الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 682 الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, المسرح للملايين

Share

أثار بعض الكتاب في الأيام الأخيرة مشكلة قديمة من مشاكل الفن ، وهي مشكلة " الفن للفن والفن للمجتمع " وأنا كرجل من رجال المسرح أحب أن أدلى في هذا الصدد برأيي ، وأود أن أذكر من تناولوا هذا الموضوع بعض وجوه المسألة عسى أن تتفق جميعا في النهاية ، وعسى أن تتضح المشكلة على حقيقتها فنهتدى إلى طريق الصواب ونضع ايدينا على حقيقة المسألة .

ويعنينى قبل كل شئ أن أسوق بعض الحقائق العلمية التي اعتبرها أساسيا لبحث هذه المشكلة وهي حقائق ثابتة واضحة لا سبيل إلى إنكارها أو جحودها أو التشكك فيها

وأولى هذه الحقائق أن الإنسان حيوان اجتماعي . وفي ذلك يقول الفيلسوف تارد tarde: " إن الإنسان كائن اجتماعي مركب في كائن حيوى ، ويتفق معه كل من كونت ودير كايم في أن العقل الإنساني يمتزج ويختلط ويتأثر في كل زمان ومكان بعوامل اجتماعية .

إن الإنسان اجتماعي إلي حد أن الوحدة تجعله عاجزا كعضو مبتور ضعيف متروك لأخطار الطبيعة ولأخطار أعدائه ولأخطار نفسه على وجه الخصوص . ويذهب بارندل

Blondel في هذا الرأي إلي حد أن يقرر أن الذاكرة نفسها ليست شيئا فرديا ، وإلى أن المجتمع في كل زمان ومكان لا يمكن أن ينفصل كما تعودنا أن نظنه فرديا فينا ، لأن المجتمع يؤثر فينا تأثيرا قويا مباشرا ، ويعتبر في حضور دائم مستمر بالنسبة لنا .

أما الحقيقة الثانية فهي أنه من المحقق أن مجرد تعبير الإنسان عن نفسه ينطوي علي الشعور بوجود الجماعة ، أو على الأقل بوجود فرد آخر ، بينه وبين من يعبر عن نفسه صلات ومشابه ، إذ أن كل تعبير يبحث عن إثارة رد فعل عند الآخرين . فالجريح إذا كان وحده " يئن" من الألم الجسماني ، هذا الألم الذي لا علاقة له بالغير ، أما إذا كان محوطا بالناس أو إذا كان يتصور إمكان السعي إليه بالنجدة والعون من الآخرين فإنه " يصرخ " .

والحقيقة الثالثة هي أن عواطفنا وانفعالاتنا نفسها - وليس مجرد التعبير عنها - تقوى وتتغذي بمشاركة الناس فيها ، إذ كانت مألوفة لدي الوسط الذي يحيط بنا وليست غريبة عليه . وكلما كان هذا الوسط يشاركنا إياها مشاركة صريحة واضحة ، كانت هذه العواطف أكثر شبوبا

واضطرابا . ومن هنا كانت الوحدة الروحية اشق على نفوسنا من الوحدة المادية . إنه لا يمكننا حقا أن نتخيل إنسانا يعيش في وحدة كاملة . ولكنه يخلق لنفسه مع ذلك مجتمعا يتكيف معه ؛ وذلك إما بواسطة الحيوانات والأشياء التي تحيط به ، وإما بمجرد التخيل . فإن لم يفعل فإنه يفقد صفاته الإنسانية نفسها ليصير إنسانا ألى أو بطلا خرافيا أو حيوانا ، أي شيئا غريبا علينا لانعرفه .

ويقول برجسن Bergson في كتابه الضحك : " إننا لانستطيع أن تتذوق الضحك إذا كنا وحدنا ، يخيل إلى ان الضحك في حاجة إلى صدي . انصت إليه جيدا ، إنه ليس نفسه واضحة متميزة منفردة ، بل شئ يريد أن يمتد متصل في انعكاسات متوالية . شئ يبدأ بفرقعة ويستمر في تهزم كتهزم الرعد في رءوس الجبال ، إن ضحكنا هو على الدوام ضحك جماعة ما " .

