الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 686الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, تمثيلية " الوارثة "

Share

هذه أيضا تمثيلية قدمتها فرقة ( جان مارشا ) بدار الأوبرا الملكية ، وقد أعدها للمسرح الكاتب الفرنسي لويس ديكريه مقتبسة من قصة ( ميدان واشنطن ) التي ألفها الكاتب الأمريكي هنري جيمس في أواخر القرن الماضي ، وربما كان أهم ما في هذه التمثيلية بالنسبة لنا أنها تثير بيننا مشكلات فنية كثيرة جديرة بالمناقشة .

أما المشكلة الأولى فهي مشكلة الاقتباس ، ولعله من العجيب أن يلجأ المسرح الفرنسي إليه على الرغم من وفرة المؤلفات الفرنسية التي تفوق الحصر في عددها وأنواعها واتجاهاتها ، وعلى الرغم مما يؤخذ على الاقتباس ذاته من مآخذ بالغة الخطر ؛ فمن المعروف أن المسرح مرتبط بالبيئة التي يعيش فيها ارتباطا وثيقا ، وهذا ما لا يمكن توافره دائما في المسرحيات المقتبسة ، ومهما تكن دقة المقتبس في اختبار البيئة التي يقتبس منها ما يصلح للبيئة المقتبس إليها أو في التوطئة والتوفيق بينهما أو في اختيار الموضوعات التي تدور حول حقائق إنسانية عامة ، إلا أن هذا كله قد لا يضمن إيجاد المسرحية المثلى ، ومجرد دوران الموضوع حول حقيقة إنسانية لا يعني صلاحيته المطلقة لكل مسرح وفي كل زمان ومكان ، فإن لكل أمة في كل عصر فهما خاصا وتكييفا خاصا وتناولا خاصا للحقائق الخالصة .

على أننا لا ننفي مع هذا أن كثيرا من النقاد يعتبرون الاقتباس وسيلة من وسائل الإثراء والإخصاب ؛ ودليلهم على ذلك نجاح محاولات بعض مؤلفي العصر الحديث في اقتباس بعض تمثيلياتهم من أساطير ومسرحيات قديمة مثل أوديب وإلكترا وبرومثيوس . والواقع أن نجاح هؤلاء إنما يعزي إلى تناولهم الموضوعات المسرحية القديمة تناولا مسرحيا جديدا في كل شي وخاضعا لفلسفتهم هم في الحياة لا فلسفة المنقول عنهم ، وليس هذا اقتباسا ، بل استيحاء وابتداع

وخلق جديد ، فضلا عن أن الأصول التي استوحوها إنما هي من ذخائر التراث الإغريقي العريق .

أما هنا فالأمر جد مختلف ، ويكفي أن نعرف أن هذه التمثيلية مقتبسة من "قصة"  لم يكتبها مؤلفها لتمثل على مسرح بل لتقرأ في كتاب . ومعلوم أن للفن المسرحي مجالا معينا مقصورا عليه تتجلى فيه قدرته على التعبير الملائم لخاماته ووسائله الخاصة به . وهو بذلك ومن أجل ذلك يختلف عن الفن القصصي وعن كل فن آخر .

ونحن مع ذلك لا نجرؤ على تخطئة ( لويس ديكريه ) تخطئة مطلقة إذا عرفنا أولا أن الشعور الكبير " بمأساة الإنسان "  قد ساد القصة الأمريكية بوصفها تعبيرا عن نوجسات الفرد من حياته وسط مجتمع جارف ليس له قيم متوارثة ولا سبيل إلى الاطمئنان إليه ، وعن ضجره كانسان ذي عواطف يعيش قسرا بين جفاف مادي محيط به من كل جانب . . وعرفنا ثانيا أن ( ميدان واشنطن ) من خير النماذج الفنية المعبرة عن هذا الشعور . . وعرفنا ثالثا أن البيئة الأوربية لم يبق فيها مجال لابتداع هذا اللون ، وذلك - كما يقول ليوباردي - بتأثير ظهور " الفيلسوف المسلح بأفووي أدوات للعرفة " ومن ثم ظفرت هذه القصة منها بإقبال شعبي منقطع النظير واقتبست لا للمسرح فحسب بل كذلك للسينما .

