتها الموسيقية :
من العجب أنا بدأنا نسمع من بعض النقاد لغطا حول جدوى الفرق الموسيقية التى أنشأتها الإذاعة أخيرا ، وذلك بسبب اهتمامها بعزف مقطوعات غريبة أكثر من اهتمامها بعزف مقطوعات شرقية . والحق أني لا أريد أن أثير القضية التى يثيرها كل من يعرض المفاضلة بين هذه وتلك ، بقدر ما أريد أن أبرهن على أن إنشاء هذه الفرق ، إنما هو إجراء أملته الضرورة والأخذ بأساليب الارتقاء .
لقد كان للإذاعة فرق فردية مقيدة بالوقت الضيق المحدد لكل منها ، كما كان من الملحوظ فيها - بطبيعة تكوينها - عدم ارتباط أفرادها بعضهم ببعض ؛ فأصبح لها الآن فرق يتوفر فيها الارتباط ، وهو شرط أساسي لتحسين الإنتاج في مثل هذه الأعمال الفنية التى تنهض بها المجموعات ، إذ أصبحت مكونة على النحو الآتى :
أولا : الأوركسترا : وقوامها مجموعة من حوالى خمسين عازفا ، يمكن أن تنقسم إلى مجموعتين عند الاقتضاء ، أى عند أداء البرامج السريعة أو الموسيقى الخفيفة .
ثانيا : الفرقة الشرقية : وقوامها مجموعة من ثلاثين عازفا .
وكانت الفرق القديمة مكونة من عازفين ، لا يجيدون سوى العزف علي الآلات الشرقية ، بينها استكملت الفرق الجديدة عناصرها من الأجانب الذين لا نظير لهم عندنا ، كالعازفين على ( الكمنجات الأوائل ) والبيانو . . الخ
وكان يدير تلك الفرق " رؤساء تخوت" فأصبح يدير هذه الفرق مديرون خبيرون بهذا العمل غير دراستهم وثقافتهم الأوربية . فالأساتذة عبدالحليم على ومحمود عبد الرحمن
ومحمد حسن الشجاعي لإدارة الأوركسترا ، والأستاذان إبراهيم حجاج وعزيز صادق لإدارة الفرقة الشرقية .
وكانت الفرق القديمة تقدم ألوانا محدودة من الموسيقي ، فصارت الفرق الحديثة تقدم ألوانا مختلفة من الموسيقى " المدروسة " سواء أكانت مصرية أو شرقية ، أو من مؤلفات الغربيين أو من المؤلفات المصرية الحديثة .
فإذا صح أنها تعنى بتقديم مقطوعات غريبة أكثر من غيرها ؛ فهل تلام على ذلك ؟ في حين أنها - بهذا - تعمل على نشر الثقافة الموسيقية بين الجماهير ، وتعويدهم استساغة ألوانها المختلفة ؟! لقد آن أن ندرك أن الموسيقى الغربية ليست غريبة كل الغرابة ، أو متنافرة كل التنافر مع آذان جمهورنا . . أو على الأقل ينبغي أن نعالج هذه الآذان حتى لا تظل كذلك . وصحيح أن لكل موسيقى شخصيتها ، ولكنها تتحد جميعا في أسس واحدة من ناحية التعبير الانساني . وتصوير مختلف حالات النفس ومختلف ألوان الطبيعة .
إن أقل ما يقال في هذا الاجراء الذي قامت به الإذاعة أنه يستحق التأييد والعناية . فقد كان من المخجل أن نتفرد دون سائر الأمم المتحضرة بافتقارنا إلى فرق إذاعية تعنى بالفن الموسيقى عناية كاملة . ولا ريب في أن العمل الناضج الذي تهيئه الدراسة وتمحصه الخبرة والتخصص لا يجوز أن يقارن بالعمل الارتجالي علي أي نحو من الأنحاء .
مسرح بريستلي :
" . . شاهدت مسرحية ( في إحدي الضواحي ) وقرأت في الفترة التي قدمتها فرقة المسرح الحديث عنها ، أن أهمية مؤلفها بريستلي ، هي أنه صاحب مدرسة في التأليف المسرحي
يتلاعب فيها بالرمن ؛ فيجعل الفصل الأول مثلا يدور في حياة اليوم ، ثم يرجع في الفصل الثاني أكثر من عشرين قرنا ، ثم يعود مرة أخرى إلي أيامنا هذه . . ولكني لم استطع ملاحظة ذلك في هذه المسرحية ، كما أني لم أستطع فهمها ، فهل يرجع ذلك إلي خطأ في الترجمة أم إلى غرابة الموضوع ؛ وما هو مذهب هذا المؤلف العجيب ؟ . .".
