اليوم تتحدث عن تمثيلية ثالثة من تمثيليات الموسم الأجنبي ، لم يستمد مؤلفها موضوعها من الأحداث الجارية في البيئة الفرنسية كما فعل مؤلف التمثيلية الأولى ، ولا من مؤلفات غيره كما فعل مقتبس التمثيلية الثانية ، وإنما استمده من حادثة تاريخية معينة سجلها تاريخ الحروب الاستعمارية بين أوربا وأمريكا في القرن الماضي .
وبديهي أن لكل مؤلف أن يتخير موضوعه كيفما يشاء ، وإنما نبادر بتحديد طراز هذه التمثيلية قبل كل شئ . لأن هذا التحديد يكسبها عندنا أهمية خاصة ، لا من براعة تأليفها فحسب ، بل كذلك لأنها من نفس الطراز الذي كاد يستنفد جهد مؤلفينا دون أن يظفروا ببعض ما ظفر به مؤلفها من نجاح وكأنما أرادت فرقة ( جان مارشا ) بتمثيلها أن تضعها أمامنا كبرهان تطبيقي داله على ما بينه وبينهم من تفاوت شاسع .
على أن العبرة المبتغاة من وراء ذلك ينبغي ألا تنحصر في مجرد التدليل على وجود هذا التفاوت فهو واضح الوجود ، ولا في معرفة مداه فهو كبير المدى ، ولكن في إدراك مسبباته إدراكاً واعيا يعيننا على تدبر أخطائنا ونقائصنا . وليس هذا بالأمر اليسير وإن كان الوصول إليه ضرورة لا محيص عنها . فمؤلفها كمؤلفينا فرد من بني البشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . والمادة التاريخية التي استمد منها موضوعه ليست أخصب ولا أحفل بالحوادث مما استمدوا منه موضوعاتهم . والهدف الذي استهدفه أشبه ما يكون بأهدافهم لو صح ما يزعمونه فكيف إذاً تأتي له أن يفلح فيما لم يفلحوا فيه ؟ ! لننظر بشيء من التفصيل إلى الفارق بين موضوعه
كما سجله التاريخ ، ثم كما كتبه للمسرح ، لعلنا نهتدي إلي سر نجاحه :
في أوائل القرن التاسع عشر أغارت قوات من الجيش الإسباني بقيادة ( مونتفرد ) على فنزويلا بقصد احتلالها وأسفرت المعارك الأولى عن اندحار الفنزويليين .
غير أن هذا الاندحار لم يضعف من عزيمتهم أو نضالهم فعلى الرغم من أن القوات الإسبانية احتلت ثلاثة أرباع بلادهم وأسرت معظم جنودهم وضباطهم ، ومن بينهم قائدهم ( ميراندا ) إلا أن نائبه ( اللفتنانت سيمون بوليفار ) تمكن من الحرب ، واستطاع أن ينشئ من فلول جيشه المنهزم جيشاً جديدا أعاد الكرة على الإسبانين وأخرجهم من البلاد وأعلن استقلال جمهورية فنزويلا .
هذا هو موجز الحادثة التاريخية التي استمد منها المؤلف الفرنسي المعاصر " إيمانويل روبليس " موضوع تمثيليته ( مونسيرا moniserrai ) هادفاً بها - كما يقول في الفترة التى أذاعها خلال تمثيلها - إلي " إظهار ما في هذه الواقعة المحلية من حقيقة عامة ، وهذه الحقيقة هي فظائع الاحتلال الأجنبي " فكيف صورها على خشبة المسرح ؟ .