ويضيف باوندل إلى ذلك قوله : " إن ملاحظة برجسن تمتد إلى كل ما يتصل بالحياة الانفعالية ، وإن المجتمع هو البيئة الطبيعة للحالات الوجدانية ، وشرط من شروط نموها وتطورها ؛ وإذا كان يحدث أحيانا أن تندي عواطفنا وانفعالاتنا بغض النظر عن وجود من يشاركنا إياها ، فذلك لأن خيالنا يعج بالنظارة الوهمين . ولأن شعورنا يمكننا من أن نباشر ضربا من الثنائية De doublement الباطنية ، فنقيم من أنفسنا أصدقاء ، أو أعداء لأنفسنا ، ونبتهج ونحزن ونبث الشكوي لأنفسنا ، وتقدم لها صورا من الامنا ودموعنا وأنفعالاتنا " .

هذا ، هي الحقائق التي حرصت على إيرادها ، ويمكن تلخيصها على هذا النحو : -

١ - الإنسان حيوان اجتماعي حتى أعمق ما في حياته العقلية والنفسية .

٢ - التعبير الإنساني بطبيعته تعبير جماعي يتطلب أو يفترض لوجوده مشاركة أو وجود الجماعة

٣ - الفن وهو الصورة الرفيعة لهذا التعبير يعتبر تبعا لذلك ظاهرة اجتماعية .

وبذلك يسعنا أن نقول إن الفن لا يتولد من انفعال فردى غريب علينا يحاول شخص نقله إلي غيره ليصطنع به

خلق انفعال مشابه ، بل الفن هو رد فعل طبيعي متشابه متكامل لعدة أفراد يكونون جماعة واحدة ؛ ومن هنا يبدو جليا أن دعوي "الفن للفن" دعوي باطلة ظاهرة البطلان . لأنها لا تنهض على أساس علمي ولا تستند إلى حقائق ثابتة ، إنها دعوي الفرديين المفرقين في الفردية إلى الحمد الذي يجعلهم منفصلين عن المجتمعات الإنسانية ، مما يضطرنا أحيانا إلى أن نسلكهم مع المرضى وإلى أن تقرر انه من الأفضل أن تقدم أعمالهم إلى علماء النفس لا أن تقدم إلي الجماهير .

والآن أبدأ حديثي عن المسرح . فالمسرح باعتباره فنا هو بالضرورة ظاهرية اجتماعية ، وأزيد على ذلك أن المسرح جماعي لا في جوهره فحسب ، بل جماعي في شكله أيضا . هذا لأن الجماهير عنصر أساسي من عناصره . إذ لا يمكن أن يتحقق له وجود بدونها . وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى كلام كثير . غير أني أحب أن ألفت النظر إلى ميزة من ميزات المسرح وخاصة من خواصه التي ينفرد بها عن سائر الفنون . وهي قدرته على خلق الروح الجماعية . ونعني بذلك أن المسرح عندما يخلق الحياة لا يخلفها على خشبته فقط بل يخلقها أيضا في الصالة بين مقاعد المتفرجين . والسراما كما تهب المثل شخصية جديدة غير شخصيته التى يعيش بها مع الناس ، تهب الجمهور كذلك شخصية أخري . فكل متفرج عندما يشاهد المسرحية " الحيدة" إنما ينسلخ في الحقيقة من ذاته ليكون مع غيره ذاتية واحدة مشتركة . إن المسرح عندما بنسينا الواقع بنسينا أنفسنا معه ، لأنه يحطم الأفكار الفردية ليحل محلها أفكارا جماعية فالانفعالات والمشاعر المختلفة من خوف وقلق ، وألم وأمل ، وإعجاب واشمئزاز تسري في جميع المتفرجين كما لو كانوا كلهم فردا واحدا ذا وجوه عديدة ، إن المسرح عندما يمحو الذاتية يحل محلها الروح الجماعية ، وعند ما يصل المتفرج بالشخصيات التي تتحرك على المسرح يصله كذلك بغيره من المتفرجين . ومن هذا يتبين أن نجاح المسرح يتوقف على مدى اتصاله بكل ما هو إنساني في الإنسان ، فإن أغرق في الفردية وتطرف في النزعة الذاتية ، واحتبس نفسه في هذه القوقعة المغلفة تجافي عن طبيعته كفن أولا وكفن مسرحي ثانيا .