والحق أن تاريخ فن القصة الأمريكية علي قصره يسجل لكاتبها وصاحبه ( كونراد ) فضل إعتاقها من تلك العبودية التى كانت تقضي عليها بتمثيل البيئة المحلية فقط ، ويسجل أيضا امتيازه على صاحبه في تصوير الأحداث العنيفة تصويرا متئدا ، ويسجل كذلك تفرده دون صاحبه سواء في براعة الجوار إذ كان يعتبر " أن التوفيق في تناقل الكلمات بين شخصيات الرواية هو الشئ الذي يجعل من الروائي فنانا " أو في

براعة الجمع بين الأنماط المتباينة بل المتعارضة من الشخصيات في القصة الواحدة دون أن يكون في اجتماعها معا نفور أو شذوذ ، وهذا ما يلاحظ بوضوح في قصته هذه التي أدارها حول أربع شخصيات ، هم الدكتور ساوبر وابنته كاترين وعشيقها موريس وعمتها المسز ألموند ، وجمعهم في حياة مشتركة وجعل لكل منهم سمات اختص بها وحده ومدارا خاصا يجري فيه دون سواه ، بحيث لا يتجلي أحدهم للآخر أكثر من مرة واحدة وفي لحظة قصيرة تكون هي مصدر قلقه وارتيابه وسبب تعاسته في النهاية . فالدكتور سلوبر رجل استطاع بمثابرته واجتهاده أن يصبح من أشهر الجراحين في عصره وان يقتني ثروة ضخمة وأن يقيم في ميدان واشنطن دارا حافلة بمعالم الفخامة والترف ، وقد أثر هذا على سلوكه فكان يحرص على الظهور بمظهر الوقار وكان لا يبذل جهدا إلا فيما يعود عليه بالنفع ، كما أثر علي عواطفه حتى لقد كان يعتقد " أن الحب لا يمنح إلا لمن يستحقه " وماتت زوجته وهي تضع ابنته فحزن عليها حزنا شديدا لأنها كانت جميلة وذكية وعذبة الحديث . وعاش بعدها على أمل واحد هو أن ترث ابنته عنها ما كانت تتحلى به من صفات ، ولكن ما كادت الأيام تمضي حتى تبدد هذا الأمل ، إذ أن كاترين المسكينة كانت مصابة بالدمامة والعباء والقهاهة . وظلت الأيام تمضي حتى أكملت ثلاثين عاما فإذا بدار الدكتور سلوبر تحفل ذات يوم ببعض أقاربه وفي صحبتهم شاب علي جانب كبير من اللباقة والجاذبية يدعي سيمون وإذا به يتودد للفتاة وإذا بها تحس بدف ، الحب لأول مرة ، وإذا بهما يختلسان برهة ينفردان فيها للنجوي . . وهنا يشاء حظهما العائر أن يفاجئهما الدكتور على غير انتظار فتبدأ الكارثة ، إذ يدرك لأول وهلة أن هذا الشاب مخائل خداع ، فليس في ابنته ما يغريه بحبها وإنما هو طامع في مالها ، وعبثا تحاول كاترين أن تقنعه بصدق عاطفتها ، وعبثا محاول موريس أن يقنعه برغبته الأكيدة في الزواج منها ، وأخيرا لا يجد بدا من أن يصحب ابنته إلى أوربا فرارا من تأثير عشيقها المحتال عليها وان يهددها في نفس الوقت بحرمانها من ميراثها إذا هي فكرت في الأنساق وراء تخيلات سذاجتها ، وكذلك لا يجد موريس بدأ من أن يراسلها خلال رحلتها ويظل يتردد على دارها ليدبر مع عمتها خطة يسترضي بها هذا الأب العنيد .