كتب لي أكثر من واحد بهذا المعنى . والحق أن الناس معذورون إذا اختلفوا في فهم هذه المسرحية . فكاتبها هو أحد المحدثين الذين لا يستطاع تفسير مسرحياتهم ولا تحديد مذهبهم بسهولة . وكبار مؤرخي المسرح أنفسهم يضعونه حينا بين التعبيريين Expressionists ، وحينا آخر بين التأثريين Impressionists وحينا ثالثا بين طوائف المعاصرين الذين لم يخضعوا بعد للتبويب .
ولعنا نحاول إدراك مراميه إذا عرفنا أن المسرح الأوربي الحديث بعدما سادته "الواقعية "، و الطبيعة " قد انتابه رد فعل في فترات مختلفة ، فأخذ أحيانا يلوذ بالخيال وبالشعر . غير أن النثر - في رأي أغلبية النقاد ما برح الأداة الصحيحة للأدب التمثيلى . ولكن في نفس الوقت وكنتيجة لرد فعل آخر ضد النثر الواقعي الخالص حدثت محاولات للوصول إلى لغة تظل نثرية وتكون في الوقت ذاته أكثر تأثيرا وأرفع مستوي . وهذا هو - كما يقول نيكول - ما وفق إليه التعبيريون في ألمانيا ، فاصطنعوا لغة نثرية منتقاة ومركزة وصارت ( الشخصيات ) عندهم أنماطا يمثل كل منها جمعا من الناس . وإذ يستلزم هذا تركيز عدة آحاد في شخصية دراماتيكية واحدة ، فقد حاول المؤلفون ضغط كلماتهم في عبارات مركزة ومبينة معا . واتبع الألمانيين بعض المؤلفين الإنجليز وإن لم يبلغوا مبلغهم في هذا الصدد .
ويعتبر بريستلي priestley من خير هؤلاء . والمعروف أنه بدأ حياته الأدبية كاتب قصة ومقالة . فلما عالج كتابة (المسرحية ) تجلت فيه ميزة التلاعب بالزمن . ولكنها لم تكن واسعة الذي في مسرحياته الأولى ومنها هذه المسرحية ، إذ أن
خصائصه لم تكن قد تبلورت بوضوح تام في هذه المرحلة . ثم انتقل إلي مرحلة أخرى حاول فيها إيجاد التعبير الدراماتيكي للتصورات الزمانية والمكانية ، كما حاول التعبير عن الانفعالات المتباينة تعبيرا موضوعيا مما أوضح الفرق مجسما بينه وبين الواقعيين ، واستطاع بهذا كله أن يهئ لمسرح الإنجليزي أفاقا جديدة وإن كان بهذا قد زحزحه بعض الشئ عن مواضعاته الوطيدة .
ولسبب ما - لعله الشعور صعوبة هذا النوع من المسرحيات - تحول خلال الحرب الأخيرة إلى لون آخر من ألوان التخيل أدى إلى وضعه بين التأثريين أو الانطباعيين . وبعد . . فقد كان خليقا بفرقة المسرح الحديث أن تشرح للناس مسرحيته التي قدمتها لهم لتعينهم على فهمها وتذوقها .
مع الاذاعة البريطانية :
في ١٧ مارس من كل عام يحتفل الايرلندون بعيد القديس باتريك . وقد اشتركت محطة الإذاعة البريطانية في احتفال هذا العام بثلاثة برامج خاصة بهذه المناسبة :
البرنامج الأول تمثيلية هزلية موضوعها أن الضابط ( كونور ) يولع بفتاة حسناء ويطلب يدها من والدها القاضي ( كريديوس ) فيرفض لأنه بأبي إلا أن يزوجها لرجل من رجال القانون . ويحتال العاشق بمختلف الحيل دون جدوي ، وأخيرا يتحالف مع أحد الأطباء لإبهام القاضي بأنه أصيب بتسمم خطير لا ينقذه منه سوى طبيب ألماني مشهور . ويتنكر الضابط في زي هذا الطبيب الألماني ويساوم القاضي على شفائه بشرط أن يتزوج من ابنته . .
والبرنامج الثاني كونسرتو موسيقى إيرلندية تقليدية . والبرنامج الثالث حفلة راقصة وموسيقى وأغان حديثة .
برامج كلها بهجة ومتعة وإيناس . وهكذا يحتفلون بأعيادهم . ترى متى نحتفل بأعيادنا في هذا النحو الفني البهيح ؟! .