ومادام المسرح فنا جماعيا في جوهره وصورته ، فعليه

ان يجتذب الجماهير إليه بكل ما لديه من وسائل حتى لا يفقد مقومات وجوده وعناصر بقائه . عليه أن يقدم إليها غذاءها الطبيعي وذلك بأن يتخذ من حياة هذه الجماهير مادة له . وبأن يحرص على أن تكون بينه وبين الإنسان ككائن اجتماعي وشائج وصلات . فكل مسرحية يجب أن تمثل لحظة من لحظات الحياة وحدثا من أحداثها . وما يجري على المسرح من الكلمة التي تخرج من بين شفتي الممثل إلى أتفه ما يقدم على خشبته يجب أن يكون ممتلئا بالحياة وبالتعبير عنها . إن المسرح يجب أن يعالج الحياة الإنسانية ويعبر عن كل ما يعيش فيها . وكلما استطاع أن يهزنا بتقديم مشاكل الجنس البشري كان أقرب إلي قمة الفن

ولقد يقول قائل " إنه مع تسليمنا بهذا واتفاقنا عليه يجب ألا يحفل المسرح بالجماهير إلى حد الإسفاف والهبوط إلى مستوي الذهن العامى . بل يجب أن يظل المسرح محتفظا بجلاله وكماله كفن غايته أن يرفع الناس إليه لا أن ينحدر إليهم . ولخير المسرح أن يقدم " روائع " الفن مع قلة الإقبال عليها من أن ينحط ليستجدى عواطف العامة وخير له ان يكون جمهوره من صفوة المجتمع المختارة من أن يكون جمهورا من الرعاع " .

وأحب أن أقرر أن من يسوق هذا الاعتراض رجل لم يفهم طبيعة المشكلة . إن المشكلة يجب أن تعرض على هذا النحو : " هل على الفن ان يكون صادرا عن كل ما هو إنساني في الفنان متجها إلى كل ما هو إنساني في الناس ، أي : هل عليه أن يكون صادرا عن المجتمع متجها إليه  أم عليه أن يكون فنا انطوائيا ذاتيا يصدر عن الفنان كما يصدر الشعاع عن الشمس " .

ولا حاجة في إلي القول بأن ما سقته من الحقائق السالفة لا يدع مجالا للشك في أن الفن يجب أن يخرج من المجتمعات الإنسانية وأن يصير إليها . إن المشكلة إذا ليست مشكلة إسفاف أو ارتفاع ، ولكنها مشكلة الباعث الفني والغاية من الفن La fin el le mobile . ولقد تبين لنا بوضوح أن الباعث أو المحرك الفني يجب أن يكون انفعالا اجتماعيا ليس غريبا عن الإنسان ، وأن غاية الفن أيضا هى

أن يشرك الناس فيما يجده الفنان من عواطف وانفعالات وأحاسيس . ومن هنا لا يصح أن ندعي أن الجماهير عاجزة عن تذوق العمل الدرامى والاحساس به ولكن علينا تقع تبعة تقديم ما يمكن أن يجد له صدي في نفوس الناس . علينا أن تقدم إليهم ما يصور آلامهم وأمالهم وما يدعوهم إلى التفكير في مشاكلهم . إننا نعيش في مجتمع تصطرع فيه المذاهب وتفتل الأفكار وتتعقد المشاكل وتثقل فيه وطأة الحياة على جماهير الناس وتضطرهم إلى ألوان من المكاره . وعلى الجملة تقدم لنا الحياة دائما مادة جزلة سخية . فما بال بعض الناس يريد المسرح أن يطير في الفضاء البارد بدلا من أن يلتصق بالأرض الساخنة ؟ ما بالهم يريدون له أن يحلق في الهواء وان ينازل الطواحين بدلا من أن يلابس الواقع ويعب من صميم الحياة وقلب المجتمع ؟ ما بالهم يلحون في أن ينسي المسرح جوهره ويتنكب غايته ويسعى إلى غير هدف ؟ .

إن أصحاب دعوى الفن للفن ، أو الفن لحفنة من الناس ، يخطئون يمضون في الخطأ . إذ الفن كما قدمت ظاهرة اجتماعية ووسيلة تعبر بها المجتمعات عن نفسها لنفسها . ومن يستقريء ، تاريخ الفنون ، ويمعن النظر في طبيعتها ، تصفحه هذه الحقيقة الناصعة

ثم . . من يستطيع أن يدعي أن جماهير الناس لا تفهم الفن ؛ إن للفن لونين : لون يتوخى فيه الفنان التزويق والتجويد والإغراب في الأسلوب وطرائف العرض . أى في الشكل ، وهذا اللون ربما احتاج إلى ثقافة فنية خاصة ، وربما صعب علي عامة الناس أن يفهم بالرغم من بقائه إنسانيا ، ومثال ذلك تلك المدارس الحديثة كالرمزية والإيحائية والتعبيرية ، وما إلى ذلك من أساليب التعبير ، ولون آخر لا يقل روعة ولا عمقا ولا جمالا عن سابقه ، ولكنه يختلف عنه في أنه يخاطب الناس على قدر أفهامهم ويقدم لهم الأشياء في صور لا يستغربونها ، وعن في المسرح نريد أن يفهم الناس ما يقدم إليهم لأننا لانهيم بالأحاجي والألغاز .

