الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 641الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, الخيانة العظمى

Share

هذا هو اسم الرواية التي استهل بها يوسف وهي بك موسمه الجديد مع الفرقة المصرية بمسرح حديقة الأزبكية وإني لأوثر أن احاسبه على الأسس التى وضعها هو حيث يقول في النشرة التي قدمها خلال التمثيل : " لقد صحت عزائمنا على النهوض بالمسرح المصري مهما كلفنا هذا من جهد ومن تضحيات ، متكاتفين متضامنين جمعيا ، وهدفنا الأول نيل ثقة النظارة ، وإرضاء ضمائرنا" فقد كان من أفظع ما يتهم به دائما أنه ( أولا ) فردى النزعة يستبد به حبه لذاته ، وانه ( ثانيا ) يضحي بالفن في سبيل إرضاء الرغبات السطحية واستدرار التصفيق من عامة الجماهير .

وليس أحب لي كناقد بقدره كممثل من أن أراء يدرأ عنه ما اتهم به ، غير أني بعد ما شاهدت روايته الأولى أحب أن أصارحه بأنه لو استمر على هذا المنوال لما كان في حاضرة ومستقبله سوى صورة مكررة من ماضيه ؛ ففضلا عن أنه جمع - كعادته - بين التأليف والإخراج والتمثيل ، فقد وضع - كعادته أيضا - بضع عشرة صورة له في أوضاع مختلفة بالغة الضخامة خارج المسرح وعند مدخله ، وحول شباك التذاكر ، في حين لم يظفر " زملاؤه " بأكثر من صورة واحدة صغيرة في ركن من السور الخارجي ؛ علاوة على ذلك فقد أسند إلى نفسه دور البطولة وهو دور يستنفد جل وقت العرض ؛ فإذا فرضنا أنه - وهو المؤلف والمخرج - لم يتعمد ذلك ، وإنما هي ضرورة أدت إليها طبيعة الدور نفسه ، فما الرأي في أن ( الستار ) لم يسدل مرة واحدة إلا عليه هو دون غيره في كل مشاهد الرواية بلا استثناء ؟ !.

الحق أني لا أتوجس من هذه " الفردية " إلا من حيث أثرها على الفرقة كلها كمجموعة ينبغي أن يسودها ما يسود كل هيئة فنية من روح تعاونية . هذا عن التهمة الأولى .

أما عن التهمة الثانية فالأمر يتطلب النظر في موضوع

الرواية وكيفية معالجته :

صانعان استطاعا بالجد والمثابرة خلال الحرب الماضية أن يشتركا معا في إنشاء ( مسبك معادن ) إن يكن متواضعا في مظهره إلا أنه حفزهما إلى طلب المزيد ، فحاولا الاشتراك في صفقات ومناقصات ومزايدات مختلفة ، ولكنهما اصطدما بحقيقة مرة مؤداها أن الربح من هذه الأعمال لا يكون إلا بمساومات تتعارض مع الشرف والضمير ، وها يختلفان : أحدهما يؤثر الاستكانة والانسحاب ، والآخر ( عوض الله افندي ) يبهره بريق المال فيؤثر التخلي عن شرفه وضميره . وينساق بإغراء سمسار يهودي نحو الغش والرشوة ، ولا يزال يعقد صفقة بعد صفقة حتى يبيع أسلحة تالفة للجيش المصري تكون سببا في ثرائه ثراء فاحشا من جهة ، وفي استشهاد مئات من الضباط والجنود من جهة أخرى وتتفاقم الشائعات ، ويأتي إليه ولده الضابط - فقد كان له ولدان أحدهما ضابط والآخر صيدلي - لينتبت من الحقيقة وينبئه بالعار الذي لحقه من جراء استشهاد زملائه غدرا بسبب فساد الأسلحة ، ويواجهه بذلك فينكر ، ويترتب على هذا أن يحاول - أي الضابط - التدليل على طهارة ذمة أبيه بتجربة إحدي القنابل التي باعها للجيش فيموت ضحيتها ، إذ ذاك يستقيظ ضمير ( عوض الله افندي ) فيقتل السمسار ، ثم يسترضي أسرته التي كانت قد قاطعته ، ويتعلل بأنه إنما أجرم ليسعدها ، وأخيرا ينتحر .

