منذ أسبوعين أذاعت محطة الإذاعة المصرية هاتين الروايتين من دار الأوبرا الملكية حيث قدمتهما فرقة المسرح المصرى الحديث .
الروايتان من تأليف موليير ، وهو - كما ذكرنا فى مناسبة سابقة - واضع أسس الكوميديا الفرنسية التى يمتاز بعنايتها بواقع الحياة وبالنظرة النقدية للسلوك الإنسانى . وإذاً فلا يجدر بنا أن نكتفى من سماع أو شهود روايتيه بالتحدث عن روعتهما أو التوصل بهما للتدليل على براعة أو عبقرية مؤلفهما ، بل أهم من هذا وأجدى أن حاول فهم مقومات هذه العبقرية الفريدة ، ودقائق وأهداف هاتين الروايتين ؛ ففى ذلك نفع محقق لجمهورنا و ( لعباقرتنا ) أيضاً من مؤلفين ونقاد على السواء .
من أجل ذلك كنت أرجو أن تمهد محطة الإذاعة لهما بمحاضرة او محاضرات تتناول هذا جميعه بالشرح والتفسير والتفصيل .
واعتقادى أن أول ما يجدر بنا إدراكه أنه ما من عبقرى منتج إلا وله من ظروفه وبيئته ما ساعده على إبراز عبقريته وتكييف إنتاجه وتلوينه بلون معين . وموليير وللممتازون من معاصرية ما كانوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا أن غمرهم تيار أدبى واحد واتجاه ثقافى واحد وعاشوا فى عصر ذى سمات خاصة به ، الأمر الذى أدى إلى إمكان وضعهم جميعا تحت عنوان واحد هو ( الكلاسيكية ) .
كذلك يجدر بنا أن ندرك انه ما من مرحلة ناضجة من مراحل الخلق الفنى إلا وسبقتها مراحل غير ناضجة كانت هى بذاتها وتجاربها أهم مكونات النضج الذى أعنيها . وهذا ينطبق على كل العصور الذهبية في تاريخ الفن بلا استثناء .
فسوفوكليس الإغريقى فى القرن الخامس قبل الميلاد ، وشكسبير الإنجليزى فى القرنين ١٦،١٥ ، وإبسن النرويجى فى العصر الحديث . . هؤلاء وأمثالهم شواهد تؤيد ذلك . وكذلك العصر الذهبى الكلاسيكى فى القرن ١٧ فى فرنسا . والنقاد الذين يحصرونه بين عام ١٦٦٠ وعام ١٦٨٥ هم أنفسهم الذين يحصرون الفترة الممهدة له بين عام ١٦١٠ وعام ١٦٦٠ . وموليير الذى بلغ الذروة فى الفترة الذهبية هو موليير الذى عاش معظم الفترة السابقة الممهدة لها يدرس ويستفيد ويجرب ويحتذى ما وسعته الدراسة والاستفادة والتجربة والاحتذاء .
لكن مع هذا لابد من استعدادات ذاتية وإلا لصار كل الناس أو معظمهم فنانين ولظل كل الفنانين أو معظمهم فى مستوى واحد ودرجة واحدة .
وحسب موليير دلالة على ذاتيته أنه عاش فى جيل تقليدى كان معيار نجاح المؤلف المسرحى فيه متوقفاً على مدى خضوعه لنظريات نقاد النهضة الإيطالية ومدى احتذائه للإغريق ؛ ورغم ذلك استطاع أن يجمع بين تحقيق هذا وتحقيق اصالته في نفس الوقت . ولعل من اكبر ما ساعده على ذلك اعتماده - إلى جانب ثقافته ودراسته النظرية - على الخبرة العملية نتيجة احتكاكه بالجمهور احتكاكاً قوياً ومباشراً خلال طوافه بالمقاطعات فبينما كان معاصروه يرهقون أنفسهم بإنتاج كوميديا ذات عقدة وحبكة وبناء محكم ، نجده تارة يحتذى الأقدمين وتارة أخرى يلتزم النوع الشعبى المعروف ( بالفارس ) أو النوع الإيطالى المعروف بالكوميديا المرتجلة ، أو يمزج بين ذلك مزجاً تكيفه مقدرته الخالقة . بمعنى أنه يستفيد من القواعد ولا يذعن لها ويستلهم الإغريق والرومان ولا يخضع لهم بلا بصيرة
من ها تميزت كوميدياته بطابع خاص نستطيع أن نرمز إليه بكلمة واحدة وهى ( البساطة ) . بساطة لا تكلف فيها ولا تعقيد . بساطة هادئة ولكنها ثاقبة ، وواضحة لكنها حاسمة وقوية فى وصولها إلى الهدف .
ويتجلى ذلك بوضوح فى ( التحذلقات ) و ( مريض الوهم ) على السواء .
ففي ( التحذلقات ) يضحكنا ضحكاً إنسانياً رفيعاً من فتاتين ساذجتين نشأتا فى الريف الفرنسى وضاقتا بما فيه من وداعة وسماحة وصراحة ، فجاءتا إلى باريس ، للاستمتاع بما استقر فى ذهنيهما عنها من ارتقاء وتمدين ، ولمشاركة أهلها ذوى الظرف والرشاقة واللطافة فى حياتهم المهذبة وسلوكهم الطريف . ولكن يتقدم إلى خطبتهما شابان لا تتوافر فيهما سمات التأنق والتظرف ، فتعرضان عنهما فى فتور وعدم اكتراث . ثم يتقدم إليهما ( المركيز مسكريل ) و ( الفيكونت جودليه ) فتقبلان عليهما إقبالاً حاراً . فى هذا المشهد يسخر موليير العظيم من سلوك أهل باريس المتكلف وأساليبهم الحليمة فى شتى شئون الحياة ، ويمعن فى سخريته من أدعياء الأدب والفن ورواد الصالونات والمحافل الأدبية من متطرفين ومتأدبين ومتشاعرين ؛ وأخيرا يتضح أن المركيز والفيكونت الذين قوبلا بالحفاوة والتكريم ليسا سوى خادمين للذين قوبلا بالفتور والازدراء .
بهذه الحيل البسيطة وفى هذا المجال البسيط يدير موليير أحداثه الدراماتيكية الشائقة .
ويمثل هذه البساطة البارعة يظهر لنا ما في ( مريض الوهم ) وما فى أدعياء الطب من ذهول وآلية وعناد ؛ فهو لفرط ذهوله وآليته وعناده يجهل أنه سليم معافى ، ويتحرك فى خطوط واحدة تتجمع كلها كما تتفرع كلها من نقطة واحدة هى مرضه الموهوم ؛ وهم لفرط ذهولهم وآليتهم وعنادهم يجهلون جهلهم ، وكم فى الناس من مريض بوهمه ، ومن جاهل بجهله !. .
على أن الحقيق بالالتفات دائماً أن موليير لا يصور فى كوميدياته متطرفاً معيناً ولا متحذلقاً معيناً ، ولا مريضاً
واحداً ، ولا موهوماً واحداً . . الخ ..
كما انه لا يندد بالتظرف والأدعاء والتحذلق من الناحية الأخلاقية وحدها ، ولا يهدف إلى مجرد إضحاكنا فحسب ، بقدر ما يصور الفرد الخارج على أوضاع المجتمع والجاهل حقيقة نفسه ، أى يصور ( الإنسان ) عندما ننقصه المرونة ، وتعوزه اليقظة والقدرة على ملامسة الظروف ، والبيئة الاجتماعية ، كما يصور حماقات المجتمع ذاته وما ينتابه من سخافات تتكرر حتي تصبح مألوفة بل مشروعة .
الخلاصة أنه يحقق وظيفة الفن الكوميدى الجوهرية التى ترينا الواقع رؤية مباشرة ونقية ، ذلك الواقع الذى تحجبه عنا ضرورات الحياة اليومية الضائقة بمصالحنا الخاصة .