وعمتها هذه أرملة فقدت زوجها فعاشت في بيت أخيها فارغة القلب فارغة الحياة ، ولهذا كانت تعطف على العاشقين لتملأ باشتراكها في مغامرتهما العاطفية شيئا من الفراغ الذي تحس وطأته .

وذات مساء بينما كانت تحادث موريس وتؤكد له أن الدكتور سلوبر سيوافق أخيرا علي زواجهما ويؤكد هو لها حبه لكاترين دون طمع في ثروتها وتعود هي فتطمئنه إلى أن شقيقها أن يحرم ابنته من ميراثها وقدره ثلاثون ألف دولار ، وحتى لو أمعن في عناده وقسوته فحسبهما ميراثها من أمها وقدره عشرة آلاف دولار ؛ ويجيبها هو بأنه لا يضيره ذلك لولا أنه من المحقق أن الإنسان يعيش بأربعين ألفا أفضل مما يعيش بعشرة آلاف . . بينما هما يتحاوران هكذا إذا بهما يسمعان صوت الدكتور سلوبر وقد عاد مع ابنته من رحلتهما فتضطرب العمة وتخفي موريس في الطبخ ويدخل سلوبر فيلحظ وجود بقايا أقداح خمر وأعقاب سجاير لا تزال مشتعلة ، ولا يلبث أن يدرك حقيقة الأمر فتعود الكارثة من جديد . ذلك أن كاترين تجهر بتصميمها على الزواج من موريس ويجهر أبوها بتصميمه على حرمانها من ميراثها ، ويتواعد العاشقان على الهرب من الدار ( بعد ساعتين ) في نفس الليلة ويذهب موريس لإحضار متاعه ولكنه لا يعود .

وتمضي سنتان ويموت الدكتور سلوبر وتئول ثروته إلى كاترين ، غير أنها رغم ثرائها تقبع في دارها وتعتزل الدنيا والناس . لكن موريس يعود إليها مرة اخري ويحاول - بمساعدة العمة - أن ينتحل لغيبته عذرا ويؤكد رغبته في الزواج منها في نفس الليلة ، فتطلب منه إحضار متاعه وانتظارها ( بعد ساعتين ) فيخرج مهرولا واثقا من أنها غفرت له ويعود في الموعد المحدد ويقرع الباب ولكنها لا تجيب ، وإنما تنهض وتسدل الستائر على الشبابيك وتذهب إلى مخدعها ؟ !

هذا هو ملخص القصة ؛ وهدفها العام - كما يقول مؤلفها - هو إبراز ما يربن على الحياة الأمريكية من سطحية ومادية وعجلة وتكالب على انتهاز الفرص ، وذلك بسبب اشتغال كل فرد فيها بذاته والنظر إلى الأشياء بعينه والحكم عليها بتفكيره بحيث لا يكاد يتصور أنه قد يخطئ أو أن للاخرين سمات وصفات ومقومات قد تختلف إلى

حد كبير أو صغير عن سماته وصفاته ومقوماته . ومع هذا فلا يعنينا الآن أن نتحدث عن نجاح مؤلفها في إبراز هذا الهدف بقدر ما يعنينا أن ننوه بنجاح مقتبسها ومخرجها وممثليها في تحقيقه على خشبة المسرح نجاحا لم يظفر بمثله من حاولوا تحقيقه على شاشة السينما . ترى اكان ذلك راجعا إلى أفضلية المسرح على السينما من حيث القدرة على التعبير الفني ؟! هذه هي المشكلة الثانية التى تثيرها هذه التمثيلية . وبديهي أن المفاضلة بينهما عبث لا طائل وراءه إلا إذا حصرناها في إمكانية المقارنة بين وسائلهما التعبيرية منتهزين هذه الفرصة السانحة كمثل تطبيقي واضح . إذ ذاك سنجد أن الإخراج السينماني يمتاز - مثلا - بالقدرة على متابعة النصوص المكتوبة بحذافيرها ؛ ولكن هل يعتبر هذا امتيازا فنيا ؟!