وواضح أن موضوع هذه الرواية بدور حول أحداث قد تكون شبيهة بأحداث أثارت اهتمام الناس أخيرا ، ولكنها - من الوجهة الفنية - أحداث غير مسرحية لأن المسرح - كما يقول هكسلي - لا يتناول غير الحقائق الكبرى ، ولا يعني بالمناسبات العابرة بالغة ما بلغت جسامتها وخطورتها . وصحيح أن بعض مؤلفى المسرح في أوربا يتجاوزون عن ذلك ، ويتخذون من مثل هذه الأمور مادة لمسرحياتهم ، غير أنهم يراعون دائما إخضاعها للأوضاع المسرحية الفنية .

أما في هذه الرواية فالملحوظ جدا أنها مجرد عرض حواري لمفاضلات مذهبية وأخلاقية بقصد "الوعظ" والمسرح ليس مجالا للوعظ السافر على النحو الذي اصطنعه مؤلفنا ، بما بثه من تعبيرات دينية وآيات قرآنية ، ومونولوجات مثيرة من الناحية الوطنية ، وديولوجات مفعمة بالفاظ الشرف والضمير والمثل العليا.

فكيف مع هذا كله يريد أن يدرأ عن نفسه تهمة التضحية بالفن في سبيل إرضاء النزعات السطحية واستدرار التصفيق من العامة ؟ !

وكيف تصدق أنه قد صحت عزيمته على " النهوض " بالمسرح ، في حين أنه في هذه الرواية قد أعاد العامية إلى الحوار وأعاد الواقعية إلى الإخراج . وأعاد الرومانسية إلى الأداء ، وأعاد ( الكمبوشة ) إلى قواعدها فوق المسرح ؟ ! ثم ملاحظة أخرى وأخيرة :

لقد عرضت دور السينما عندنا منذ عامين فيلما أمريكيا عنوانه ) الكل أبنائي All are my Sons ) وموجز موضوعه أن صانعين استطاعا بالحد والمثابرة خلال الحرب الماضية أن يشتركا في إنشاء ( مصنع للسلندرات ) وزين لهما الجشع أن يصنعا سلندرات تالفة ، وأن يحاولا توريدها للجيش بمساعدة بعض السماسرة المرتشين ، واختلفا عند التنفيذ .

فأما أولهما فآثر التريث ، وأما الآخر ( المسترجو Joe )  فتمارض واعتكف في داره ، ولكنه في نفس الوقت اتصل بالمصنع تليفونيا وأمر بإتمام الصفقة ، واستولي على نصيبه من أرباحها . فلما افتضح الأمر وقدم الشريكان للمحاكمة أثبت ( جو ) أنه كان مريضا فثبتت التهمة على زميله وسجن بسببها . والعجيب أنه كان للمستر ( جو ) هذا ولدان ، والأعجب أن أحدهما " ضابط " استشهد في ميدان القتال . أما الثاني فقد أولع ببنت شريك أبيه . . وحدث أن تفاقمت الشائعات حول فساد السلندرات ، فتوجه إلى السجين ، وعرف تفاصيل الأمر وواجه بها أباه فأنكر . وسرعان ما تعثر فتاته على خطاب من أخيه إلى أبيه ينبئه فيه بالعار الذي لحقه من جراء استشهاد زملائه غدرا بسبب تلف السلندرات التى باعها للجيش ، وعندئذ يضطر الأب ( جو ) إلى الأعتراف ، ويتعلل بأنه إنما أجرم ليسعد أسرته ثم يتوجه إلى حجرته وينتحر فيها !!

أتراني أكون سيئ الظن إذا ظننت أن يوسف وهبي بك قد شاهد هذا الفيلم ، ولعله تأثر به تأثرا تلقائيا ! أنا على ثقة من أن اسم ( المسترجو ) يغاير اسم ( عوض الله افندي ) وأن ( مسبك المعادن ) يغاير ( مصنع السلندرات ) وأن الفيلم السينمائي لم يتحدث عن حرب فلسطين ولم يتضمن آيات قرآنية ، ومن ثم لا يستطيع أي مكابر أن يزعم أن مؤلفنا قد " اقتبس " فكرة روايته من ذلك الفيلم ، وكل ما في الأمر مجرد توارد خواطر .

فهل يمكن أن أتمني - دفعا لكل ظن - ألا يتكرر (توارد الخواطر) هذا ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية