فى الأسبوع الأخير من إبريل الماضى ، احتفلت الكنيسة الشرقية بأسبوع الآلام أو الأسبوع المقدس الذى يبدأ ( بأحد السعف ) وينتهى ( بعيد القيامة ) . وقد سبق أن احتفلت الكنيسة الغربية بنفس هذا الأسبوع Holy Week مع اختلاف فى التاريخ ، إذ بدأ أحد السعف Palm Sunday يوم ١٨ مارس القاضى وانتهى عيد القيامة Easter Day فى الخامس والعشرين منه .
ولست الآن بصدد البحث فى أسباب هذا الاختلاف ، وإنما يهمنى هنا البحث عن أسباب اختلاف أثر كل من الاحتفالين فى الفنون عامة وفى الفن المسرحى بصفة خاصة . فمن المحقق أن الاحتفالات الدينية بالأسبوع المقدس ونظائره من المناسبات ، قد تطورت فى الغرب إلى مسرح ، بينما لم تتطور على هذا النحو فى الشرق .
فى انجلترا مثلاً أضيفت نصوص Tropes additional أو Tepts إلى الألحان الكنسية ، وبدأت منذ القرن الثامن تعرض مع النصوص الدينية فى شكل " حوار " كذلك العرض الرمزى الذى يمثل مجىء المريمات الثلاث إلى قبر المسيح ، ويدور فيه مثل هذا الحوار :
- عمن تبحثن فى القبر أيتها المسيحيات ؟ . - يسوع الناصرة الذى صلب . - إنه ليس هنا . لقد قام كما قال من قبل . إذهبن وأعلن الملأ أنه قام من القبر .
ومعلوم أن هذه ال Tropes فصلت على حدة بعد ذلك وأصبحت تقدم بذاتها ، ثم نظمت تنظيماً دراماتيكياً . وسرعان ما تطورت ، إذ نما الحوار واغتنى وتلونت الحركة وتنوعت ، وسرعان أيضاً ما أدخلت اللهجات العامية فيها ، وقد ساعد هذا كله على اقتراب الدراما الدينية من الناس
والدنيا ، وابتعادها عن القساوسة والكنيسة .
وشبيه بهذا ما حدث فى فرنسا ، حيث نشأ فى القرون الوسطى مسرح استمد موضوعاته أول الأمر من الدين المسيحى ، ثم امتزجت الموضوعات الدنيوية بها شيئاً فشيئا إلى أن أصدر برلمان باريس عام ١٥٤٨ قانونا يمنع ( جماعة المأساة المقدسة Contreres de la Passion) من تمثيل الموضوعات الدينية ، وبذا انقطعت آخر حلقة بين الكنيسة والمسرح ، وترتب على ذلك أن سهل تماماً على " الإنسانيين Hamaniss Confreres " أن يبدأوا مرحلة جديدة وسديدة فى الأدب التمثيلى .
وهكذا تمخضت الاحتفالات الدينية فى انجلترا وفرنسا وغيرهما من أمم أوربا بصفة عامة ، عن مسرح كان النواة الأولى للمسرح الأوربي الممتاز .
ولا يتسع المقام للاضافة فى إيضاح أثرها فى مختلف ألوان الفنون الأخرى ، ويكفى أن أشير إلى ما أذاعته محطة الإذاعة البريطانية هذا العام خلال الاحتفال بالأسبوع المقدس ، فقد تضمن برنامجها ترجمة لقصيدة ألفريد دي فينى " جبل الزيتون " التى يصف فيها صعود المسيح إلى ذلك الجبل وابتهاله إلى الله أن ينقذه من الهلاك . . كما تضمن إذاعة إحدى أوبرات الموسيقى العظيم سبستيان باخ ، وهى " المأساة كما رواها متى " كما تضمن كذلك إذاعة بعض روائع هاندل وبخاصة " المسيح " وما إلى ذلك مما يدل على أثر الطفوس الدينية العميق ، لا فى المسرح وحده . بل فى الشعر والغناء والموسيقى . . إلخ فى أوربا .
فلماذا لم يكن لها مثل هذا الأثر فى الشرق ؟ . لست أبتغى من وراء ذلك بحثاً تاريخياً ، وإنما ابتغى الاهتداء إلى علة قصور البيئة الشرقية عن التطور الفنى ،
مما سبب هذا الجمود الشامل الملحوظ فى مختلف فنونها ومختلف أممها ومختلف عصورها .
والمشكلة ليست هينة . ويزيد من تعقيدها أن نفس التراتيل والطقوس الدينية التى تطورت تطوراً فنياً فى الغرب هي نفس الطقوس والتراتيل التى لم تتطور على هذا النحو فى الشرق . بل أكثر من هذا أن الموضوعات الرمزية التى تدور حولها إنما هى فى أصلها منقولة - كما يقول Ohambers - من كنيسة أورشليم خلال القرن الرابع الميلادى .
فالمقطوعة التى أسلفت ذكرها على هيئة حوار مثلا هى فى أصلها جزء من الأصحاح الرابع والعشرين من إنجيل لوقا ولا يزال يرتل في الكنيسة الشرقية ، ولكن على النحو التالي : ( تم فى أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذى أعددته ومعهن الناس فوجدن الحجر مدحرجا عن القبر فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع ، وفيما هن محتارات فى ذلك إذا رجلان وقفا بثياب براقة . وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض قالا لهن لماذا تتطلبين الحى بين الأموات ليس هو ههنا لكنه قام .... )
والعجيب أن هذه الطقوس الدينية مترعة - فى أصلها الشرقى - بالإمكانيات الفنية . ولنضرب مثلاً بيوم ( الجمعة الكبيرة ) كما تحتفل به الكنيسة الشرقية .
يبدأ الاحتفال صباحاً بصلاة تقرأ فيها بعض إصحاحات الكتاب المقدس الخاصة بموضوع الصلب . وعندما يحين الظهر تبدأ صلاة أخرى ، إذ توضع صورة السيد المسيح - مصاوبًا - على منضدة تسمى " منضدة الصلبوت " إلى أن يأتى موعد الصلب فتطفأ الأنوار بعض الوقت ثم تضاء ويطوف الفسيس بالصورة فى أرجاء الكنيسة ، ثم يضعها على المذبح حيث تلف بلفائف حريرية وتغطى بالورود وتقرأ عليها مزامير ( داود النبى ) ويوضع حولها شمعتان وتترك هكذا إلى " عيد القيامة " .
أفبعد هذا دليل على أن فى هذه الطقوس إمكانيات فنية ؟ يكفى أنها غنية " بالرمز " وهو أقوى أداة للمحاكاة . فانطفاء الأنوار عند الصلب رمز لظلام العالم . ووضع الصورة
على المذبح ولفها بالحرير وتغطيتها بالورود رمز للدفن . والشمعتان الموقدتان حولها رمز للمسكين حارسين . . وهكذا .
وإذاً فكيف تأتى للغربيين أن يستغلوها - دوننا - استغلالاً فنياً ؟ وهل يجوز بعد ذلك أن نستنتج أن البيئة الشرقية بيئة غير ذات مجال فنى ؟ وإذا صح هذا فما العلاج ؟ !