ينفرج الستار عن قاعة صارمة الجدران والمنافذ والمحتويات ، وها هو ( الأب كورنيل ) وهو أحد كبار القساوسة ومن حوله ضباط الجيش الإسباني ( زوازولا وموراليس وانطونا نزاس ) وقائدهم ( إيز كيردو ) يروحون ويجيثون في هذه القاعة حائرين ، ويخرجون منها ويعودون إليها حائرين ؛ ذلك لأنهم وإن كانوا قد هزموا الفنزويليين وقتلوا وأسروا معظم جنودهم واحتلوا ثلاثة أرباع بلادهم وابتهجوا لذلك ما وسعهم الابتهاج ، إلا أنهم فوجئوا بأمر
طارئ، لم يكن يخطر لهم على بال ؛ فلقد فر القائد الفنزويلي ( بوليفار ) من اسره واعتزم النضال واختفى مؤقتا في مكان مجهول ريثما تسنح له الفرصة المناسبة . ولكن حاولوا بكل الوسائل أن يظفروا به في مخبئه و لكن ذهبت محاولاتهم في غير طائل . والشئ الذي زاد من حيرتهم أن زميلهم الضابط الإسباني ( مونسيرا ) يعرف هذا المكان ومع هذا يرفض البوح به !! إذا فليستدعوه وليحاولوا ترغيبه تارة وإرهابه تارة أخرى ، هاء أن يعود إلى رشاده . فمن غير المعقول أن يخونهم ويخون وطنه ومبادئه العسكرية لغير ما سبب واضح ، وهو الجندي الذي عرف بينهم طوال حياته بالنزاهة والاستقامة والطاعة والإخلاص .
ويأتي ( مونسيرا ) ويبدأ استجوابه فيعترف بأنه حقا يعلم المكان الذي اختبأ فيه ( بوليفار ) ويعلم أكثر من هذا أنه لن يظل مختبئاً إلى الأبد ، وإنما سيحاول الفرار ليضم إلى فلول الفنزويليين ويقودهم في معركة تحريرية فاصلة ، ويعلم كذلك أن من واجبه بكندي إسباني أن يحول دون ذلك لولا أن له ضميراً بشرياً يستنكر ما ارتكبه زملاؤه من وحشية بالغة الفظاعة . فقد رأي زميله ( موراليس ) وهو يسوم الأسري والمسجونين سوء العذاب ، ورأي زميله ( أنطونازاس ) وهو يبقر بطون الحبالي ويقطع أطراف الأجنة ويرسل لأصدقائه صنايق مشحونة بالجثث المسفوحة والأشلاء المبتورة ، ورأي زميله ( زوازولا ) وهو يفقأ عيون الفنزويليين المستضعفين بأسياخ تكاد تغلي من فرط سخونتها ، والأدهي من ذلك أنه سمع ( الأب كورنيل ) وهو يفتي بقتل كل فنزويلي يزيد عمره عن سبع سنوات . . رآهم وسمعهم يرتكبون هذا كله في نشوة وحقد ونذالة . رآهم بعينيه وسمهم بأذنيه فاستيقظ ضميره حتى أصبح يستنكر الاستعباد والظلم حيثما كانا ويتمنى لوانتصر الفنزويليون عليهم .
إذ ذاك يلجأ القائد ( إيز كيردو ) إلى حيلة ماكرة ، فيأمر بالقبض على ستة من أفراد الشعب الفزويلي أياً كانوا . فيخرج رجاله ويعودون ومنهم أول ستة صادفوهم في الطريق . وعندئك يواجه ( مونسيرا ) بهم ويطالبهم باستخراج السر الدفين منه ويهدده بقتلهم جميعا إذا لم يستطيعوا ذلك ويمهلهم ساعة واحدة ثم ينسحب هو ورجاله . ويسدل الستار وينفرج عن نفس المنظر وقد احتوى
على ( مونسيرا ) مع الستة التعساء الأبرياء ، ويتحاورون فيتبين لنا أنهم من انماط مختلفة : أولهم خزاف ( صانع خزف ) يعول خمسة أطفال ، وثانيهم تاجر واسع الثراء ، وثالثهم أو ثالثتهم أرملة تعول طفلين وكانت - عند ما قبض عليها - قد تركتهما وحدهما لتحضر لهما طعاماً ورابعهم ممثل فنان ، وخامسهم فتي في مقتبل العمر وريعان الشباب ، وسادسهم أو سادستهم فتاة فنزويلية الأم ولكنها إسبانية الأب . . ويحاول ( مونسيرا ) أن يواسيهم فيتوسلون إليه - فيما عدا السادسة - أن يبوح بسره ، إذ أنهم لا يريدون موساة ولا يريدون تحرير وطنهم وإنما يريدون أن يعيشوا ، غير أن توسلاتهم تذهب هباء فهو يؤثر أن يموت ويموتوا في سبيل إنقاذ شعب بأسره .