أما ما عدا هذين اللونين من " الأعمال " التي قد

تكون مفعمة بالأفكار والمذاهب والفلسفات . فبارغم مما يمكن أن تتصف به من جمال الأسلوب أو قبالة الموضوع فلك أن تسميها بأي اسم تشاء ، وإلا أن تسميها فنا إذا كانت تفتقر إلى نبض الحياة وحرارتها ، ومن ثم فهذه الأعمال لا يعنينا في كثير أو قليل أن تقدم إلي الناس ما ومنا قد أخرجناها عن نطاق الفن

ثم . . ما معنى كلمة " الإسفاف في الفن " إن الفن لا يمكن ان يكون مسفا ولا منحطا . إننا ما دمنا نصف العمل بأنه عمل فني نسلم بداهة بأنه عمل رفيع ، لأن الفن رفيع بطبيعته . رفيع لأنه ليس تقليدا احمق للطبيعة وليس نقلا فوتوغرافيا للواقع . رفيع لأن الفنان يضيف إليه عصارة مشاعره وأحاسيسه ، ويضع فيه خلاصة تجاربه وملاحظاته . رفيع لأن الفنان يذهب في النظر إلي الأشياء إلى أعماقها البعيدة ومجاهلها المستخفية ، فيقول ما لا يقال ويري مالا يري ، لا يمكن إما أن نقول ( هذا فن رفيع وذاك فن مسف ) بل يمكن أن نقول هذا فن وهذا سخف

أو هذا فن وهذا تهريج وصفوة القول أننا عندما ندعو إلي أن يكون الفن للجماهير ندعو الفنان إلى أن يهبط إلى الشارع وبلامس الواقع ويستشعر آلام الناس وآمالهم . ويذوق معهم حلو الحياة ومرها ، ثم يقدم لهم بعد ذلك عملا فنيا رفيعا تكون صياغته في متناول أفهامهم ومداركهم الصافية ؟ فالعمل الدرامى تقاس رفعته بمقدار ما في جوفه من الأفكار

والعواطف الإنسانية ومدي قدرته على تقديم نماذج بشرية صادقة ، وعلى تحليلها تحليلا عميقا يكشف عن أسرارها ويشق الآستار عما يتمشى في بواطنها السحيقة . إننا عندما تدعو ان يكون المسرح لملايين لا نعني قط أن ندعوه إلى أن يعالج الأمور علاجا ساذجا أو أن يتناولها تناولا صبيانيا معتمدا في ذلك على المواقف الملفقة والخطب الرنانة والافتعال والمبالغة بالقوالب الكلامية أو اللكنة اللفظية .

كلا . إننا نحتقر هذا اللون ونخرجه من دائرة الفن ، كما نلفظ كل عمل قد يتمتع بصفات النبالة في الأداء والسمو في التعبير والعمقي في التحليل إذا كان لا يمس الحياة الإنسانية ولا يلم بها ، وإذا كانت تغلب عليه برودة ) النزعة الفردية ( وأحلامها .

الآن يخيل إلى أن المسألة قد كشفت عن نفسها ، فلا يمكن تصور وجود الفن من أجل الفن ، كما أن دعوي الفن للمجتمع لايعنى الهبوط والإسفاف ، ولا نعنى حصر المسرح في مشاكل بيئة بعينها أو في علاج موضوعات المناسبات .

وإنما نقصد إلى أن يمد السرح كلنا يديه للناس وان ينزل إلي حياتهم يستلهمها ويصورها في كل جوانها وآفاقها تصويرا إنسانيا حارا . رفيعا ، عميقا ، إذ العبرة أولا وأخيرا بقدرة الفنان على العلاج واستيعاب الموضوع وعلى الا ينحرف إلي ما وصممناء بالتهريج والسخف .

اشترك في نشرتنا البريدية