يقول اندريه مالرو : ما من حياة إنسان أو مجتمع إلا وفيها جزء يصلح لأن يكون المادة الأولية التي ينتفع بها كل فن من الفنون في عمله ، وأجزاء لا تصلح . فالحوادث إذا اختلطت وتشابكت وغابت معالمها الفردية في لجة صاخبة لا تخلو من "لحظات فذة" يتولى كل فن تحديد ما يهمه منها إذا ما أراد التعبير عن تلك اللجة الصاخبة .

وغني عن البيان أن إخراج هذه القصة سينمائيا لم يستطع إبراز هذه اللحظات ، في حين أن المسرح أفلح في إبرازها حتى بلغ بها حد الروعة . وتجلي هذا مثلا عندما أسدل الستار على كاترين وهي تتردد بين أبيها وعشيقها ، أو عندما أسدل الستار عليها بعد يأسها من عودة هذا العشيق وهي تقول لعمتها : إني لا أريد عزاء ولكني أريد حبا، أو عندما أسدل الستار الأخير عليها وهي تصعد إلى مخدعها بينما يدق ( موريس ) الباب الخارجي هاتفا في ضراعة : " كاترين " . .

وثمة مشكلة ثالثة عابرة ولكنها في غاية الأهمية تحددها الإجابة على هذا السؤال : لماذا كانت هذه التمثيلية أكثر تمثيليات الموسم الأجنبي استهواء لجمهورنا ؟ لقد يبدو هذا عصيا على التعليل ، إذا محن حاولنا اعتباره دليلا علي امتيازها عن غيرها . فالتمثيليات التي قدمتها فرقة ( جان مارشا ) في هذا الموسم ذات اتجاهات مختلفة عيث تستأثر كل منها بمزايا معينة خاصة بها وحدها ؛ ومن ثم فالمقارنة بينها غير ممكنة أو هي على الأقل غير ميسورة ، لا سيما

بالنسبة لنا . وأغلب الظن أن إقبالنا عليها أكثر من غيرها يرجع إلى ثلاثة أسباب . السبب الأول : وضوح فكرتها وضوحا لا يتطلب كثيرا من التعمق في معرفة دقائقها وتفاصلها . والسبب الثاني : تناسب مضمونها وهدفها في بعض النواحي مع المألوف المتعارف عليه في بيئتنا . والسبب الثالث : تكرار عرضها علينا في فترة ضئيلة أكثر من مرة وفي أكثر من صورة ؛ إذ شهدها بعضنا حين قدمتها فرقة ( جان مارشا ) ذاتها في الوسم الماضي ، وشهدها معظمنا حين قدمتها إحدي دور السينما في العام الماضي أيضا . . ولا جدال في أن هذا كله قد هيأ بين جمهورنا وبينها من صلات الألفة والفهم ما لم يتهيأ لغيرها . وهذا هو ما أريد الوصول إليه لكي اتخذ منه برهانا على أن إقبالنا أو إعراضنا عن المواسم الأجنبية ليس راجعا فقط إلى القدرة أو عدم القدرة على شراء تذاكرها ، بل هو كذلك رهن بوجود أو عدم وجود مثل هذه الصلات . وصحيح أنها لم تتهيأ بالنسبة لهذه التمثيلية إلا عفوا ومصادفة كما هو واضح إذ لم يقصد إليها قصدا مباشرا . ولكن أليس في ذلك ما يدعونا على الأقل إلى التساؤل عما إذا كان من الجائز تهيئتها بالنسبة لسائر تمثيليات المواسم الأجنبية الممتازة ، وذلك بمحاولة تقريبها إلى أذهاننا ، والتوطئة بينها وبين مدركاتنا وتصوراتنا ؟ !

هذه وما إليها مشكلات ، كم أحب أن أسمع رأي نقادنا فيها ، فليس أجدي علي حياتنا الفنية من أن نناقش ما يمكن أن يثيره الإنتاج الغربي بيننا من مشكلات .

اشترك في نشرتنا البريدية