وتنتهي المهلة المحددة ويعود ( إيزكيردو ) مع رجاله فيبدأ بنفيذ وعيده ويأمر بقتل أولهم أى الخزاف ، فيؤخذ إلى خارج القاعة ، وماهي إلا برهة حتى تفرع الطبول وتنطلق الرصاصة القاتلة الأولى بينما يضع القائد يده على كتفي ( مونسيرا ) مؤكدا له أنه - وحده - المتسبب في قتل هذا الرجل وتشريد أطفاله الخمسة من بعده وانه - وحده - سيكون المتسبب في قتل الآخرين .
ويسدل الستار وبنفرج عن نفس النظر ونفس الأشخاص ويأمر ( إيزكبردو ) بقتل الثاني ويستصحب معه ( مونسيرا ) إلى الباب ليري مصرعه فيري بذلك شناعة احتفاظه بسره . وتقرع الطبول وتنطلق الرصاصة القاتلة الثانية ويعودان ولا يزال كلاهما مصراً على موقفه .
ويحين دور الثالثة فالرابع فالخامس وكل منهم يناشد بدوره ( مونسيرا ) أن يرحمه وينقذ حياته ، بل إن الضحية الثالثة ترتمي على قدميه باكية بكاء مؤلماً لعله يشفق عليها ولكن بلا جدوي .
أما السادسة فيأبي عليها حبها لفنزيلا التي احتضتها كمواطنة أن تتوسل لأحد ، بل تذهب إلى حيث ستقتل رابطة الجأش مفتدية موطنها بحياتها لاعنة ظالمية وظالميها دون أن يثنيها من ذلك غضب القسيس عليها .
كل هذا و ( مونسيرا ) يكاد يذوب من فرط التأثر ، غير أنه يظل صامداً حتى يترامي إلي زملائه أن ( بوليفار ) استطاع الفرار سالماً من مخبئه فيثورون ثورة عنيفة ويسوقون
" الخائن مونسيرا " إلى حيث تقرع الطبول وتنطلق عليه الرصاصة القاتلة السابعة والأخيرة
ويسدل الستار النهائي علي القائد إيزكيردو ) وهو يقول للأب ( كورنيل ) في تأثر عميق رهيب : لقد أديت واجبي كجندي إسباني ، ولكنه أدى واجبه كإنسان .
والواقع أن " إيمانويل رويليس " هو الذي أدى واجبه كمؤلف ممتاز لسبب واحد هو أنه - كما يستنتج من تمثيليته - يعرف ما هي العلاقة بين المسرح والتاريخ ويعرف إلى أي حد يصلح التاريخ كمادة للمسرح ، ويعرف كيف يستقطر المؤلف المسرحي أحداث التاريخ معرفة دقيقة فهو الذي نسق أحداث الواقعة التي اختارها تنسيقاً محكما جديداً مغايراً لتفاصيلها الأصيلة لأنه يعرف أن طبيعة حوادث التاريخ تغاير طبيعة الموضوع المسرحي الذي يجب أن يكون كاملا في ذاته وان تجري أجزاؤه في ارتباط تام ، بينما الحوادث التاريخية - كما يقول هربرت فشر - ليست سوى حادث يعقب حادثاً وطارئ يتلو طارئا كما تتعاقب أمواج البحر . وغاية ما يدركه المؤرخ لعب الطوارئ غير المنظورة والمقادير غير المرتقبة
وهو الذي أسند أدواره إلى شخصيات نموذجية وأدار الحركة المسرحية في مجالات مصفاة منتفاة ، لأنه يعرف أن التاريخ وإن كان سجلا واقعياً إلا أنه - حسب نظرية أرسطو - لا يعني بغير الجزئي من الأمور . بينما المسرح يعني بالكلي منها تبعاً لقانون الاحتمال أو الضرورة ، فالتاريخ يصور ما حدث فعلاً ويحدد واقعاً معيناً ؛ بينما المسرح يصور النماذج العليا التى يخلقها الانتخاب أو التخييل ويبتدع المثال الكامل .
وهو الذي تعمد مخالفة بعض ما سجله التاريخ حيناً والتنزهه حيناً آخر ، وأغفل جانباً منه تارة وأضاف إليه من عنده تارة اخرى ، لأنه يعرف أولاً أن الالتزام التاريخى التام يفسد المسرحية كما يقول اير كرومي ، وذلك لأن الفن تقليد " بارع " للأشياء . ولولا البراعة لأصبح النقل عن التاريخ عبثاً . . ويعرف ثانيا أن المؤلف قد يلتزم بعض أحداث التاريخ ولا يقلل هذا من شأن إنتاجه طالما أنه مع التزامه يتغلغل في بواطن شخصياته ويستنطقها بما يعين على تفسير الحوادث . . ويعرف ثالثا أن هناك لحظات
تاريخية نادرة تكون فيها الحقيقة - كما يقول ما كولي - أغرب وأروع وأكثر إرضاء للنفس وأوثق صلة بالفن من أي قصة ؛ ولئن أقبلت لحظة من هذه المحظات على فنان ممتاز ، فإن الفن والتاريخ يسيران معاً بين يديه في توافق تام . وهكذا
وهو على التحقيق لم يعرف كل هذه الدقائق معرفة تلقائية ، وإنما عرفها معرفة علمية أى عرفها باستقراء ما عرفه الذين أمعنوا البحث والتحقيق فيها . وليس من المحتم أن يكون قد استوفي ذلك ممن نقلنا عنهم ما أسلفناه بالذات ، وإنما لاشك في أنه وعي أمهات ما أجمع عليه الشراح والعلماء والنقاد ، ولم يمارس تجربة التأليف - تأليف تمثيليته هذه على الأقل - إلا على ضوء القواعد والأصول التي استنبطوها أو استخلصوها أو اهتدوا إليها من طبيعة الفن المسرحي ووظيفته .
أين هذا كله مما نلحظه في إن انتاجنا من نقص وانحراف ؟ لقد كان من المصادفات المقيدة أن تقدم فرقة ( جان مارشا ) هذه التمثيلية في هذا الوسم الذي أفحمت فيه مسارحنا بنظائرها وأشباهها لتسهل المقارنة . بل لقد كان من المفارقات العجيبة أن يشهدها جمهورنا في نفس الوقت الذي شهد فيه رواية اخري محلية من طرازها أراد بها مؤلفها تصوير أحداث ( ٧٠ سنة ) من تاريخنا الحديث ، فإذا هو لا يتخرج من أن يحشدها بكل ما وسعه الزمن المسرحي من تفاصيل هذه الحقبة ، وإذا هو - سواء حين يلتزم التاريخ أو حين يخالفه - لا يفعل هذا أو ذاك إلا بقصد الإغراب والاستفزاز وهكذا يحقق من يحققون من مؤلفينا ، لأنهم على غير دراية كبيرة بالأصول الفنية ولأنهم لا يحاولون الدراية بها ، إذ لا يزالون يحسبون أن الفن هبة تلقائية ونفحة لدنية تهبط من الفضاء .
وإذاً فالفارق بين مؤلف ( مونسيرا ) وبين هؤلاء هو أنه " يعرف " وهم " لا يعرفون " .
والأمر يهون إذا اهتدينا - وإياهم - إلى أن المعرفة هي سبب هذا التفاوت ؛ فليس من المستحيل على من لا يعرف أن يعرف إذا صح العزم وخلصت وتطامنت الكبرياء . . وهذا ما نرجوه مخلصين ،

